إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
في شفاعة القدّيسين

   إنّ شفاعةَ القدّيسين مبنيّة أوّلاً على وحدة جسد المسيح السّرّيّ، وحدة المؤمنين، أحياء وأمواتًا، في المسيح. قال يسوع: "إنّ كلّ من يؤمن بالابن تكون له حياة أبدية" (يو ٦: ٤٠)؛ "إنّ من يسمع كلامي ويؤمن بالّذي أرسلني فله حياة أبديّة ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يو ٥: ٢٤). والقدّيسون هم الّذين في تلك الحياة، حياة المسيح، صاروا في ملء نور المسيح وحياته. وهناك رباط بين القدّيسين وبيننا من جرّاء اشتراكنا الواحد في جسد المسيح الواحد "المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد"، وبالقيامة هو في كلّ مكان مع الأحياء والأموات. نحن والأموات في وحدة حياة، وكيان مع المسيح وفي المسيح. القدّيسون ليسوا غائبين بالنّسبة لنا بل اتصالهم معنا أقوى وأعمق. إنّهم إخوة لنا أبكار، قد دخلوا في ملء حياة نحن لا نزال نسير نحوها... هذه هي "شركة القدّيسين" السّماء والأرض متداخلتان، وقوّة المسيح هي بيننا، نشعر بها في الأسرار المقدّسة وندخلها أيضًا بصلاتنا وإيماننا.

   هذه الشّركة قد صورتها الرّسالة إلى العبرانيّين: "قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي "أورشليم السّماويّة إلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السّموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكمّلين" ( عب ١٢: ٢٢-٢٣). هذه الآية تقدّم لنا صورة عن رباطنا بالمسيح إذ تصوّر ملء الكنيسة، مدينة الله الحيّ، الّتي تشمل الأبكار المكتوبين في السّموات وأرواح الأبرار الّذين رقدوا مكمّلين بالرّب، والملائكة وكلّ الأحياء...

   ثم يجب أن نفهم ما هي القداسة بالضّبط، وما هو عمل الله في قدّيسيه إذ يقول الكتاب "عجيب الله في قدّيسيه" (مز ٦٧: ٣٥)، القدّيس هو شخص قد اضطرم حبًّا، ومقياس الحبّ إعطاء الذّات للآخرين. فالقدّيسون هم الّذين، حبًّا بالله الّذي فيهم قد أعطوا ذواتهم كليًّا واشتعلوا واحترقوا حبًّا: "أحبب الرّبّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلِّ نفسك ومن كلِّ قدرتك ومن كلِّ فكرك وقريبك كنفسك" (لو ١٠: ٢٧) – وبذلك تكون قوّة القدّاسة أي قوّة المحبّة الّتي فيهم هي كاملة أمام المسيح...

   وعلى هذه المحبّة المعطاء أمثلة كثيرة في الكتاب المقدّس:

   "أشكر إلهي عند كلّ ذكري إيّاكم دائمًا في كلّ أدعيتي مقدّمًا الطّلبة لأجل جميعكم بفرحٍ" ( في ١: ٣-٤)؛ "لأنّنا نفرح حينما نكون نحن ضعفاء وأنتم تكونون أقوياء" (٢كور ١٣: ٩).

   "لا أزالُ شاكرًا لأجلكم ذاكرًا إيّاكم في صلواتي كي يعطيكم إله ربّنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القدّيسين" (أف ١: ١٦-١٨).

   "بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربّنا يسوع المسيح... لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيّدوا بالقوّة بروحه في الإنسان الباطن ليحلَّ المسيحُ بالإيمان في قلوبكم... " (أف ٣: ١٤-٢١).

   "نشكر الله كلّ حين من جهة جميعكم ذاكرين إيّاكم في صلواتنا، متذكّرين بلا انقطاع عمل إيمانكم... " (١تس ١: ٢-٣).

