قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
إفتح لي أبواب التّوبة
خطيئة توبة ورجاء

       بما أنّنا بدأنا زمن التّريودي، وهذا مدخل إلى الصّوم، فجيّد أن نسترجع قليلاً الطّروباريّات الأساسيّة الّتي تُرتَّل، بعد قراءة إنجيل السّحر. اللاّفت أنّ هذه القطع موضوعة، مباشرة، بعد إنجيل السّحر. لماذا؟! عادة، في أﮐثر الخِدَم، بعد إنجيل السّحر، نقول، مباشرة، المزمور الخمسين "ارحمني، يا ألله...". عندما يدخل التّريودي حياتَنا، في التّهيئة للصّوم، نسمع لهجة حادّة، تنفذ إلى الأعماق، وفي الوقت نفسه، فيها ترجٍّ ورجاء. الكنيسة كلّها تكون في حركة تهيئة للدّخول في الصّوم الكبير. سُئلَ أب راهب كبير: "أتعيّد للفصح بعد الصّوم، فتأﮐل البيض والجبن؟!"، فأجاب: "أنا لم أعرف، مدّة خمس وستّين سنة، طعم الزّفر، وما زلت في صوم، منذ أوّل حياتي كراهب، ومن ثمّ كناسك". نتوقّف عند هذه الجملة، الّتي قالها هذا الأب القدّيس، لنسمع الكنيسة ماذا تقول.

إيقونة الفرّيسيّ والعشّار

       تبدأ الكنيسة، أوّلاً، بالذّكصا (أي المجد للآب والابن والرّوح القدس)، فترتّل: "افتح لي أبواب التّوبة، يا واهب الحياة، لأنّ روحي تبتكر إلى هيكل قدسك، آتيًا بهيكل جسدي، مدنَّسًا بجملته. لكن، بما أنّك متعطِّف، نقِّني بتحنّن مراحمك". ثمّ تنتقل إلى الكانين (أي الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدّاهرين آمين) لوالدة الإله، فترتّل: "سهّلي لي مناهج الخلاص، يا والدة الإله، لأنّي قد دنّستُ نفسي بخطايا سمِجة، وأفنيتُ عمري كلّه بالتّواني. لكن، بشفاعاتك، نقّيني من كلّ رجاسة". وبعد ذلك، ترتفع نغمة الصّلاة بالتّرتيل: "يا رحيم..."، وكأنّ الإنسان الّذي كتب هذه القِطَع، بعدما قال: "افتح لي أبواب التّوبة..."، وبعدما قال لوالدة الإله: "سهّلي لي مناهج الخلاص..."، صرخ الصّرخة الأخيرة: "يا رحيم، ارحمني، يا ألله، كعظيم رحمتك"، ثمّ يقول: "إذا تصوّرتُ كثرة أفعالي الرّديئة، أنا الشّقيّ، فإنّي أرتعد من يوم الدّينونة الرّهيب. لكن، إذ أنا واثق بتحنّنك، أهتف إليك، مثل داود: ارحمني، يا ألله، بحسب عظيم رحمتك".

       في القطعة الأولى، أي قطعة الذّكصا، نرى إنسانًا واقفًا، تمامًا، كوقفة العشّار، قدّام الله، وهو يعرف أنّه خاطئ، ويقول له: "افتح لي أبواب التّوبة". هو آتٍ، ويدقّ على باب مغلَق، قائلاً: "افتح لي أبواب التّوبة، يا واهب الحياة". هذا الإنسان – العشّار واقف قدّام الرّبّ، ومن المفترض أن يكون واقفًا في هيكل، أو في كنيسة، ويقول له: "افتح لي"! هو يأمر الرّبّ يسوع، يترجّاه، يطلب إليه قائلاً:"افتح!"، "افتح لي!". هو يدقّ، ويدقّ، ويدقّ لفترة. وربّما لم يكن الرّبّ يريد أن يفتح له، مباشرة، حتّى يؤدّبه، ويعلّمه أنّ الملكوت لا يُدخَل إليه بسهولة!.

