فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
عظة في الشهيد برلعام الأنطاكي

يُعيّد له في 19 تشرين الثاني


     كان موت القدّيسين يكرَّم، قديمًا، بالدّموع وقرع الصّدور! بكى يوسف بمرارة عندما مات يعقوب! وناح اليهود كثيرًا يوم مات موسى! أمّا اليوم فإنّنا نبتهج ونتهلّل في موت القدّيسين، لأنّ طبيعة الأحزان تغيّرت بعد صلب الرّب. هكذا فإنّنا لا نواكب القدّيسين بالمراثي بعد الموت، بل نطوف حول قبورهم تطوافًا إلهيًا. ذلك أنّ موت الأبرار صار رقادًا بل صار هو الحياة!

     من هذه الأرض يبتدئ فرح الشهداء. يبتدئ فرحهم عندما يقتلون. الشهيد لا ينظر إلى المخاطرات بل ينظر إلى الأكاليل. لا يخشى الجراح، بل يعدّ الجوائز. لا يرى الجلادين على الأرض، بل يرى الملائكة وهم يُحَيُّونه من فوق. لا يهتمّ بالأخطار الوقتية، بل بالجوائز الأزلية. الشهداء ينالون هنا في الأرض شهادتهم مختومة بهذه الجموع المحتشدة والمنجذبة إلى قبورهم وهي تردد المدائح للإله ولهم.

     هذا ما فعل الشجاع برلعام. لقد تراجعت صدى أبواق الشهيد الحربية تدعو الجموع، وها هو قد حشد حوله، كما ترون، جميع مجندي الإيمان والتقوى، ليصدق قول الرّب: ”من آمن بي وإن مات فسيحيا“ (يو 26:11). الشجاع برلعام مات، لكنّه يستمرّ حيًا يقيم الإحتفالات. لقد ٱنحلّ في القبر، إلاّ أنّه لا يزال يدعو إلى المأدبة، ”هو ذا وقت مناسب! أين هو الحكيم؟ أين هو الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر؟“ (1 كو 20:1). إنّ إنسانًا أميًا صار اليوم معلّمًا للإيمان لا يبارى. جرّه الحاكم الظالم كما تُجرّ طريدة سهلة، لكنّه عرف بعد تعذيبه، أنّ هذه الطريدة مُجَنَّد لا يُقهر، وعرف أن مَن كان أضحوكة في لثغ لسانه، صار مُرْعبًا بمسلكه الملائكي، لأنّ مسلكه لم يُعبه لثغ لسانه، ولا تهجئة المقاطع أساءت إلى وحدة عقله. قد كان بولسًا ثانيًا يتكلّم بلسانه. ”إذ كنت لا أجيد الكلام فلستُ بلا معرفة“ (2 كو 6:11).

     كان الجلادون يبتسمون، وهم يجلدونه، وكان برلعام يزداد جلادة. لقد تراخت ذراعاه، لكنّ تفكيره بقي على صلابته لا يلين. أرخت الضربات أعصابه، لكنّ إيمانه كان أكثر وضوحًا، وعزمه أشدّ رسوخًا. تثلّمت جنباه من الجراح وتناثرتا، لكنّ عقله النيّر بقي مشرقًا. صار القسم الأكبر من جسده ميتًا، لكنّه ٱستمرّ كأنّه يبدأ الصّراع محافظًا على صلابة قواه. عندما يستحوذ عشق الإيمان على النّفس، تحتقر كلّ أنواع المعارك، لا بل إنّ هذه المعارك تبهجها بسبب عشقها، ولا تجرّحها. يشهد على ذلك شوق الرّسل الّذين كانوا يفرحون بما ٱضطهدهم به اليهود: ”وخرجوا فرحين من المجمع لأنّهم حُسبوا مستحقين أن يهانوا من أجل ٱسمه“ (أع 41:5).

     هكذا كان هذا الجندي الّذي نكرّمه الآن. كان يفرح بالآلام، ويحسب السّياط الّتي كانت تلسعه ضربًا بالورود، وكان يرى في غضب القضاة ظلال دخان لا أكثر. كان يزدري الفِرَق المدججة بالأسلحة. كان يرتقص في عذاب موته. كان يرتقص بأكاليل الظفر. كان يصفّق فرحًا أمام التنكيل الشديد كأنّه يصفّق لأبهى الإنتصارات. كان يحتقر السّيوف وقد سلّت من أغمادها، وكان يرى أكفّ المعذّبين مثل طراوة الشمع. كان يتقبل التعذيب فوق الخشب للخلاص، وكان شجنه يفرحه وكأنّه في روض من الأزهار.

