كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
كاهن رعيّةٍ يتحدّث أمام الرّهبان
عن الرّهبنة.

   خمسة وعشرون سنة مرّت، والدّير مستمرّ. هذا يعني أنّ هناك روحًا، وأنّ الرّبّ يضع يده، ويبارِك هذا المكان ومَن فيه.

   ما معنى دير؟. الرّهبنة تشبه ثكنة عسكريّة تحارب الشّيطان؛ لأنّ الرّهبان ملكه، إذ هو أمير هذا العالم، وقد اتّخذوا قرارًا أن يتركوه ويذهبوا إلى الأمير السّماويّ، الملك السّماويّ، يسوع المسيح. هو يريدكم، فيما أنتم قد أعلنتم حربًا عليه؛ لذلك، هو يعتبركم وقحين، وسيحاول أن يهاجمكم. من هنا، يُقال إنّ الرّهبنة فيها حروب كثيرة، إذ إنّ الشّياطين تغار على مُلْكِها، الّذي هو، في الحقيقةِ، مُلك الله. أنتم العسكر السّماويّ.

   ما هو هذا المشروع، الرّهبنة والرّهبان؟. في حياتي الرّوحيّة، الّتي أعيشها في المدينة، اتّخذت قرارًا أن أجعل قلبي يترهبن، حتّى أهدأ وأتوقّف عن الغضب. ما معنى ذلك؟. هذا يعني أنّني اتّخذت قرار العودة إلى الله. نحن ارتبطنا بالدّنيويّات، والشّهوات، والملذّات، من دون أن ننتبه، لا لأنّنا لا نحبّ الله، بل لأنّنا رُبّينا على هذا النّحو، في بيوتنا، وكبرنا لنعرف الله بالكلام فقط... ربّينا على حياة كلاسيكيّة من نوع معيّن، روتينيّة، ليس فيها الله، بل فيها برنامج كنسيّ: يلبسوننا ثيابًا جميلة، ويأخذوننا إلى الكنيسة، فنمضي الوقت فيها لعبًا. وعند المناولة، ننظر إلى الكاهن، ونطلب منه أن يعطينا الكثير منها لأنّ النّبيذ لذيذ. لم نكن نعرف أكثر من ذلك. وكبرنا ونحن لا نعرف أكثر من ذلك. ما هو هذا البرنامج؟. ما هي هذه القصّة؟.

