قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
الفرح الّذي لا يُنزع منّا

     الفرح هو الخبز الحقيقيُّ للإنسان، كيف نعمل له، كيف لا تنزعه منا الظروف والصعوبات؟ قد تبدو هذه الأسئلة غريبةً ودون جوابٍ، في عالمٍ ممزوجٍ بالعذاب والألم! قد تُبنى بعض الحلول على التهرُّب من هذه المعضلة وتجاهلها، لكنَّ الكتاب المقدس يريد أن يعالجها. جاء يسوع لتكون لنا الحياة أفضل. يتكلَّم الرّب يسوع عن المأكل الحقِّ الّذي يجب أن نعمل له في الإصحاح السّادس من إنجيل يوحنا، ويرشدنا في الإصحاح السّادس عشر منه إلى الفرح الّذي لا ينزعه أحدٌ منا. كيف نعمل ليكون طعامنا باقياً وليس عابراً، وكيف لا ندَعُ الصّعوبات تَنزع منا الفرح مهما صَعُبت؟ ما قيمة الحياة إذا لم نقضها فرحين!

      في (يوحنا 6: 27) يعلن يسوع صراحةً "اعملوا لا للطعام الفاني بل للطعام الباقي". للوهلة الأولى نظن أنَّ المقصود هو الاهتمام بالأمور السّماوية والإعراضُ عن الدنيويات. هذا صحيح، ويشير يسوع إليه بمواضع عديدةٍ أخرى: "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه …"، لكنَّ المعنى هنا أشمل بكثيرٍ من الإشارة إلى المفارقة. ويذهب قصد يسوع إلى:

     كيف نعمل لتكون نتيجة أعمالنا برمّتها طعاماً باقياً وليس فانياً، أي كيف يعطينا عملُنا فرحاً وحياةً دائمة!

     الأسباب التي تصيِّرُ الطعام فانياً هي كثيرةٌ وسنتأمّل في ثلاثةٍ منها: الحسد، والطمع، والغرور. يحصل أن نحبَّ عملاً ما ونعطي ذاتنا من أجله وننجح به ونفرح فرحاً لا يوصف! لكن يصدف أن ننظر ونرى أخاً آخر قد نجح فيه مثلنا أو أكثر، فلا نعود نفرح بما لنا! لا نفرح بما لنا إلا إذا حُرم منه الآخر! لا نستعذب أيَّ شيءٍ يشترك فيه الآخر، نريده لنا وحدنا، ونحزن إذا شاركنا به الآخر. "الآخر جحيمي"! إنه الحسد ونقص المحبة. لا نريد الخير لسوانا! إنها الغيرة الشرّيرة!

     نتعب مراتٍ بهدف تحسين الحياة لئلا ندعَ شيئاً ينقصنا، ونطلب أشياء أخرى ليست الآن في حوزتنا. لكن لطالما تفقد جمالها في أعيننا بمجرّد حصولنا عليها! هي جميلةٌ فقط لأنها غائبة. أو بكلامٍ آخر إننا نشتهي الأشياء الأخرى، بغضِّ النظر عن حاجتنا لها، ليست هي طعامنا بل هي شهوتنا. نشتهي كلَّ آخر، وعندما نناله يصير المشتهى آخر… ننال ما نشتهيه فبدل أن نفرح نحزن، لأننا في الواقع لا نشتهيه هو، بل نشتهي ما هو آخر. إنه الطمع وحبُّ القنية. إنها عينٌ لا ترى لأنها لا تشبع! إنه الطمع بدل الطعام! لذلك نتيجته هي الحزن بدل الفرح والطعام الفاني بدل الباقي!

     نسعى دائماً لـ أشياء أكثر، لا نقبل بسهولةٍ ما حققناه، ظناً منا أننا نستطيع الأكثر والأفضل، وأحلام الإنسان تسبق دوماً قدماه. هذا أمرٌ واقعيٌّ وجيد. لكن ما بالنا لو صار الموضوع ليس ما ينقصنا، بل طلبُ ما هو أكثر…، حينها كلّما حققنا غايةً ستفقد معناها لأنها محقَّقةٌ وليست أكثر. يختفي وراء هذا الوهم بعض الغرور ومرض التعالي أو التفوّق! تصلُ إلى ما تريده وعندها تريد غيره! إذاً أنت لا تريده، لذلك عندما تحصل عليه لا تفرح!

