إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
الصوم وعلاقته بالصلاة

                                                                                                                 محاضرة أُلقيت في قاعة دير البلمند
                                                                                                                          في 24/ 3/ 1997

 

       أولاً. ما هو الصوم

       1- إمساك عن الطعام والشراب بقدر. هذا أقلّ الصوم وأوّل الصوم. حدود الصوم الحاجة، حاجة الجسد ليستمر. هذه يستحيل تحديدها إلاّ على المتقدّمين في أصول الحياة الروحية. الخلط بين ما هو من حاجة الجسد وما هو من شهوة الجسد حاصل أبداً. لذلك الكنيسة تحدّد. هذا للجمهور الأكبر. الآباء أيضاً يحدِّدون ولكن للجمهور الأصغر الذي يطالونه أو الذي في عهدتهم. النظام الغذائي للرهبان، هناك الكثير بشأنه سواء في التعليم أو في الممارسة. المهم السلوك بحسب الإرشادات والقواعد المرعية لأنها ثمرة الخبرة الطويلة. السلوك بحسب القناعات الشخصية والأمزجة لا يخلو من خطر الشرود. يذهب بالمنفعة.

       2- الإمساك عن الطعام والشراب في مقابل الشبع والشره. ماذا يقولون في الشبع؟ هو رأس الأهواء (السلّمي). يميل بالنفس إلى الزنى وحبّ النوم وجفاء القلب. منه تنبعث الأفكار السمجة وأمواج من الأدناس. يولّد البلادة والثرثرة والدالة والسخرية والمناقضة والخيلاء والمعاندة (السلّمي). كذلك يولّد الغفلة والوقاحة ومحبّة العالم والطياشة. "امتلاء البطن مؤشّر للعدو ليهاجم القلب" (القدّيس يوحنا كرونشتادت). يجعل الذهن جباناً كسولاً (القدّيس ذياذوخوس).

       3- الإمساك عن الطعام والشراب لا يكفي. الحواس كلّها برسم الصوم. في صوم اللسان مثلاً نمسك عن النميمة، عن الكذب، عن الثرثرة، عن الشتيمة، عن الغضب، عن كل هفوة ترتكب باللسان. في صوم العيون، نمسك عن النظر إلى الأشياء البطّالة، نجتنب دالة النظر، نمتنع عن النظر إلى أي إنسان بدون حشمة. الشيء نفسه يقال عن اليدين والرجلين والأذنين والمنخارين. نمتنع عن كل رديء. نمتنع عن كل ضار. نمتنع عما لا ينفع. (راجع القدّيس دورثيوس غزّة).

       4- وإلى صوم الحواس هناك ما يسمّيه القدّيس يوحنا كاسيانوس مثلاً صوم النفس وما يسمّيه القدّيس إسحق السرياني صوم القلب. للنفس أيضاً أنواع خطيرة من الطعام أو قل من اللحوم الفاسدة. فالنميمة وحدّة الغضب والغيرة والحسد والبغضة هي أطعمة الشقاوة وتورد النفس إلى التهلكة. كذلك الأمر بالنسبة لكل شهوة وطياشة منحرفة للقلب. الصوم المقدّس هو الذي يراعي الصوم الجسدي والصوم النفسي معاً. في سلّم المفاضلات عند القدّيس إسحق السرياني "صوم اللسان عن النطق بالأباطيل خير من صوم الفم وصوم القلب عن الحنق والحقد خير من الاثنين". بهذا الصوم المقدّس يصير الجسد مع النفس ذبيحة مقبولة والقلب مكاناً طاهراً للقداسة" (القدّيس يوحنا كاسيانوس).

       5- في الصوم ما هو دائم وما هو موسمي. صوم الحواس دائم وكذلك صوم النفس والقلب. أما الصوم عن الطعام والشراب ففيه جانب دائم وهو المعبَّر عنه بالاعتدال. نلزم الاعتدال كل أيام السنة. الشره مؤذ. أما ما هو موسمي ففيه إمساك خاص مؤقّت غير العادي استعداداً للدخول في هذا أو ذاك من الأعياد التي يُتوخّى منها تقديس الزمن. فلا عجب والحال هذه ان تحدث آباؤنا عن الصوم بمداومة. وذاك الشيخ الذي قيل له إن الصوم الكبير على الأبواب أجاب إنه لم يكن يعرف ان هناك صوماً كبيراً لأن كل أيام السنة عنده كانت أيام صيام سواء بسواء.