       لدخول الملكوت، هناك شروط تُفرَض بسبب محبّة ساكن الملكوت، حتّى لا يُدان، بعدُ، الإنسان الدّاخل، والطّالب الدّخولَ. هذا الإنسان، الّذي كتب هذه القطعة، هو إنسان بالضّبط كالعشّار، أو ربّما هو عشّار. ونحن نلاحظ كيف أنّ أصوات المؤمنين التّائبين، عادة، تتكلّم اللّغة نفسها. من مئات السّنين وحتّى الآن، الإنسان الخاطئ، الّذي يسقط في الخطيئة ثمّ يخرج منها، يُختَم بخَتْم الحَمَل!. ما من إنسان يُختَم بختم الحمل، للخلاص، إلاّ إذا كان قد سقط!. هذه هي "ضريبة" سقوط آدم على كلّ واحد منّا: أنّنا حملنا آثار الخطيئة، وأصبحنا نُخطئ بتواتر. هناك بعض المتحذلقين الّذين يقولون: "نحن لم نحمل خطيئة آدم، ولسنا موسومين بها". ولكن، في الحقيقة، الآباء الرّوحيّون الكبار يقولون: "كلّ طفل يخرج من رحم أمّه يكون حاملاً خطيئيّة آدم". ما من إنسان فيه صلاح، على وجه الأرض، إلاّ إذا اعتمد بالموت عن خطيئته، بالغرق في خطيئته، بالاختناق في خطيئته. وعندما يتوب، عندما يعرف الله ويتوب، ينتشله الرّبّ من الموت إلى الحياة، من الموت في خطيئته إلى الحياة الجديدة مع الرّبّ يسوع المسيح. هذا هو وضع الإنسان الّذي كتب هذه القِطَع، والّذي أرجو أن يكون كلّ واحد منّا هو الصّارخ، وهو الكاتب هذه الكلمات للرّبّ يسوع: "افتح لي أبواب التّوبة، يا واهب الحياة". هنا السّؤال: لماذا يقول: "أبواب التّوبة"؟! – هذا لأنّه يعرف أن ما من دخول إلى الملكوت، وما من معرفة للرّبّ يسوع المسيح، إلاّ بالتّوبة بالعودة إليه، بالرّجعة بعد الشرود والتغرّب عن يسوع في أرض الخطيئة. هذا هو ختم الحمل، الّذي ذكرناه، وهذه هي الهديّة، هديّة الرّبّ يسوع المسيح للإنسان: التّوبة.




       ما هي التّوبة؟! – التّوبة هي الرّجوع إلى الله، هي العودة. بعد أن خرج الإنسان من الفردوس، من ظلّ مسرّة الآب، من تحت جناحي الثّالوث في الفردوس، ذهب إلى الخطيئة، إلى ذاته، إلى عبادة جسده، وعقله، ونفسه، وأهوائه، وتأليه ذاته، ونسي الله. يقول الكاتب للرّب، هنا: "افتح لي أبواب التّوبة"، وكأنّه يقول له: "أريد أن أعود إليك. وأنا أدقّ وأدقّ وأدقّ الباب حتّى تفتح لي، يا واهب الحياة. لقد كنتُ ساكنًا في الموت، وقد تعبت منه، وأنا أريد أن أخرج إلى الحياة، الّتي أنتَ أعطيتني إيّاها سابقًا، فيما أنا ردَدتُها عنّي"... هكذا، عاش الإنسان في حركة الموت، كلّ أيّام حياته، قبل أن يعرف الرّبّ يسوع المسيح. بقوله "يا واهب الحياة"، يحدّد، تمامًا، مَن هو الرّبّ.