     لا نفرح لأنه بينما نعمل لطعامنا نفسده عندما نأكله فيؤول إلى حزنٍ وليس إلى فرح. نفسده عندما لا نريد أن يشاركنا بفرحه أخٌ آخر، أو عندما لا نحبه إلا إذا كان شيئاً آخر، لأننا نشتهي كل ما هو آخر وما هو لنا لا نفرح به، ولأننا نسعى لما هو أكثر غروراً لا حاجةً. هذه الأسباب الثلاثة الباطنية قادرةٌ كلُّ واحدةٍ بمفردها أن تُفسد طعامنا ليصير فانياً لا باقياً، وتحرمنا من أيِّ فرح. أوَليست هذه حال الكثيرين الذين لا ينفكون يتساءلون: "ما بي؟ ماذا يجري؟ فقلبي دوماً يبكي!" تمضي الحياة كلّها بالأتعاب لكن أيضاً بالحزن وعدم الرضى وبدون الطعام الحقّ، الفرح!

     الفشل، هو النتيجة الطبيعية والشعور الوحيد الّذي يتبع هذه الأسباب! وهذا حق يجبرنا على أحد طريقين، إما أن نعدل عن هذه الدوافع ونعمل لطعامنا بشكل يبقى ونفرح. أو نيأس لا سمح الله. لذلك صرخ يسوع بمن يعملون، لا تجعلوا نتائج أعمالكم طعاماً بائداً إنما باقياً. وهذا فضلُ الكلمة الإلهية علينا، التي بدونها لا بدّ سنعمل للطعام البائد.

     النجاح، هو فنُّ التعامل مع "الآخر". السّبب الآخر الّذي يجلب الفرح، ليس: "لا للأخ الآخر"، أو " شهوة كلِّ آخر"، أو الغرور بطلب "وشيء آخر"،  دوماً الأكثر. الآخر الّذي يعطي الفرح هو الله. عندما نعمل للآخر، عندها، مهما كان عملنا كبيراً أو صغيراً، مريحاً أو متعباً، يصير فرحاً وطعاماً باقياً! "لا لنا يا ربُّ بل لك المجد". علينا أن نستبدل دوافع أعمالنا لا أن نتركها، حينها تصير باقيةً لا بائدة. هذا هو طريق النجاح في ما نحاول نحن أن نعمله.


      كيف نفرح مما يعمله الآخرون، أو في تحمّل ما تفرضه الظروف علينا؟

     يمكننا أن نفرح فرحاً لا يُنزع منا مهما كانت الظروف. في (يوحنا 16: 22) يبشّر يسوع تلاميذَه اليائسين والخائفين بكلامٍ جريءٍ جداً: "عندكم الآن حزنٌ. لكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبُكم ولا ينزع أحدٌ فرحكم منكم". كيف يأتي هذا الفرح الّذي لا يستطيع أحدٌ أن ينزعه منا؟ يطلب منهم أن يثبت فرحُهم في الوقت الّذي ينبئهم فيه عن آلامه، وأنّ العالم سيبغضهم وسيخرجونهم من المجامع ويقتلونهم…! كيف يثبت الفرح في مثل هذه الظروف؟ كيف يكون فرحنا باقياً وليس بائداً أمام كلِّ ظرفٍ؟

     يفرح الإنسان بحالتين. الأولى هي حال الفرص المؤاتية، حين تأتي الأمور كما نشتهي. كأن ندرس وننجح، وتكون صحَّتنا جيدة، وأمورنا كلها موفَّقة. لكن هذه هي حالة صدفة أكثر مما هي واقعٌ دائم. الحياة ملآنةٌ بالصعوبات والتحديات. فلا تدوم الصدف المؤاتية. الأهم هو أن نتعلَّم ما يعلِّمه يسوع، فنفرح في الظروف غير المؤاتية، وذلك بالتغلُّب عليها وتجاوزها. إنه فرحٌ يبدو لمن يجهل طريقته فرحاً جنونياً، مثاله الأقصى هو حالة المتبالهين بالله، يفرحون بشيءٍ لا يعرفه العالم ولا يرى في حالهم إلا ما يُحزن. مثله حال الشهيد، الّذي كان يبدو للحاكم أنه ينتحر بينما كان هو يفرح لأنه يولد من جديد.