       ثانياً. مبدآن في الصيام

       1- أنه على أثر السقوط صار هناك تضاد بين ما للجسد وما للروح. لا يزدهر الواحد إلا على حساب الآخر. كل يقاوم الآخر. كلّما امتلأ الجسد ذبلت النفس وضعفت. وإذا ما كان للنفس ان تنتعش وتتفتّح كان لا بدّ من ضبط الجسد وإذلاله (الأنبا دانيال). وبقدر ما نُستعبد للبطن نبتعد عن التنعّم بالعذوبة العقلية الإلهية. وبقدر ما نضيِّق على الجسد نُفعم بالغذاء والطعام الروحي" (القدّيس سمعان اللاهوتي الجديد).

       2- "قاعدة الصوم هي هذه: ان نبقى في الله، ذهناً وقلباً، ونتخلّى عن كل ما عداه. ان نقطع كل تمتّع بذواتنا، بالمعنى الروحي وبالمعنى المادي للكلمة. علينا ان نعمل الكل لمجد الله وخير القريب، حاملين إرادياً وبحبّ أتعاب الصوم والحرمان من الطعام..." (القدّيس ثيوفانيس الحبيس).


       ثالثاً. مفاعيل الصوم في خبرة الآباء وتعليمهم

       1- يبعث اليقظة في النفس إلى الله (القدّيس إسحق السرياني)

       2- يبعث على الشوق إلى الصلاة (القدّيس إسحق السرياني)

       3- يساعد على نخس القلب (القدّيس إسحق السرياني)

       4- يهدّئ الجسد (شيخ). "يكبح غليان الجسد الملتهب" (القدّيس ذياذوخوس)

       5- يساعد على تنقية القلب من الأوساخ (القدّيس ذياذوخوس)

       6- يتيح لنا فرصة التوفير والتوزيع على الفقراء (القدّيس ذياذوخوس)

       7- الصوم طريق إلى العفّة (القدّيس يوحنا السلّمي)

       8- يذلّل القلب (السلّمي)

       9- يجلو قساوة القلب (السلّمي)

       10- مهدِّئ للثرثرة وسبيل للسكينة (السلّمي)

       11- يعطي شجاعة للقلب (القدّيس إسحق السرياني)

       12- الصوم بداية الجهاد وأساس كل فضيلة (القدّيس إسحق السرياني)


       رابعاً.

       "الصلاة، في كنهها، عِشْرة الإنسان مع الله والاتحاد يه تعالى. أمّا في فعلها فهي دعم الكون ومصالحة الله... وقوت جميع العادمي الأجساد... وغذاء النفس واستنارة العقل... الصلاة للمصلّي الحقيقي محكمة الرب ومنبره وحكمه قبل الحكم المنتظَر" (السلّمي).


       خامساً. الصوم والصلاة متلازمان

       1- ليس الصوم غاية بحدّ ذاته. لا قيمة له منفرداً لأننا إذا أكلنا لا نزيد وإذا لم نأكل لا ننقص. ماذا ننتفع من الصحن إذا غسلناه ولم نجعل فيه طعاماً لنأكل؟

       2- الصوم والصلاة في الممارسة متلازمان لا فرق أيّاً تكن الغاية من الصوم: التكفير، طلب النصرة، الاستعداد لتلقّي كشف إلهي ما، الاسترضاء، طلب المغفرة، الاستحكام، الحزن إلى الله. موسى صام وصلّى الأربعين وهو في الجبل (الخروج 34). بنو إسرائيل صاموا وبكوا وصلّوا سائلين النصرة على محاربيهم (قضاة 20). داود الملك صام وصلّى استرضاء (صموئيل   12). إيليا صام وصلّى. وكذلك فعل أهل نينوى ونَحَميا (1: 4). وحنّة النبيّة كانت لا تفارق الهيكل "متعبِّدة بالصوم والصلاة ليل نهار" (لوقا 2: 37). الرب يسوع نفسه صام الأربعين وصلّى. وهو القائل:"هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (متّى 17: 21). الأنبياء والمعلّمون صاموا وصلّوا ووضعوا الأيدي على برنابا وشاول وأفردوهما للعمل الذي دعاهما الرب إليه (أعمال 13: 3). بولس وبرنابا صلّيا وصاما وعيّنا شيوخاً في كل كنيسة من كنائس لسترة وإيقونية وأنطاكية (أعمال 14). في هذا وغيره كان واضحاً ان أحداً لا يقرب الله في الصلاة إلا صائماً...