     كانت يده أقوى من النّار. ولقد ٱحتفظ له المضطهدون بآخر نوع من أنواع التعذيب، ويا لفظاعته وهوله! أوقدوا النّار في المذبح لتقديم الذبيحة للشياطين، وٱقتادوا الشهيد إليه، وأمروه أن يمدّ يده فوق النّار المتأجّجة جاعلين ظهر الكفّ إلى النّار لتكون كفّه مبخرة يستعملها الأشرار في تبخير الشياطين، وجعلوا في كفّه قطعة من البخور المشتعل. ظنّوا أنّ البخور المشتعل سيضطر الشهيد لإلقاء البخور فوق المذبح. يا لمكر الكفّار وكيدهم! قالوا في أنفسهم إذا كانت الجراح لم تثنِ عزمه، فإنّنا سنلوي يد هذا المجاهد العنيد فوق النّار. إنّنا لم نتمكن من زعزعته بشتّى الأساليب، فلنهزّ يمينه بوضعها فوق النّار. تَعْسًا لهم وبئس ما فعلوا! لم يحصلوا على ما تمنوا، ولم يحصدوا من رجائهم إلا الخيبة والفشل. ٱلتهمت النّار اليد، ولكنّ اليد لبثت تحمل النّار كأنّها رماد. لم يُدرْ الشهيد ظهره للنّار بل ٱستمرّ منتصبًا لا يتحرّك. وبعد أن غلب النّار أُعطي القوى ليقول مع النبي ”ليكن ٱسم الرّب مباركًا لأنّه عَوّدَ يدي على القتال، وهيّأ أصابعي للمعركة“ (مز 1:143). عانقت النّار اليد إلا أنّ اليد غلبت النّار. وجرى الصّراع بين النّار وبين يد الشهيد اليُمنى. لقد كانت غلبة يد الشهيد عجبًا. فَزِعَتْ النّار من اليد وهربت وبقيت اليد ممدودة تتحدّاها. يا لليد الأقوى من النّار! يا لليد الّتي لم تتلوها النّار! الحديد والنّحاس والحجر القاسي لا يصمد أمام النّار، لكنّ يد الشهيد صمدت أمام النّار ولم تخضع لسلطانها، بل غلبت النّار وأخضعتها لطاقتها!

     يستطيع الشهيد أن ينادي السّيّد بحق ويقول: ”لقد أمسكتني بيمينك، وهديتني بإرشادك وقبلتني بمجد“ (مز 23:72-24).

     ماذا أسميكَ يا مناضل المسيح الباسل؟! أتمثالاً متنصبًا لا يتحرّك ولا يحس!؟ وأين منك التمثال! إنّي أصغر وأقلل من تحملك العظيم. النّار إذا أحتضنت التمثال تذيبه، أما يمينك فقد عجزت النّار عن زحزحتها. أأسميك حديدًا؟ أنت فوق الحديد، وهذه التسمية هي دون شجاعتك وصلابتك، لأنّك أنتَ الّذي أَجبرتَ يدك وتحدّيت النّار وغلبتها. أنت الّذي جعلْتَ كفّك مبخرة للمسيح. (أنا الّذي صفعت وجوه الشياطين باليد الّتي تحترق، وسحق آنذاك رؤوسهم بيدك المشتعلة كالجمر). أما الآن فباليد الّتي أصبحت كالرّماد أنت تعمي صفوفهم. ولكن ما لي أقلل من قيمة الشهيد المظفر بهذه التمتمات التافهة؟ فلنسع لتقريظه بألسنة الخطباء العظماء الحاذقين. لندعوا معلّمي الخطابة ذوي الأصوات العظيمة وأرباب الكلام ليمدحوه بخطبهم الرّنانة. هلّموا يا أيّها الرّسامون البارزون المبدعون بتصوير فعل المجاهدين! هلمّ عظّموا بفنكم صورة القائد، وألقوا الأنوار على الظافر المكلّل الّذي صوّرته أنا بصورة باهتة.

     أريد الآن أن أنصرف من أمامكم مغلوبًا. أريد أن تتفوقوا عليّ بوصفكم لبطولات الشهيد. إن تفوّقكم يسرّني. صِفّوا بدقة صراع اليد مع النّار. أرسموا الشهيد رسمًا رائعًا خلاّبًا فوق لوحتكم. ولتبكِ الشياطين من ألم الضربات الواقعة عليها من ثبات الشهيد. ضعوا أمام أعينهم صورة اليد الّتي وُضِعَتْ في النّار وغلبت النّار. صوّروا أيضًا في اللّوحة صورة سيد الجهاد يسوع المسيح الّذي له المجد إلى منتهى الأجيال. آمين.


المرجع:

   موعظة للقدّيس باسيليوس الكبير من كتاب ”مختارات من أدب آباء الكنيسة“ (1978) ترجمه البطريرك إلياس الرّابع معوّض. مطابع ألف باء – الأديب – دمشق.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share