       "افتح لي أبواب التّوبة". ولكن، إذا لم يكن الإنسان مُخطِئًا، فعلامَ سيتوب؟! من هنا، كان تبرير الذّات، في الحياة الرّهبانيّة، هو الخطيئة الكبرى. الإنسان التّائب، والعارف أنّه خاطئ؛ إذا عُيِّر، أو نُبِّه، أو لُفِت نظره إلى شيء ما؛ فلا يبرّر نفسه، بل يطأطئ رأسه، ويقول في قلبه: "ارحمني، يا ربّ". إذ ذاك، يعيش (الإنسان الّذي لا يبرّر ذاته) بختم الحمل في نفسه. وكما تعرفون، الخراف عندما تُختَم بأنّها تابعة لقطيع ما، تتألّم، لأنّ الختم يكون حديديًّا، حتّى لا تمّحي الأرقام، أو الأسماء، المختومة على أجسادها، إلاّ حين تُذبح لتؤكَل وتُوَزَّع. هذه هي مسيرة كلّ إنسان منّا: فردوس، ثم سقوط، في الموت، في "الأنا"، في العناد، في الكبرياء، في لذائذ الجسد، في القرف من الذات، ومن ثمّ عودة؛ لأنّ كلّ هوى نحوّله إلى خطيئة، ونعيش فيه، ونرتكبه، إن كان بالقول، أو بالفعل، أو بالفكر، يدنّس جزءًا من هذا الكيان الّذي أوجده الرّبّ يسوع المسيح، وخلقه، وأبدعه على صورته ومثاله!!.

       "يا واهب الحياة، [أعطني مجدّدًا حياةً جديدة. أنا أرجوك، وأدقّ، فأعطني حياة جديدة]؛ لأنّ روحي تبتكر إلى هيكل قدسك". هنا، يظهر الطّلاق الكبير، الفراق، القطع بين الجسد والرّوح. هذه أيضًا الزلّة الكبرى من زلاّت الإنسان، زلّة الخطيئة، وهي أنّ الإنسان لم يعد واحدًا متّحدًا بذاته، بل صارت روحه في مكان، وجسده في مكان آخر. "لأنّ روحي تبتكر"، أي إنّها (أي روحه) تبكّر صباحًا جدًّا، بمعنى أنّ أوّل شيء تفعله، مباشرة عندما تستيقظ، هو أنّها تصلّي، تبتكر إلى هيكل قدس الله. هذا معناه أنّ الله فتح له الباب، أو بدأ يفتح له. عندما يقول للرّبّ: "روحي تبتكر"، كأنّه يقول له: "أنا فتحت عينيّ قلبي، وأصرخ إليك". من هنا، وُضِعَت الصّلوات الباكرة لكلّ النّاس. ونحن، خصوصًا، نفهمها أﮐثر، ونعيها أﮐثر، ونحسّها أﮐثر من نوم الكسل، نوم الموت، ومن نوم الخطيئة الّذي لأجسادنا، إن كان بالأحلام، أو بالحسّ، أو بكثرة النّوم، أو بكلّ ما يتأتّى علينا في نوم اللّيل. الرّوح تريد أن تخلص من هذا الثّقل المريض، والمرض الّذي يشدّ الرّوح له. "[أنا أبتكر] إلى هيكل قدسك". علينا أن ندخل الهيكلَ الجديد. علينا أن نخرج من هياكل أهوائنا، لندخلَ هيكلَ الله. ولكن، الّذي يتوب، لا يستطيع أن يتوب من دون أن يعترف بأنّه إنسان خاطئ. لذلك، يتابع قوله: "آتيًا بهيكل جسدي". صار هناك هيكل للجسد فقط! عندما نقول لإنسان: "صرت كالهيكل العظميّ"، نعني أنّه لم تعد فيه حياة. "آتيًا بهيكل جسدي"، أي بشكل الجسد، ولم تعد هناك هذه الوحدة بين الرّوح والجسد والنّفس. "آتيًا بهيكل جسدي مدنَّسًا"، وكأنّه يقول للرّبّ إنّه أتاه بهديّة هي خطاياه ودنسه. "مُدنَّسًا بجملته"! الإنسان الّذي يعرف حنان الرّبّ يسوع، ويعرف الرّبّ يسوع، يعرف كلّيًّا أنّه هو إنسان خاطئ، إذا فكّر، أو تنفّس، أو تكلّم... لذلك، فإنّه يصمت، حتّى يفكّر في خطاياه.

