قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
مساهمة والدة الإله في الخلاص*

   أذكر، منذ حوالى ثلاثين سنة، أنّني سألت الأب إلياس مرقس، ألا أعطانا العليّ بركة صلاته ورحمات الله عليه: "يا أبانا، لماذا نقول: أيّتها الفائق قدسها، والدة الإله، خلّصينا؟ نحن لا نقول للقدّيسين: يا قدّيس الله خلّصنا، بل تشفّع فينا. ثمّ إنّ المخلّص هو الرّبّ يسوع. فلِمَ نطلب من والدة الإله أن تخلّصنا؟". في الواقع، وبّخني، لكنّه لم يعطني جوابًا. فبقيت حاملاً السّؤال في نفسي. طبعًا، أنا، بنعمة الرّبّ، إنسان تراثيّ، إي إنّني ألتزم الأمور كما هي في التّراث، حتّى لو لم أكن مقتنعًا بها، لأنّ هذا ما تقوله الكنيسة. وأنا أعتقد أنّ هذا يجب أن يكون موقف كلّ واحد منّا. إذا ظنّنا أنّنا نحن نفهم أكثر من آبائنا القدّيسين، فهذا فيه ادّعاء كبير. على المرء أن يقبل ويقول "ألا أعطانا الله أن نفهم". لكن، أن ينسب المرء إلى الآباء القدّيسين النّقص في الفهم، فهذا أمر خطير، لأنّه يعرّضنا للعبث بالتّراث، وهذا يؤذينا شخصيًّا، ويؤذي النّاس الّذين نحن مسؤولون عنهم، كما يمكن أن يؤذي الأجيال الصّاعدة، ويجعلنا مسيئين إلى التّراث والأمانة للتّراث.

   اليوم، كانت الخوريّة ميراي، زوجة الأب ميشال بافيس، في الكنيسة، وكانت تسمع العظة جيّدًا. جاءت، بعد القدّاس، لتودّعني، لأنّها غدًا ستسافر. قالت لي: يا أبانا، أنت، اليوم، أعطيتني، بنعمة الرّبّ، كلّ الجواب الّذي أنا أحتاج إليه، بشأن موضوع العبارة "أيّتها الفائق قدسها، والدة الإله، خلّصينا"."، لأنّ هناك، اليوم، كما يبدو، جدالاً، على "الواتسأب"، يقول إنّ هناك تعابير أصبحت عتيقة وغير دقيقة لاهوتيًّا، وأمورًا من هذا النّوع، ومن جملة التّعابير هذه تلك الصّلاة الّتي نحن نوجّهها إلى والدة الإله، أي علينا ألاّ نقول "خلّصينا"، بل نقول شيئًا آخر. في الحقيقة، اليوم، أنا لم أكن في وارد أن أتكلّم على هذا الموضوع؛ إذ، كما تلاحظون، أنا لا أحضّر عظاتي. كنت أفعل ذلك قديمًا. لكن، كما كان سيّدنا جورج يقول، المرء، بعد ثلاثين سنة، لا يعود بحاجة إلى أن يحضّر عظاته، لأنّه يكون قد أخذ في إعدادها منذ ثلاثين سنة. أنا آخذ، بنعمة الرّبّ، فكرة، إذا ألهمني الرّبّ شيئًا، وهي تسير أمامي وأنا أسير وراءها، وأرى إلى أين توصلني. طبعًا، فيما أسير وراء الفكرة الّتي أكون قد بدأت بها، هناك آفاق تنفتح أمامي... لذلك، هذا الموضوع جاء بصورة تلقائيّة. حين شعرت، من بعيد، بشيء له علاقة بهذا الموضوع بالذّات، سرت نحوه؛ فبلغت النّتيجة الّتي ذكرتها، والّتي أعطتني جوابًا كنت أبحث عنه منذ أكثر من ثلاثين سنة. بصورة عامّة، يستطيع المرء أن يخترع جوابًا!. لا أسهل على البشر الّذين لديهم شيء من الفكر اللاّهوتيّ من أن يخترعوا أجوبة. لكنّ التّمسّك بالتّراث يستدعي الأمانة!.