   "بولس وسلوانس وتيموثاوس إلى كنيسة التّسالونيكيّين في الله أبينا... الأمر الّذي لأجله نصلّي أيضًا كلّ حين من جهتكم أن يؤهلكم إلهنا للدّعوة ويكمل كلّ مسرّة الصّلاح وعمل الإيمان بقوّة... " (٢تس ١: ١-١١)، هذا المقطع الطّويل يدلّ على مدى اهتمام بولس ورفيقيه الكبير لهم.

   "إنّي أشكر الله الّذي أعبده من أجدادي بضميرٍ طاهرٍ كما أذكرك بلا انقطاع في طلباتي ليلاً ونهارًا" (٢تي ١-٣).

   "هكذا أقول لكم يكون فرح قدّام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب" (لو ١٥: ١٠).

   "انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصّغار لأنّي أقول لكم إنّ ملائكتهم في السّموات كلّ حين ينظرون وجه أبي الّذي في السّموات" (مت ١٨: ١٠).

أيقونة جميع القدّيسين
   "ولما أخذ السّفر خرّت الأربعة الحيوانات والأربعة والعشرون شيخًا أمام الخروف ولهم كلّ واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورًا هي صلوات القدّيسين" (رؤ ٥: ٨)، إنّ كلّ صلاة تخترق السّموات وخاصّة صلاة القدّيسين.

   "ولما فُتح الختم الخامس رأيت تحت المذبح نفوس الّذين قتلوا من اجل كلمة الله ومن أجل الشّهادة الّتي كانت عندهم وصرخوا بصوت عظيم قائلين: متى أيّها السّيّد القدوس والحقّ لا تقضي وتنتقم لدمائنا من السّاكنين على الأرض..." (رؤ ٦: ٩-١١).

   "فإنّه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة ولكن ليس جميع الأعضاء لهم عمل واحد هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض كلّ واحد للآخر..." (رو ١٢: ٤-١٣).

   "الّذي نزل هو الّذي صعد أيضًا فوق جميع السّموات لكي يملأ الكلّ وهو أعطى أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشّرين والبعض رعاة ومعلّمين لأجل تكميل القدّيسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (أف ٤: ١٠-١٢).

   وآيات أخرى تؤيّد ذلك أيضًا:

   "ولكنّي أحسبه حقًّا ما دمت في هذا المسكن أن أُنهضكم بالتّذكرة عالمًا أنّ خلع مسكني قريب كما أعلن لي ربّنا يسوع المسيح أيضًا وسأجتهد أن يكون لكم بعد خروجي تذكّر هذه الأمور كلّ حين" (٢بط ١: ١٣-١٥).

   "صلّوا بعضكم لأجل بعضٍ لكي تشفوا. طلبة البارّ تقتدر كثيرًا في فعلها" (يع ٥: ١٦).

   "ألستم تعلمون أنّ القدّيسين سيدينون العالم" (١كو ٦: ٢).

   وفي العهد القديم:

   والآن أردُدْ امرأةَ الرّجل فإنّه نبيٌّ "وهو يدعو لك فتحيا" (تك ٢٠: ٧).

   "وبقي إبراهيم واقفًا أمام الرّب فتقدّم وقال: أتُهلك البارَّ مع الأثيم وإن وُجد خمسون بارًّا في المدينة أفتهلكها - ... فقال الرّبُّ إن وجدت في سدوم خمسين بارًّا في المدينة فإنّي أصفح عن المكان كلّه من أجلهم..." (تك ١٨: ٢٢-٢٣).

   الخلاصة:

   على هذا النّحو نتبيّن أنّ شفاعة القدّيسين – المبنيّة "على فداء المسيح وخلاصه للبشر لأنّه الوسيط الوحيد بين الله" – هي واردة طبيعيًّا من جرّاء اتّحاد المؤمنين جميعًا أحياء وأمواتًا، واشتراكهم في المسيح كجسد واحد وأعضاء بعضًا لبعض، ومن جرّاء قوّة  القدّاسة والمحبّة الّتي في القدّيسين والّتي هي الآن كاملة أمام المسيح، كما يتضح من الكتاب المقدّس بحسب ما هو مشروح أعلاه...


الأرشمندريت الياس مرقص

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share