     كيف نتجاوز الصّعوبات ونتغلّب عليها؟

     لكي نتمكن من تجاوز الصعوبات يجب علينا أن ننظر إلى صعوبات الحياة كخطوةٍ لا بدّ منها نحو الأفضل، وكمرحلةٍ عابرةٍ صعبةٍ لكن عابرة من مخطّطٍ صالح أوسع. وكضرورةٍ لولادة شيءٍ جديد. كما أخبر يسوع: "المرأة وهي تلد تحزن لأنّ ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح …". من هنا تصير أتعاب الدراسة للمجتهد متعةً وللكسول عذاباً، وأتعاب التربية للأم فرحاً وللخادم مشقَّة.

     وأيضاً أن نربط صعوباتنا برعاية الله. حين أخبر يسوع تلاميذه بما سيحصل، بالآلام والموت والعذابات…، بدأوا هم يخافون ويسألونه أين يذهب، وطرحوا عليه الكثير من الأسئلة، لأنهم خافوا على مستقبلهم وما سيحلّ بهم… أما هو فلم يجب على أسئلتهم الكثيرة بل اكتفى بقوله لهم "في ذلك اليوم (بعد اختبار الضيقات واجتيازها) لا تسألونني شيئاً… بل تطلبون باسمي… لأن الآب نفسه يحبكم…" تطلبون إجاباتٍ وأنا أعطيكم المعزّي وأرشدكم الى الآب. يطلب الإنسان الحذر والضمانات والبرامج و…، لكنّ الضمانة هي أنّ الآب يحبنا والمعزّي سيكون معنا. لم يلقِّن يسوع تلاميذه ما سيقولونه أو يحتجّون به عندما سيقادون للمحاكم من أجل اسمه، بل الروح نفسه سينطق بهم. طلب التلاميذ "طريقةً" لمواجهة الصعوبات الآتية، فأعطاهم المسيح "علاقة". هم سألوا عما سيجري لهم، هو ذكّرهم بمَن سيكون معهم.

     أخيراً، ماذا لو حاولنا العمل بوصية السّيّد، وجرى معنا ما جرى مع التلاميذ؟ لم يتذكروا أيًّا من الكلام الّذي قاله لهم! هل نيأس ونحزن مثل بطرس؟ يبقى سرّ محبة السّيّد أكبر بكثيرٍ من أمانة التلميذ. إذ لا يقول السّيّد لتلاميذه، سترونني أيضاً وتفرحون، بل "أراكم". مهما تراجعنا من قوّة التجربة، وحتى لو هربنا للحظة، "ولسنا بعد أهلاً أن ندعى أبناءً للآب"، فهو مَن سيأتي لملاقاتنا. لذلك أكّد السّيّد للمجدلية: قولي لإخوتي ولبطرس أنّي أنتظركم في الجليل، لأنّ بطرس كان غيرَ مستحقٍّ وغيرَ قادرٍ بعدُ أن يلاقي السّيّد، لكنَّ السّيّد كان ويبقى يريده ويريدنا.

     الله علَّة الفرح، عندما نجعله علّة أعمالنا. الله علة الفرح، عندما نجعله الحلَّ لأزماتنا. هكذا يعطى لنا الفرح فيكون عملنا لخبز الفرح الباقي، ويثبت الفرح فينا ولا ينزعه أحدٌ منا. الفرح غاية أعمالنا ومعيار نجاحنا. افرحوا دوماً بالرّب.


     كيف يكون فرحنا ثابتاً ولا نحزن البتة؟

     كيف يمكننا الثبات في الفرح وما هي مقوّمات هذا الثبات في عالمٍ مليءٍ بالشدائد؟ خير إجابةٍ نأخذها من داود النبي في المزمور الثاني والأربعين: "لماذا أنت منحنيةٌ يا نفسي، ولماذا تئنّين فيّ؟" يساعدنا هذا المزمور على استنباط محطاتٍ ثلاث يمكننا من خلالها الوصول إلى الثبات في الفرح:

     1-  الله هو المتعة والبهجة الخالصة: "كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدّام الله". تصدر عن المرنِّم في الآيتين الأولى والثانية مناجاةٌ صادقةٌ وعميقة تعبِّر عن شوقٍ وعشقٍ نحو الله، فبالرغم من كلّ الظروف ليس ما يشغله إلا حنينه نحو الله ولقاؤه معه وجهاً لوجه. هي علاقةٌ صوفيةٌ يلخِّص فحواها بولس الرسول بقوله "لي اشتهاءٌ أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً".