   في الحقيقة، الفكرة الأساسيّة هي أنّ الرّبّ لم يكن ملزَمًا، أبدًا، بأن يتّبع المسار الّذي اتّبعه لكي يتجسّد. كان بإمكانه أن يفعل كما فعل مع آدم الأوّل. آدم الأوّل لم يأتِ من الحشا. كان يمكن الرّبّ يسوع أن يأتي كإنسان، أن يتجسّد، كما جاء آدم، من دون أن يتجسّد من حشا أمّ. فإذا كان قد أتى من حشا، فهذا يعني أنّه هو اختار ذلك. بكلام آخر، اختار ذلك لتدبير ما. على المرء أن يفهم لماذا فعل الرّبّ ذلك. ونحن قادرون على أن نفهم؛ لأنّ الرّبّ أوصلنا، في النّهاية، إلى مسار التّألّه، حين نزل الرّوح القدس، وحلّ في نفوسنا. فكما انفتحت أذهان التّلاميذ، كذلك نحن انفتحت أذهاننا، فصار بإمكاننا أن نفهم. يفهم المرء في النّهاية، لا في البداية. في البداية، عليه أن يطيع. لذلك، الرّهبان يطيعون في البداية، وفيما بعد يفهمون كم كانت الطّاعة مفيدة لهم. إذًا، الرّبّ يسوع هو الّذي اختار هذا المسار، أي أن يأتي من مريم. وحين اختاره، لم يصر إنسانًا عمره ثلاثون سنة. آدم الأولّ خلقه الله رجلاً، لا طفلاً، بينما الرّبّ يسوع تكوّن في الحشا كما يتكوّن الجنين في الحشا، وهو الإله. ثمّ إنّه اتّبع المسار البشريّ. صحيح، هو لم يُحبَل به في البطن بوساطة رجل، إنّما بالرّوح القدس. لكن، هو خضع، عن إرادة، لمسار بشريّ طبيعيّ جدًّا. إذًا، تكوّن في البطن على مدى تسعة أشهر، لا شهر واحد فقط، ولا شهرين... ككلّ إنسان. ومن ثمّ، فيما كان ينمو، كان يأخذ خواصّه من أمّه، من غذائها، من طعامها، من عواطفها، من مشاعرها... طبعًا، هذه كلّها كانت مشمولة بروح الرّبّ، كانت مُرَوْحَنَة. لكن، بالضّبط، هذه المشاعر البشريّة المتروحنة هي البيئة الدّاخليّة الأحشائيّة الّتي نشأ فيها الرّبّ يسوع. وقد بقي كذلك على مدى أشهر، حتّى اكتمل نموّه. وبعد ذلك، خرج من الحشا. وقد ربّته أمّه مريم، كما تعرف. إذًا، عمليًّا، الرّبّ يسوع تخلّق بأخلاق البشر، بأخلاق أمّه وبيئتها؛ لأنّ نعمة الله لا تلغي ما هو للإنسان، بل تنقّيه، وتكمّله، وتروحنه. كلّ هذا الرّبّ يسوع هو الّذي اختاره. كان بإمكانه ألاّ يختار هذا الأمر كلّه. بكلام آخر، الرّبّ ليس تحت الضّرورة، على الإطلاق. هذا كلّه اقتبله بإرادته، ومن ثمّ هذا يُعتبَر تدبيرًا من قبله. وضمن هذا التّدبير، جعل والدة الإله مساهمة في تكوينه، كإله متجسّد. هي ساهمت في تكوينه البشريّ. هذا الدّور، إذًا، أعطاها إيّاه الله هكذا. ولأنّ الرّبّ أفرغ نفسه وصار إنسانًا، وسلك في المسار الإنسانيّ بكلّ معنى الكلمة، امتلأت والدة الإله من حضوره، من حضور الله، من حضور الرّوح القدس، كما لم يحدث في التّاريخ، على الإطلاق؛ لأنّ الرّوح القدس، في العهد القديم، كان ينزل على أحد، ويعطيه موهبة معيّنة، نبوّة معيّنة. ثمّ، بالنّعمة الّتي تحلّ عليه، كان يتنبّأ، إلى درجة أنّه يقول "قال الله"، أي إنّ الله كان يتكلّم فيه. ثمّ عندما تنتهي النّبوءة، كان دور النّعمة في حياة النّبيّ ينتهي. لم يكن، في التّاريخ، أحد سكن فيه روح الرّبّ بالكامل كما سكن في مريم والدة الإله. الكنيسة تعي هذا الأمر جيّدًا. لهذا السّبب، آباؤنا تكلّموا على آدم الجديد، وعلى حوّاء الجديدة. وكما سبق أن قلت، حين نقول "حوّاء الجديدة"، فهذا معناه أنّها لها دور؛ وهو أنّها كما ساهمت في تجسّد ابن الله، فهي تساهم في تأليه البشريّة!. وهي تساهم في تأليه البشريّة، لأنّها هي الإنسان الأوّل الّذي تألّه!. أي كما أنّ حوّاء الأولى هي أمّ كلّ حيّ؛ مريم، أوّلاً، بصفتها الإنسان الأوّل الّذي تألّه، وثانيًا، بصفتها ساهمت في تجسّد ابنها، صارت هي أمّ كلّ حيّ جديد في الرّوح القدس. إذًا، هي صارت مساهمة في تأليه البشريّة؛ لأنّ مَن عنده يستطيع أن يعطي ممّا عنده. أمّا مَن ليس عنده شيء، فلا يستطيع أن يعطي شيئًا. إذا كان عندي أنا، مثلاً، روح الرّبّ، فإنّني أستطيع أن أعطيكم إيّاه. أمّا إذا لم يكن عندي روح الرّبّ، فلا أستطيع أن أعطيكم شيئًا. أعطيكم كلامًا. والدة الإله، لأنّها أخذت روح الرّبّ، صار بإمكانها أن تعطي روح الرّبّ بالمساهمة مع ابنها، وانطلاقًا من تدبير ابنها أن تكون هي مساهمة في تأليه البشريّة، في خلاص البشريّة!. وهذا لا يمكن، ولا يجوز أن يُفهَم وكأنّها هي عندها دور منفصل عن دور ابنها، أو كأنّها تزيد شيئًا على ابنها. هي لا تزيد شيئًا على ابنها، بل تأخذ منه، لأنّه هو يعطيها؛ وبما تأخذه منه، تساهم في تأليه البشريّة، ككلّ قدّيس، في النّهاية؛ لكن هي، في رتبتها كوالدة الإله، حوّاء الجديدة!. حين أمسك القدّيس سيرافيم ساروفسكي موتوفيلوف بكتفيه وقال له "نحن الآن في الرّوح القدس"، فهل أعطاه شيئًا من عنده؟ لا، أبدًا. بل أعطاه ما هو من عند الله. إذًا، أوّلاً وأخيرًا، الألف والياء هو الرّبّ يسوع، لا الإنسان. على العكس، الإنسان، حين يُسرّ الرّبّ ويعطيه ذاته بالكامل، يكون (الإنسان) قد انسحق واتّضع إلى الأخير، ولا يعود يشهد لنفسه، على الإطلاق. شهادته، بالكامل، تصير لله. لهذا السّبب، يوحنّا المعمدان، بالإضافة إلى قوله "ينبغي للرّبّ يسوع أن يزيد وأنا أن أنقص"، يضيف عن نفسه جملة جميلة جدًّا، فيقول إنّه صديق العريس، ثمّ إنّ صديق العريس يقف خارجًا، ليسمع ويفرح. بكلام آخر، والدة الإله توصلنا إلى الرّبّ يسوع، وهي تبقى خارجًا لتسمع وتفرح. ومن ثمّ هي تساهم وتساعد، وهذا من فضل الرّبّ يسوع، ومن فضل تدبيره. لهذا السّبب، بعض الكاثوليك، حين يحاولون أن يلمّحوا إلى مريم كأقنوم رابع وما شابه ذلك، يضيّعون بذلك كلّ اللاّهوت التّجسّديّ. من هنا، إنّنا، حين نقول "أيّتها الفائق قدسها، والدة الإله، خلّصينا"، عمليًّا، نطلب منها أن تعيننا، لا لأنّها هي أمّ، كما يقول بعض النّاس إنّها هي أمّ لذلك تفهمنا أكثر، فيما الرّبّ يسوع صعب. هذا كلام سخيف لا قيمة له على الإطلاق. نحن نلجأ إليها لأنّها هي مكلَّفَة من قبل الله بالمساهمة في رعاية البشريّة على الخلاص. أي هي تساعدهم لأنّها هي أمّ كلّ حيّ، في الرّوح، وتبلّغهم إلى ابنها. لكنّ ابنها هو الفاعل في البدء، وفي الوسط، وفي الأخير؛ كما أنّ الرّوح القدس هو الفاعل في القدّيس بدءًا، وفي الوسط، وفي الأخير؛ ولا يمكن، على الإطلاق، أن نتكلّم على قدّيس من دون أن نتكلّم على الرّوح الفاعل فيه. بهذا المعنى، نعم، والدة الإله تساهم في خلاص كلّ إنسان. وكلّ من يحاول أن يلغي دور والدة الإله، ويكتفي بالرّبّ يسوع، يسيء إلى الرّبّ يسوع نفسه وتدبيره، لأنّ الرّبّ يسوع هكذا ارتضى أن يأتي كلّ إنسان عبر هذا الطّريق الّذي هو اختطّه في جسده، أوّلاً، والّذي جعل فيه والدة الإله مساهمة في تأليه كلّ إنسان في البشريّة، ثانيًا!.


* راجع نصّ العظة بشأن "أيّتها الفائق قدسها، والدة الإله، خلّصينا"، الأحد ١٦ آب ٢٠١٥. النّصّ أعلاه هو نصّ حديث أُعطي في الشّركة مساء ١٦ آب.


الأرشمندريت توما (بيطار)
الأحد ١٦ آب ٢٠١٥


قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share