       من هنا، نحن نلحّ في الطّلب إليكم، دائمًا، أن تصمتوا؛ لأنّكم لا تعرفون متى يقول لكم الرّبّ: "تعالوا إليّ". علينا أن نقف قدّامه هذه الوقفة الّتي تغشاها الرّهبة والخوف، قدّام عرش الملك. هنا، هذا الإنسان آتٍ بهذا الخوف، لكنّه، في آنٍ، آت بهذا التّوق، وهذه الرّغبة في أن يخلص، إذ إنّه، هنا، يذكر مراحم الله. مع التّوبة، مع الدّنس الّذي نعيش فيه، دائمًا الرّبّ ينفخ نفخة صغيرة من روحه، الموجودة فينا، ليعطينا الرّجاء. فقط الّذي لا رجاء له هو الشّيطان. الإنسان الّذي يقول إنّه يائس، ولا رجاء له، يقول الآباء عنه إنّه متكبّر. ولكن، في الحقيقة، هو أبشع من ذلك بكثير. إنّه شيطان، سكنه الشّيطان، استغلّه الشّيطان، قبض عليه الشّيطان كلّيًّا، لكي يجعله ييأس من رحمة الرّبّ. "آتيًا بهيكل جسدي مُدنَّسًا بجملته". مَن لا يحبّ جسده؟! – لا أحد! الإنسان يحبّ شكله، ولباسه، ومشيته، وما عنده، وطريقة كلامه... وكذلك الرّاهب، يحبّ غمبازه، وجبّته، ولاطيته، وسجداته، وكيفية تدلي اللاّطية على وجهه ، وحملها على كتفه، وما إلى ذلك من خطايا سمجة، يراها المرء، ويقول: "مسكين هذا الإنسان! لم يصر، بعد، بلا هوى، على الأقلّ بالنّسبة إلى ثيابه، بالنّسبة إلى هذه الخِرَق"!... "مدنّسًا بجملته. لكن، بما أنّك متعطِّف": لاحظوا المفارقة الغريبة! هو يدقّ، والرّبّ لا يسمع، ولا يفتح. لكنّه يقول له: "[أنا آتٍ إليك، حاملاً لك] هيكل جسدي، مُدنَّسًا بجملته. لكن، بما أنّك متعطِّف، نقِّني بتحنّن مراحمك". هذه هي العلاقة الّتي تنفع كلّ إنسان منّا: علاقة العبوديّة بدءًا ثم البنوّة، والحبّ بين الإنسان وخالقه. "نقِّني"! والتّنقية هي أمر جدّيّ. عندما نأتي لندخل إليه، هناك عمليّة تنقية، أي إنّه سينتزع الأوساخ منّا، ويرميها عنّا. أرأيتم لماذا ننوجع؟! – لأنّنا لا نريد ذلك. لأنّنا لم نسلّم أنفسنا، بعد، إلى الرّبّ حتّى ينظّفنا. "نقِّني!"، هو يصرخ إليه: "نقِّني! [حتّى لو أوجعتني، إنزع منّي وعنّي أوساخي] بتحنّن مراحمك". هنا، نلاحظ أنّه يعرف أنّ الله حنون، لأنّه يعرف أنّه مات لأجلنا. إذًا، هذا الإنسان عاش مع الملك، لكنّه ذهب عنه، وشرد، وسقط، وزنى، وأﮐل، وأُذِلّ، وأذلَّ نفسه... وهنا، يعود إلى الرّبّ، صارخًا: "نقِّني بتحنّن مراحمك"، ثمّ يصمت. هذه هي الذّكصا العظيمة.