   رحت أقرأ الكثير من الكتب الرّوحيّة، حتّى وصلت إلى مرحلة بدأت فيها أنتبه لمفاتيح تعلّمني. مثلًا، حين قرأت العبارة "المولود من الرّوح هو روح، والمولود من الجسد هو جسد"، فكّرت مباشرة في أنّني أنا مولود من الجسد، لأنّ أمّي جسد. لكن، ما هي الولادة الرّوحيّة؟. بدأت أفكّر في هذا الأمر. بولس الرّسول يقول لنا: "إنّ اللّحم والدّم - أي الولادة الجسديّة - لا يستطيعان أن يرثا ملكوت السّموات، والفساد لا يرث عدم الفساد" و"على مثال الأرضيّ يكون الأرضيّون، وعلى مثال السّماويّ يكون السّماويّون". كيف أكون على مثال الله، حتّى أكون سماويًّا؟!. رحت أبحث، وأدرس، وأقرأ، وأحاول أن أرى ما هي طبيعة الله. هذا صعب جدًّا. جاء يسوع المسيح، أخيرًا، وأنارني. يسوع المسيح كلمة الله، اللّوغوس، وضّح لنا أمورًا كثيرة، من المؤكّد أنّ علينا أن نفهمها بالعمق. رحت أقرأ الآباء القدّيسين الّذين سبقونا، كيف يشرحون ويشرحون ويشرحون... حتّى فهمت كيف عليّ أن أصل إلى الله، وأن أكون سماويًّا، من طبيعة الله. فهمت أنّني لا أستطيع أن أكون من طبيعته، إلّا من خلال مشروع رهبنة، لأنّني راقبتكم: عليّ ألّا أشتهي شيئًا؛ أن أعيش بالصّوم والصّلاة؛ وأكرّس حياتي بالصّلاة، والتّوبة، والتّضرّع، وضمن نظام رهبنة معيّن، بطاعة كاملة، وإنكار للذّات... لم أعد أريد أن أعيش لذاتي، لأنّ مَن يجب أن يعيش فيّ هو السّماويّ يسوع المسيح. لكن، كيف أمنع نفسي من الشّهوات؟. الشّهوات نابعة من جسدي، فالجسد هو الّذي يشتهي. على مثال الأرضيّ يكون الأرضيّون. الجسديات هي الّتي تُتْعِبُني. عليّ ألّا أنظر نظرة خاطئة، ألّا أسمع كلامًا بذيئًا، ألّا أبقى نهِمًا... حواسّي كيف ألجمها؟. رحت أراقبكم: تقفلون على آذانكم باللّباس، لأنّكم لا تريدون أن تسمعوا كلامًا لا حاجة إلى سماعه؛ حين كنت أحاول أن أسلّم عليكم، وأنا لم أكن أعرف ما هي الرّهبنة، انتبهت إلى أنّ عيونكم كانت تنظر إلى الأرض. لا تريدون أن تلمسوا، حتّى بالنّظر!. لا تريدون أن تسمعوا، لا تريدون أن تحادثوا شخصًا من المدينة!... تعيشون حياةً داخل الله في الدّير. كلّ ما ليس من الله لا تريدون أن تسمعوه. نحن نصوم مدّة خمسين يومًا؛ فيما أنتم تصومون عن كلّ شيء طول السّنة: لا تأكلون اللّحم، ولا تضعون البهار في الأكل... إذًا، هذه هي الرّهبنة: لا أشتهي شيئًا، لا أريد شيئًا، أريد الله فقط. جميل!. رحت أفكّر في كلّ ذلك، لأنّني تذوّقت طعم الله مرارًا كثيرة، ولم أعد أستطيع أن أعيش من دونه، بل أريد أن أكون مثله... فاكتشفت أنّ الموضوع ليس، إذًا، صلاة، وتضرّعًا، وبكاءً، وعاطفة؛ بل هو مشروع كبير: عليّ أن أتغيّر، أن أطرد الرّوح القديم، الشّيطانيّ السّاكن فيّ من دون أن أنتبه!. أنا كنت أعيش في المدرسة والجامعة ولا أنتبه لشيء. كنت أرى فتاة جميلة، فأنظر إليها، لأنّني شابّ!. لم ينبّهني أحد، أو يعلّمني ما عليّ أن أعمله. وتساءلت: ما هي طبيعة الرّوح النّجس؟... ما هي طبيعة الله؟. رحت أقوم بمقارنات. وقد عرفت، أخيرًا، نتيجة المقارنة، وأردت أن أكون روحيًّا سماويًّا على مثال السّماويّين. بكلام آخر، فهمت أنّ عليّ ألّا أنظر إلى الفتاة بطريقة خاطئة، عليّ أن أراها أختًا لي، أُمًّا للمستقبل ستنجب أولادًا لله، راهبةً نذرت روحها وقلبها لله، أمةً وعروسًا للمسيح!... عليّ ألّا أنظر إليها نظرة خاطئة، أي عليّ أن أنتبه لنظري وألجمه، وهذا ما تفعله الرّاهبات. لم أرَ واحدةً منكنّ، حين كنتُ آتي لأسلّم عليها، إلّا وتنظر إلى الأرض!. أمدّ يدي لأسلّم، حتّى باللّمس لا تسلّمن!. إذًا، ما هو الصّوم؟. نحن نصوم خمسين يومًا، فيما أنتم تصومون السّنة بأكملها!. الصّوم هو الامتناع عن أمور كثيرة، من أجل تلقّي النِّعَم، من أجل الامتلاء من نِعَمِ الله. الرّهبنة، إذًا، هي مشروع سماويّ، هي المشروع الّذي يوصلني إلى المسيح: أن ألجم الجسد وشهواته، وأمتلئ من الرّوح السّماويّ، بالرّوح القدس، من جرّاء محبّتي للمسيح يسوع. أنا مهمّ!. أنا جامعيّ!. أنا أستطيع أن أُلقي محاضرات!... في الحقيقة، أنا لا شيء!. أجلس بين كبار القوم ولا أعرف أن أتكلّم!... من أنا؟!. المسيح الإله ضُرب، وأنكر ذاته، ونحن نعرف أنّه هو الله، وأطاع حتّى الموت، موت الصّليب!. تسألونني: كيف يطيع المسيح؟. هو الّذي قال للعازر "هلمّ خارجًا"، وجمّد البحر، فكيف أطاع؟.