       3- الصوم، في العمق، هو إعداد النفس للصلاة. هو من الصلاة كالمعمدان من الرب يسوع. الصوم قصده ومبتغاه الصلاة. والصلاة من دون صوم مستحيلة. النفس الممتلئة اهتمامات دنيوية لا مكان فيها لذكر الله. من هنا الحثّ والدعوة إلى طرح كل اهتمام دنيوي كوننا مزمعين ان نستقبل ملك الكل. ثم ان إلهنا لا يقبل الإشراك. لا خلطة للنور بالظلمة. كونوا قدّيسين لأني أنا قدّوس (لاو 11: 14). نظير القدّوس كونوا أنتم قدّيسين في كل سيرة (1 بط 1: 15) أي مفروزين متطهّرين له بالكليّة. هذا ممثَّل بالصعود إلى الجبل للصلاة بمنأى عن الجميع، بالدخول إلى القفر، على انفراد، في موضع خلاء. كل هذا واضح عند الرب يسوع. هذا معناه روحياً التماس سكينة القلب، الانصراف عن الاهتمامات الدنيوية، تحوّل الذهن بالكليّة إلى الله.

       4- الصوم يحرّك الشوق إلى الصلاة. بكلام القدّيس إسحق السرياني "عندما يباشر المرء الصيام يشتاق إلى الصلاة". كما يدفع العطش صاحبه إلى التماس الماء يدفع الصوم الصائم إلى التماس الله في الصلاة. الصلاة تولد، بمعنى، من بطن الصائم. لذا اعتبر السرياني أن الصيام أمّ الصلاة.

       5- الصوم للصائم حصن وسلاحه الصلاة (شيخ). الصوم يقينا، يحفظنا، يحمينا من أعداء النفس، لكنه لا ينصرنا. الغلبة تأتي بالصلاة. فإذا كانت الغلبة التي تغلب العالم، بحسب القدّيس يوحنا الحبيب (1 يو 5: 4 - 5)، هي إيماننا، فأكثر ما يتجلّى إيماننا في الصلاة.

       6- الصوم علامة الموت نقتبله إرادياً وصولاً، بالصلاة، إلى القيامة المرتجاة. نتّحد مع المسيح، بالصوم في شبه موته لنتمجّد معه بالصلاة في شبه قيامته. قولة السيِّد هي هذه: "مَن أراد أن يخلِّص نفسه يهلكها. ومَن يهلك نفسه من أجلي فهذا يخلِّصها" (لوقا 9: 24) "مَن وجد حياته يضيعها. ومَن أضاع حياته من أجلي يجدها" (متّى 10: 39). بالصوم نضع حياتنا من أجل المسيح، نهلكها، وبالصلاة، نجدها، نخلِّصها.

       7- بالصوم نبغض أنفسنا وما هو لنا وبالصلاة نصير تلاميذ للمسيح تلبية للقول السيّدي: "مَن لا يبغض أباه وأمّه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتى نفسه أيضاً لا يقدر أن يكون لي تلميذاً" (لوقا 14: 26). لبّ المسألة هو ان يبغض المرء نفسه أي ان يجحد مشيئته. "كثيرون يزهدون في هذه الحياة وفي أمور هذه الحياة. ولكن قليلون يجحدون مشيئتهم. وفيهم يصحّ قول الإنجيل: المدعوون كثيرون والمختارون قليلون" (القدّيس سمعان اللاهوتي الجديد).