والدة الإله الشفيعة

       ثمّ ينتقل إلى الكانين: "سهّلي لي مناهج الخلاص، يا والدة الإله". هنا، نلاحظ أنّه يعرف، بالمطلق، أنّ لنا شفيعة واحدة هي والدة الإله، هي الأمّ الحقيقية، فيطلب إليها قائلاً: "سهّلي لي مناهج الخلاص". لذلك، مساكين هم الّذين لا يعرفون عظمة والدة الإله، الّتي هي أرحب من السّموات، كما نقول لها يوميًّا: "يا مَن هي أﮐرم من الشّيروبيم [المحيطين بعرش الله]، وأرفع مجدًا بغير قياس [بالمطلق الكبير] من السّيرافيم، الّتي بغير فساد ولدت كلمة الله، حقًّا إنّك والدة الإله". هنا، يقول لها: "سهّلي لي مناهج الخلاص، أتوسّل إليك، افتحي لي الطّريق، حتّى أمشي وراءك، حتّى أرى الطّريق الصّحيح، لأنّي كنتُ على الطّريق الخاطئ"؛ لأنّ الإنسان، عندما يبتعد عن الله، لا يعود يعرف كيف يتصرّف، فيصير كلّ شيء، قدّامه، مظلمًا، ومُقفَلاً، وسلبيًّا؛ فلا يعود يعرف لا أين يذهب، ولا كيف يمشي... وهو، هنا، لم ينادِها باسمٍ، لم يقل لها "يا مريم"، ولا "يا قدّيسة"، بل "يا والدة الإله". هذا يعني أنّ هناك إعلانًا جدّيًّا كبيرًا لاهوتيًّا، هناك معرفة كيانيّة : "أنتِ والدة الإله. لذلك، فإنّ الله سيستمع إليك؛ فسهّلي لي الطّريق، لكي أصل إلى الرّبّ، حتّى يخلّصني". كذلك، فإنّ الإنسان المصلّي، العارف خطيئته، والتّائب عنها، لا يستطيع إلاّ أن يذكر خطيئته ويبكيها باستمرار، إن تكلّم مع الرّبّ، وإن تكلّم مع والدة الإله، وإن حكى الآب، وإن تنفّس الرّوح القدس، أو اعترف... دائمًا، يتكلّم على خطيئته، ودائمًا هو موجوع بها؛ لذلك، هو لا يملك الوقت لأيّ كلام آخر، أو لأيّ حسّ آخر... "سهّلي لي مناهج الخلاص، يا والدة الإله. [أنتِ والدة الإله، فأنتِ تشفّعي من أجلي]".

       ويعود ويخبرها، وكأنّها هي لا تعرف: "لأنّي قد دنّستُ نفسي"، أي [افتعلت الزّنى، في جسدي؛ وافتعلت نكران الله، في روحي؛ وافتعلت الكبرياء، في فكري؛ لأظهر أنا، وليموتَ الله عنّي]... "دنّست نفسي بخطايا سمجة". كلّ الخطايا سمجة، بمعنى أنّها مقرفة، وسخيفة، وتافهة... "وأفنيتُ عمري كلّه بالتّواني". [كلّ عمري، كلّ ما كنتُ أفعله كان كذبًا]. وانتبهوا لقوله "بالتّواني"، أي بالكسل. إذًا، هناك توانٍ  عن إتمام عمل الله فينا... هناك كسل عن عمل الله. ليس الموضوع فقط أنّني لا أعمل، بل أيضًا أنّني أتوانى عن عمل الله. ربّما أنا أعمل، من الصّبح حتّى المساء، لكنّ الرّبّ يقول لي: "مرتا مرتا، أنتِ تهتمّين بأمور كثيرة، والحاجة إلى واحد" (لو 41:10-42). بأيّ روح كانت مرتا تعمل؟! لماذا قال لها الرّبّ ذلك؟! هذا سؤال مهمّ جدًّا. وقليلون هم النّاس الّذين يحسّون، ويعرفون أنّها كانت مشغولة بغير عمل الله. كلّنا نقول إنّها كانت مشغولة بعمل الله. لا، هذا غير صحيح. بأيّ روح مرتا، أو نحن، نعمل العمل الّذي نعمله؟! – انظر إليّ، يا ربّ. انظر ماذا أعطي، انظر ماذا أقدّم. انظر ماذا أكتب، كيف أرتّل، ماذا أطبخ، ماذا أقول؟!... "أفنيت عمري كلّه بالتّواني"، لأنّ هذا كلّه لا علاقة للرّبّ به. الرّبّ يعيش، كلّيًّا، من دون أيّ شيء نعطيه إيّاه نحن... لكنّه هو يعطينا أن نعمل هذه الأشياء، حتّى نمجّد اسمه القدّوس. لذلك، نحن نقول: "ليتمجّد اسم الرّبّ"، "هذا لمجد اسمه القدّوس"... "إن عشتُ، فللرّبّ أحيا؛ وإن متُّ، فللرّبّ أموت؛ فإن عشت وإن متّ، فأنا للرّبّ" (رو 8:14). "أفنيت عمري كلّه بالتّواني، لا أعمل عمل الرّبّ، بل ما يرضيني". لذلك، قليلون منّا الّذين يعرفون أن يُطيعوا، ويقولوا: "هأنذا، ليكن مبارَكًا". وكما يقول الرّسول بولس: "الّذي أريده لا أعمله. أمّا الّذي لا أريده، فإيّاه أعمل" (رو 15:7)، أي لا يزال هناك هذا الانفصام في النّفس، هذا القطع، وما زلت أفعل الأشياء الّتي ترضيني، لا الّتي ترضي الرّبّ... وأخيرًا، بعد أن حمل كلّ أوساخه، وأعطاها لوالدة الإله، وطلب إليها: "يا والدة الإله، أنتِ خلّصيني"، وصل إلى الرّاحة، ولم يعد الخوف يعتريه، إذ يقول لها: "لكن، بشفاعاتك، نقّيني من كلّ رجاسة". هنا، يعود إلى النّقاوة من كلّ دنس، من كلّ هوى، من كلّ فكر، من كلّ انتقاد، من كلّ إدانة للآخر، من كلّ حسد، من كلّ طمع، من كلّ شرّ... "نقّيني من كلّ رجاسة". لقد تعب، فتوقّف، هنا، ليعود ويصرخ الصّوت الأخير: "يا رحيم...".