   أشعر، في داخلي، بشيء يحرّك شهواتي. بالصّوم لجمت فمي، بالانتباه لم أعد أقبل أن أسمع كلامًا سفيهًا، بالنّظر لم أعد أقبل أن أنظر نظرة خاطئة!... ضبطت هذه كلّها؛ لكنّني أعود وأجد أنّ هناك شيئًا يحرّك حواسّي!. إذًا، هناك شيء مخبَّأ في داخلي، وأنا غير منتبه له، هو من أميرِ هذا العالم، الّذي يحرّكني، ويؤثّر فيّ، وبطريقة مدروسة يعمل فيّ حسب طبعي حتّى لا أنتبه له!. الرّهبنة وجدت حتّى "تكسر له سطوته"، إذا كانت، أللّهمّ، جدّيّة. لذلك، قرّرت أن أرهبن قلبي قدر استطاعتي، على الرّغم من صعوباتي في حياتي؛ لأنّني لا أقبل أن أبقى منفصلًا عن طبيعتي الرّوحيّة، الّتي هي على صورته ومثاله، أن أبقى منفصلًا عن الّذي نفخ نسمة الحياة في آدم، الموجودة داخلي أيضًا. لا أقبل أن تبقى خارجًا عنّي!. عليّ أن أستردّها، أن أتّحد به؛ حتّى أبقى وإيّاه. لأجل هذا الغرض، ليس هناك سوى مشروع الرّهبنة. أنا كاهن، ومن ثمّ من المفترض بي أن أكون قد قرأت الإنجيل. فماذا أفعل في الكنيسة؟. كيف أنقذ أناسًا زاغوا وسقطوا، وقد أوكلني المسيح، الّذي تألّم وصُلب لأجلهم، بأن أساعدهم على الخلاص؟. أأنا أعرف أن أتكلّم وأشرح آيات؟!. أأعرف أن أنقل معلومات درستها في الجامعة؟!. هذا لا يكفي!. لا، الأمر يحتاج إلى روح!. عليّ أن أنظّف داخلي، حتّى تخرج هذه المعلومات "مروحنة"، حتّى أسرق قلوب السّامعين، وأجعلهم يشعرون، حتّى يأخذوا زادًا معهم حين يخرجون من الكنيسة. ما الّذي يلزمني، إذًا؟. أن يكون قلبي قلب راهب، ألّا أشتهي شيئًا، ألّا أنظر إلى شيء نظرة خاطئة، ألّا أجلس في مجالس فيها كلام سفيه، ألّا أجلس على سُفَرٍ فاحشة الطّعام... مرّة، دُعيت إلى سفرة، كانت عليها سمكة رمليّة كبيرة جدًّا، وثمار من البحر شهيّة المنظر... رحت أنظر، وكنت، آنذاك، في عزّ حياتي الرّوحيّة، وأبحث عن الله. وبدل أن أشتهي ذاك الطّعام، وأقول إنّني سآكل منه لأنّه قد لا يتسنّى لي طعام مثله مرّة أخرى، قال قلبي في داخلي: "ويل لي"، لأنّني كنت قد رأيت، على التّلفاز، ربّما في أفريقيا، شاحنة تدخل القرى وتلملم أطفالًا ماتوا من الجوع، أطفالًا رؤوسهم كالجماجم، وبطونهم منتفخة، وأفخاذهم كالأصابع. هؤلاء كانوا يخطرون على بالي كلّما نظرت إلى الطّعام الموضوع على تلك المائدة؛ فقرّرت ألّا أمدّ يدي وأتناول شيئًا منه. لكن ماذا عليّ أن أفعل؟. يجب ألّا أُحزن من دعوني. أحاول أن أصطنع حالةً من الفرح قدّامهم!. دخلت الحمّام، وانفجرت بكاءًا وصراخًا: "ربِّ، نجّني!. مرّضني حتّى أنسحب من هذا المجلس!...". ربمّا هي لحظات عاطفيّة خاطئة!. لكنّني لم أستطع غير ذلك، لأنّني كنت أفكّر في أنّ هناك أناسًا لا يستطيعون أن يأكلوا. أنا لم أصر كاهنًا حتّى أتلذّذ، بل حتّى أجعل النّاس يتلذّذون بيسوع، وإلّا فَلْأخلعْ ثوبي وأذهب إلى بيتي، ذلك أفضل!. لم أعد أحب كلمة "كاهن" بسبب الأخطاء الّتي يرتكبها الكهنة؛ فنحن نقتل النّاس، ونتباهى بالصّليب الّذي نضعه على صدورنا، وبأنّنا مهمّون... ذهبت إلى الأب إلياس مرقص، وأخبرته عن هذه السّفرة، وعمّا أحسست به في ذلك اليوم، وهو ما لم أكن أحسّ به من قبل. فقال لي: "جميل جدًّا". قلت له: "يا أبانا، لقد تعبت كثيرًا، وآلمتني معدتي، وانعصرتُ، وصرت أمثّل أنّني آكل، ولم أدعهم ينتبهون إلى أنّني لا آكل، لأنّني اتّخذت قرارًا بعناد أنّني لا أريد أن آكل. فما هو رأيك، بما أنّك أنت أبي الرّوحيّ؟"، أجابني: "هذا خطأ"، فسألته: "لماذا؟"، قال لي: "لِمَ هذه العقد؟"، فقلت له: "ماذا أفعل؟"، فسألني: "أأنت حضّرت هذه السّفرة؟"، فقلت له: "لا"، فقال لي: "أأنت اشتريت السّمك والثّمار البحريّة؟"، فقلت: "لا"، فقال لي: "الله سمح، فكان عليك أن تأكل وتشكر. ربمّا لن تتسنّى لك، مرّة أخرى، سفرة كهذه؛ فالرّبّ سمح لك بها، فكل واشكر، ولا تعقّد الأمور". فتعلّمت هذا الأمر، وصرت أعلّم الآخرين أن يأكلوا من الموجود، لذيذًا كان أم غير لذيذ، وألّا يطلبوا شيئًا آخر غيره، ولا يرفضوا ما يُقدَّم، ويشكروا الرّبّ على نعمه.