       8- الصوم طريق إلى الملكوت والصلاة دخول إليه.

       9- بالصوم نفرغ أنفسنا ممّا لنا لنمتلئ بالصلاة في المسيح، ممّا هو له.

       10- بالصوم نخرج من الأرض التي نرى وبالصلاة ندخل إلى الأرض التي يرينا إيّاها الله تمثُّلاً لقول الرب لإبراهيم، أبي المومنين، "اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلمّ إلى الأرض التي أريك" (تكوين 12: 1).

       11- بالصوم نقبل سكينة القبر إرادياً لندخل بالصلاة في سكينة العِشْرة الإلهية.

       12- بالصوم نلتمس الغربة عن أنفسنا لنصير، بالصلاة، أهل بيت الله. الغربة في خبرة الآباء وتعليمهم أهمّ من الغريب (القدّيس إسحق السرياني). من غايات الصوم إعالة المحتاج. هذا لا جدل بشأنه ولا حياد عنه. ولكن ما نتوخّاه في نهاية المطاف الاتحاد بالله. هذا كان، في التراث، قصد المتوحّدين. حفظ الذهن في الصلاة أسمى من الصدقة. وهذا حقّ لأن الصلاة، في فعلها، هي دعم الكون ومصالحة الله، على حدّ تعبير القدّيس يوحنا السلّمي.

       13- الصوم هو التماس الطعام النازل من فوق بالصلاة، تلبية لنداء الداعي:"اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه" (يو 6: 27). أما الكلام على الطعام البائد فالقول الإلهي فيه هو هذا:"إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتفِ بهما" (1 تيمو 6: 8). الآب السماوي هو الذي يعطي الخبز الحقيقي من السماء. هذا هو خبز الله، خبز الحياة، الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان ولا يموت، الخبز الحي. مَن يأكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. الخبز الذي يُعطينا الرب يسوع هو جسده الذي يبذله من أجل حياة العالم (يوحنا 6). هو إيّاه الرب يسوع. الصلاة تغذّينا بالمسيح بالذات. الصلاة هي المحبة في فعلها. تجعلنا في المسيح وتجعل المسيح فينا. تجعلنا منه كما صار هو منا بالتجسّد. بالمحبة لا نعود بحاجة إلى الاغتذاء بما هو خارج عن الحبيب. الحبيب إذ ذاك هو الطعام والشراب، هو المشبع إلى الأبد. المأكل الحقّ والمشرب الحقّ. "مَن يقبل إليّ فلا يجوع ومَن يؤمن بي فلا يعطش أبداً".


       خاتمة القول

       إن الصيام ليس نافعاً وحسب بل ضرورة لا يمكن لأحد من دونها أن يذوق عشاء الخروف. الصلاة مستحيلة من دون صوم. والحياة من دون صلاة فارغة جوفاء. الصلاة هي منبع الحياة الجديدة. الإنسان، في نهاية المطاف، كائن مصلّ. اللاهوتي هو مَن يصلّي. كلّ مدعو لأن يصير لاهوتياً إذاً لأن يصلّي. بالصلاة تكتمل إنسانيته. الجسد لا ينفع شيئاً. الروح هو الذي يحيي. ولعلّ خير ما أنهي به كلمتي هو التحذير من الصوم والصلاة النفسانيَّين اللذَين إطارهما المزاج والعواطف والأحاسيس والخيالات والتصوّرات. ما لم يكن الصوم صوماً عن الذات حتى البغضة، نوعاً من موت عن العالم وما في العالم ونوعاً من موت للإرادة الذاتية فإننا لن نبلغ البتّة الصلاة بالروح والحقّ، إلى العِشْرة الإلهية، الاتحاد بالله، الامتلاء من النور الإلهي، معاينة الله وجهاً لوجه. ترى أكلام العِشْرة الإلهية قصرٌ على نفر من النسّاك أم تراه للجميع؟ لعمري إنه للجميع ولو بمقادير طالما القول السيِّدي هو "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات كامل" (متّى 5: 48). هو للجميع طالما ان الدعوة "كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد" (1 كور 1: 10) الدعوة هي للجميع.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي - دوما

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share