       هنا، يعود إلى الرّبّ. يتكلّم معه... شَعَرَ بأنّه لم يستجب له، بعد، فاستنجد بوالدة الإله شفيعَةً، ليعود، في النّهاية، ويقول له:"يا رحيم، ارحمني، يا ألله، كعظيم رحمتك". هنا، تبدو الصّورة وكأنّه كان واقفًا، ثمّ انحنى، والآن ركع الرّكعة الأخيرة، قدّام هيكل الرّبّ، قدّام قدس الأقداس، ليقول له: "إذا تصوّرتُ كثرة أفعالي الرّديئة، أنا الشّقيّ، فإنّي أرتعد من يوم الدّينونة الرّهيب". والإنسان الذّكيّ، في كلّ لحظة من لحظات يومه، يقف قدّام عرش الدّينونة، كأنّه ميت عن نفسه وينتظر أن يُدان، لكنّه خائف لأنّه لا يملك صلاحًا. إلاّ أنّه تاب، حمل نفسه، أقرّ بضعفه، حمّل والدة الإله أوساخه، ثمّ يعود ويقول للرّبّ: "إذا تصوّرت كثرة أفعالي الرّديئة، أنا الشّقيّ": سمّى نفسه شقيًّا، وكأنّه يقول مع الرّسول بولس، إنّ الرّبّ "أتى إلى الخطأة الّذين أنا أوّلهم" (1 تيمو 15:1)، إذ إنّه عرف نفسه أنّه شقيّ. هنا، يقول: "إذا تصوّرتُ كثرة أفعالي، أنا الشّقيّ، فإنّي أرتعد": يرتعد، يرتجف بكلّيّته، وينبض قلبه بسرعة، ويضطرب، ويخاف، ويتجمّد، لأنّه لا يعرف ما هو الحكم. "أرتعد من يوم الدّينونة الرّهيب". ثمّ ينتقل، بعد ذلك، كما في قطعة الكانين، إلى القول "لكنّي"، كأنّه يكتب قطعة موسيقيّة رائعة، فيعود القرار: "لكنّي إذ أنا واثق بتحنّنك"! لقد اختلفت اللّهجة، هنا. "إذ أنا واثق بتحنّنك". بعدما كان قد صرخ، ودقّ، والرّبّ لم يستجب له، وأتى يطلب التّوبة، ووساطة والدة الإله، وتكلّم على أدناسه؛ يقول للرّبّ، هنا: "إذا تصوّرت كثرة أفعالي الرّديئة، أنا الشّقيّ؛ فإنّي أرتعد من يوم الدّينونة الرّهيب". ولكن، إذا كنت أنا أرتعد، فماذا عنك أنتَ؟! ماذا تفعل أنت؟! لاحظوا، هنا، أين التّضادّ بين الإنسان والإله: "لكنّي إذ أنا واثق بتحنّنك"، أي إنّ الرّبّ يرى كلّ أوساخنا، وكلّ أدناسنا... وعلى الرّغم من ذلك، تجسّد إلينا، وصُلب ومات عنّا... هذا ما يفعله هو. "أهتف إليك": هنا، وقف، عرف أنّه رمى كلّ أوساخه، بالاعتراف، قدّام الرّبّ ووالدة الإله، بالتوبة، بالتّوق والطّلب والتّرجّي. "أهتف إليك مثل داود": هنا، نجده يسند نفسه إلى خطيئة داود، وكأنّه يقول: "إذا كان داود قد أخطأ كما أخطأ ومع ذلك خلص، فربّما هناك رجاء لي بالخلاص". "أهتف إليك مثل داود: ارحمني، يا ألله، بحسب عظيم رحمتك". هذا هو السّرّ الكبير الّذي لم يسمح الله لإنسان بأن يخترقه، سرّ معرفة الله بالعمق مَن هو وما هو. "ارحمني، يا ألله، بحسب عظيم رحمتك"!!!...