   هذه الحروب، لأجل رهبنة قلبي، كانت صعبة جدًّا؛ لأنّها غير منظّمة، وأنا أعيش بحسب مزاجي، فيما الرّاهب منضبط ضمن نظام معيّن. لقد تعذّبت وتألّمت كثيرًا، ووصلت إلى الاستنتاج أنّني، لكي أستطيع أن أصل إلى السّماويّ، عليّ أن أنتهي من الأرضيّ، وأطيع طاعة حتّى الموت. حتّى لو وبّخني الأب توما، مثلًا، فهو لا يوبّخني أنا، بل الشّيطان الّذي يتعبني من الدّاخل. هو يحبّني، هو أبي، هو الّذي يعلّمني، هو يرى كيف أتقدّم فيأتي الشّيطان الّذي فيّ ويشدّني إلى الوراء؛ فيسارع إلى لجمه وتوبيخه؛ وأنا، لغبائي، أظنّ أنّه يوبّخني أنا، فأحزن!. كذلك الأمر بالنّسبة إلى الأمّ مريم...

   في النّتيجة، الرّهبنة في المسيح هي مشروع وقح ضدّ الشّيطان؛ لأنّنا كلّنا، في نظره، ملك له، وهو يتحكّم بنا، ويسيطر علينا، وقد قرّرنا أن نخرج عليه. لذلك، هو يريد أن يحاربنا. لكن، "وجهك، يا ربّ، أنا ألتمس". غيرك أنت، يا ربّ، لا أريد. أريد أن أكون على مثال السّماويّ، والسّماويّين الّذين أرضوا الله منذ القدم. كهنوتي، من دون الرّهبنة، من دون قلب راهب، يفشل؛ وحياتي مع المسيح تفشل، إذا لم يترهبن القلب، ويطع حتّى موت الصّليب.