      2-  وقفة عتابٍ وحوارٍ مع الذات: "لماذا أنتِ حزينةٌ يا نفسي؟ ولماذا تقلقينني؟"

     لا يسأل الكاتب هنا نفسَه بل يعاتبها على خوفها وقلقها. فلِمَ الكآبة والله هو البهجة والفرح! لماذا القلق، والله هو الحصن والملجأ! إذ إنّ التجارب لا تستأثر بنا، والصّعوبات كلّها تتلاشى حينما نثبّت أنظارنا نحو إلهنا.

     3- غاية الثبات في الفرح هي أن نصير مشابهين لابنه:

     يصف المرنِّم صراعه الداخليّ، لكنه ينجح في النهاية في رؤية الأمور من منظارٍ إلهي- يرى الحلَّ- متذكراً الأيام القديمة وكم اختبر من مراحم الله وأعماله.  فكل الآلام الماضية والحاضرة والمستقبلة، لا قيمة لها إذا ما قيست بعذوبة الرجاء بالله والعيش تحت كنف رحمته، بل هي بالأكثر تزيده شوقاً فلا يعرف كيف يشكره حتى في الليل. "بالنهار يوصي الرب رحمته، وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي".

     موقفاً مماثلاً نجدُ لدى القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية "فماذا نقول لهذا إن كان الله معنا فمن علينا". يتعجَّب أيضاً بولس الرسول بدوره كيف نشتكي ونقلق!! فالّذي أعطانا ابنه الوحيد وقدّمه للموت من أجلنا، ألا يهبنا معهُ "كلَّ شيءٍ" في سبيل تحقيق خلاصنا!! وعبارة "كلّ شيء" هذه يوضحها الرسول بقوله "ونحن نعلم أن كلّ الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الخلاص… ليكونوا مشابهين صورة ابنه". شابَهَنا المسيح في موتنا لنشبهه نحن في حياته. إذ علينا كمؤمنين أن "ننمو في كلٍّ شيء إلى ذاك الّذي هو الرأس: المسيح".  في البدء كان الصّليب؛ والقيامة صارت لاحقة، لأنه بالصّليب فقط قد أتى الفرح للعالم.

     نلاحظ هنا أنه لا يقول كلّ شيءٍ يحدث لنا هو خيرٌ، بل توجد أيضاً بعض الأمور كالمرض والتجارب والظروف غير المؤاتية، لكن هذه الأشياء كلّها تصبح للخير للذين يحبون الله. "تعمل معًا"، أي قد يبدو الشيء وحده سيئاً وغير مبرَّرٍ بسبب غرابته وقسوته، لكن حينما يضاف إلى الأعمال الأخرى والظروف الأخرى التي أتت والتي سوف تأتي فإنها كلّها تعمل لأجل هدفٍ واحدٍ وهو أن نصير مشابهين لابنه. وكأنه يقول لنا بكلماتٍ أخرى: أنا أعلّمكم الطريق التى فيها ستحصلون على فرحٍ كاملٍ "يثبت" ويدوم، هي أن تصيروا مشابهين لابني، أن تسلكوا الطريق التي سلكها وتحملوا نيره.

      يثبت فرحنا، مثل المرنِّم الّذي راح يلوم نفسه المكتئبة، عندما نجعل عطشنا إلى الله هو الألم والمطلب الوحيد، لا يحرّكنا سواه. ففي كلّ لحظةِ ألمٍ أذهب إلى مذبح  الرب، لأصير شريكه ومثلَه: "عطشتْ نفسي إلى الإله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله"، عندها يكون الله هو كل الغاية.

     الجحيم للنساك هي غياب الله، والفردوس هو حضوره. يثبت فرحي بالله ليس عندما يكون هو لي معيناً، بل عندما يصير لي كافياً!.


المتروبوليت بولس يازيجي


المرجع:

       paulyazigi.wordpress.com

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share