قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
من المديح إلى الفصح!...

   في المديح الكبير نقول الطّروباريّة: "إنّ غير المتجسّد، لمّا أخذ في معرفته ما أُمر به سرّيًّا، حضر مسرعًا نحو بيت يوسف، قائلًا للّتي لم تعرف زواجًا: إنّ الّذي، بانحداره طأطأ السّموات، يوسَع في حشاك خلوًّا من استحالة". هذا الكلام كلّه لاهوت. "الّذي إذ أشاهده في حشاك، آخذًا صورة عبد، أنذهلُ صارخًا نحوك: افرحي، يا عروسًا لا عروس لها".

   هذه القطعة، الّتي نرتّلها، فقط، في المديح الكبير، كأنّها تختصر كلّ معنى المديح الّذي نقوله أربع مرّات، لتوصلنا إلى هذه الخلاصة الّتي تتجسّد فيها. لكنّني أتساءل: ما معنى "لمّا أخذ في معرفته ما أُمر به سرّيًّا"؟. أيعني ذلك "لمّا بدأ يعرف عن سرّ التّجسّد"، أم "لمّا بدأ يعرف عن هذا السّرّ الكبير أي كيف أنّ الإله سيجلس في أحشاء امرأة"؟.

   ما الفرق بين سكنى الله فينا، وسكنى الله في مريم؟. نحن يسكن الله فينا بالنّعمة. هذا ما يقوله القدّيس سيرافيم (ساروفسكي)، يقول إنّ هدف الحياة هو اقتناء الرّوح القدس، أي إنّنا نحن الّذين يسكن فينا المسيح بنعمة الرّوح. لكنّ مريم لم يسكن فيها المسيح بنعمة الرّوح، فقط؛ بل نعمة الرّوح أهّلتها لأن تكون مسكنًا للأقنوم الثّاني، مسكنًا لشخص الكلمة!!... هذا هو السّرّ الكبير: كيف يمكن إنسانًا أن يحوي، في جسده، الإله، الّذي لا يمكن أن يُحتوى في أيّ مكان، لأنّه غير مادّيّ، وخارج كلّ إطار، لا حدود له، ولا زمن. هذا هو السّرّ الّذي لا يمكن الإنسان، مهما فعل، أن يفهمه بعقله. لذلك، إذ سكن ابن الله، الأقنوم الثّاني المسيح يسوع، في مريم، صرنا نسمّيها "الأرحب من السّموات"، لأنّ الله يسكن في السّموات. هي أرحب من السّموات لأنّها، على الرّغم من أنّها بشر، حويت مَن لا يحويه مكان. كذلك، الّذي هو خارج الزّمان سكن فيها كإله، واتّخذ منها جسدًا. فهي، في ذاتها، في جسدها، صارت حاضرةً في الزّمان واللّازمان، المخلوق واللّامخلوق، المنظور واللّامنظور، المحدود واللّامحدود.

   هكذا دخلت مريم في سرّ الألوهة. لذلك، "القدّيس سمعان اللّاهوتيّ الجديد" يقول إنّ الإنسان، بالتّألّه، يدخل في سرمديّة الله، لا فقط في الأزليّة، أي كأنّ الله يعطيه خبرة الوجود خارج الزّمن. هذا الّذي، ربّما، اختبرته مريم، إنّما هي اختبرته بطريقة لا أحد سيختبره بها مثلها، إذ فيها سكن، كما قلنا، أقنوم الكلمة، أقنوم الابن؛ وهذا ما لن يتكرّر.

   هذا هو الجديد الوحيد تحت الشّمس. يقول سفر الجامعة: "لا جديد تحت الشّمس". ليس هناك إلّا هذا الجديد، الّذي لن يتكرّر، في كلّ الوجود. لذلك، نحن، في هذا اليوم، نحاول أن ندخل بالتّأمّل إلى هذا السّرّ، من خلال الأبيات، ومن خلال القوانين الّتي نرتّلها، أيضًا... كلّ هذه ترينا كيف كانت هناك إشارات في الكتاب المقدّس بشأن هذا الموضوع، وتدخلنا إلى هذا السّرّ في التّأمّل، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يدخل هذا السّرّ بالعقل. لماذا أقول بالتّأمّل؟. لأنّ التّأمّل هو مرحلة توصل الإنسان إلى المعاينة، أي إلى الكشف الإلهيّ بالنّعمة. بغير ذلك، المرء لا يستطيع أن يدرك، لا بمعنى أن يفهم، بل يدرك بالخبرة. هذه هي المعرفة، في العمق: خبرة سرّ الله فينا، من خلال التّأمّل في سرّ مريم، في سرّ التّجسّد، الّذي هو، كما نقول، رأس خلاصنا. الكلمة الإلهيّة تحقّقت في مريم، الّتي منها تحقّق وعد الله، وفيها وبها، تحقّق وعد الله للبشريّة بأن يأتي الله إلينا حتّى ينهضنا من موتنا.

   لذلك، في الأسبوع التّالي للمديح الكبير، لدينا لعازر، الّذي هو نتيجة تحقّق هذه الكلمة، هذا الوعد الإلهيّ، وتجسّد الكلمة. النّتيجة هي، إذًا، القيامة، قيامة لعازر أوّلًا. ومن ثمّ يأتي انفجار النّور، وتفجير الجحيم، والحياة الأبديّة بقيامةِ الرّب يسوع... آمين.


المتروبوليت أنطونيوس (الصّوريّ)
أبرشيّة زحلة وتوابعها.
١٦ نيسان ٢٠١٦

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share