   شعرت بأنّ الشّيطان أكثر ما يهاجمنا حين يتوقّف فكرنا عن العمل، أو الصّلاة، أو القراءة. مثلًا، حين ينتهي القدّاس الإلهيّ، نأتي إلى المطبخ لنحضّر الطّعام، وننظّف، و... في هذا الوقت، لا صلاة. لذلك، يأتي إلينا كلّنا، ويبدأ بالكلام. علينا أن نحمي أنفسنا، لكي نبقى مع الله، بصلاة يسوع. حتّى إذا قال لي أحد شيئًا، أنظر إليه، ولا أجيبه عمّا قاله لي، بل أقول له: "ربِّّي يسوع، ارحمني، أنا الخاطئ"؛ إذ ذاك، أجعله يخجل. علينا بطلب الرّحمة الدّائمة، لأنّ هدفنا رائع وقويّ جدًّا، وليس مزحة. مؤسف أن تضيع السّنوات. ملكوت السّموات داخلنا، فمؤسف أن نضيّع الوقت. أنا مشروعي أن أصل إلى القداسة، فلِمَ أبقى أربعين سنة حتّى أصل؟. ألا يمكنني، بعشر سنوات، أن أتقدّس وأمتلئ منه؟. لِمَ أضيّع وقتي؟!. لِمَ ألتهي بأمور تافهة، لا قيمة لها على الإطلاق؟!... مع كلّ أمر أقوم به يمكن أن يلهيني، عليّ أن أقول "ربّي يسوع، ارحمني، أنا الخاطئ". يجب ألّا نضيّع ولا حتّى دقيقة واحدة، لئلّا نقع في تجربة؛ فالشّيطان لا يكلّ ولا يملّ، خصوصًا مع الرّهبان والكهنة. حرب الرّهبان أشدّ حتّى من حرب الكهنة.

   الأب أنطون، الّذي من دير الحرف، كان يقول لي، حين كنت أتكلّم على هذا النّحو: "لماذا تفكّر في الشّيطان؟. إذا فكّرت فيه، فإنّك تجعل له قيمة، فيصدّق نفسه ويهاجمك. لا تفكّر إلّا في المسيح، ولا تفكّر في خطر الشّيطان. هو لا يستطيع شيئًا حيالنا". سألته: "كيف ذلك؟. كيف أجعل له قيمة، وهو لا يستطيع أن يهاجمني؟"، قال لي: "سأشبّهه بالتّاجر الّذي يصنع واجهة، ويعرض فيها الفساتين، والثّياب، والأحذية... هو لا يجبر المرأة على الدّخول والشّراء. لكنّه يعرض لها الأشياء؛ إذ ذاك، هي تنظر، وتستحلي ما تراه، فتدخل وتشتري. الشّيطان، كذلك، يعرض، لكنّه لا يجبر أحدًا، لأنّه لا يستطيع". أيّوب تجرّب بإذن من الله. الشّيطان طلب الإذن من الله حتّى يجرّبه، لأنّه لا يقدر وحده على فعل ذلك. لمّا مرّ يسوع المسيح بقرب لجيئون، خرّ لجيئون ساجدًا، وصرخ بصوت عظيم قائلًا: "لماذا جئت قبل ملء الزّمان، ألتعذّبنا؟". هذا يعني أنّ الله مخيف، وأنّ الشّيطان لا يقدر عليه. لا تفكّروا فيه، ولا تجعلوا له قيمة. فكّروا، فقط، في يسوع المسيح وخلاصه؛ لأنّه يريد الكلّ أن يخلصوا، وإلى معرفة الحقّ يقبلوا، وينالوا الملكوت. آمين.


الأب يوحنّا حبيب
الدّير في ٢٩ تشرين الأوّل ٢٠١٥

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share