       الصّوم هو الدّخول في حزن كبير، وخطيئة كبيرة، وتوبة كبيرة، وإقرار بالذّنوب كبير، ووعي لخطيئيّتنا المعشّشة في الجسد والنّفس، والّتي ستخلّصها الرّوح، الّتي تبتكر إلى الرّبّ وبشفاعة والدة الإله، وبتوبتنا، وإقرارنا بذنوبنا، وعدم الدّفاع عن الذّات، بل بالاعتراف، كما يقول كاتب هذه القطع، بأنّنا خطأة، وأشقياء، وبأنّنا نخاف من يوم الدّينونة، لكنّنا نثق بتحنّن الله؛ لذلك، نصرخ إليه مثل داود: كما رحمت داود، الّذي قتل، وزنى، وكان أشدّ قسوة من أيّ إنسان، ومع ذلك كتب هذه المزامير العظيمة الّتي تسبّح الرّبّ، "ارحمني، يا ألله، بحسب عظيم رحمتك". هذا هو رجاؤنا، وعلى هذا نحيا، لا في الصّوم الكبير وحسب، إنّما في كلّ يوم من أيّام حياتنا. لذلك، في الطروباريّة للآباء نقول: "في مجاري دموعك أمرعتَ...". الّذي يعرف الحقيقة لا يعود يتوقّف عن بكاء خطاياه، وخطايا العالم كلّها. بعدما قال الكاتب: "ارحمني، يا ألله، بحسب عظيم رحمتك"، راح ينتظر، لأنّه لم يصدّق، بعدما قال كلّ ذلك، أنّ الله سمعه وأدخله إليه، إلى ملك محبّته.

الأب صفروني سخاروف

       لذا فالأب صفروني، ألا أعطانا الله بركة شفاعته وصلواته، سمّى قلاّيته "غرفة الانتظار". هو ينتظر. لا أحد يجب أن تكون قلاّيته سوى مكان للصّلاة والانتظار، حتّى يأتي الرّبّ ويناديه، فيكون حاضرًا للذهاب إليه، بالتّوبة، والسّجود، والدّموع، لأنّه يعرف أن رحمته كبيرة. ولا أحد يعرف أنّ رحمة الله كبيرة، إلاّ الّذي أخطأ كثيرًا، وبكى كثيرًا. فرجاؤنا أن يكون هذا المدخل هو مدخل لهذا الصّوم الآتي علينا، بنعمة الله.

 

 

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان-دوما
الأحد 24 كانون الثّاني 2010
في حديث لرهبان وراهبات الدير

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share