روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
الـــرّهــبــنـــة(٧).
القدّيس صفروني الآثوسي.
القدّيس "صفروني" راهبًا حدثًا مع أبيه الرّوحيّ القدّيس "سلوان".

    من الصّعب إيجاد كلمات تعبّر عن ضرورة تصعيد الصّراع الدّاخليّ إلى أبعد حدوده، من أجل أن يُكشف عن أعماق النّفس. كيف نستطيع أن نبرهن بالكلام، أنّه يجب على نفسنا أن تسكن معًا في الجحيم وفي الله؟. كيف نفسّر أنّه بهذه الطّريقة فقط يمكن لنا أن ندرك كمال الحياة الإنسانيّة وفي الوقت عينه أن نصل إلى هذا التّوازن في النّفس الّذي يطرد كلّ تخلخل أو عدم استقرار داخليّ؟. مَن الّذي لا يعرف في حياته هذه التّبدّلات المؤلمة من ارتفاع وهبوط روحيّين؟. ولكن عندما ينزل الإنسان إلى الجحيم في صراعه الدّاخليّ حاويًا معه الله في ذاته، فبهذه العمليّة البطوليّة يتجنّب التّبدّلات النّفسانيّة من ارتفاع وانخفاض الّتي كثيرًا ما يُسمع عنها لأنّه يحوي "الكلّ" في ذاته. عندنا وصيّة المسيح، في أن نتشبّه بالله، هذه الحياة الّتي يدعوها الآباء "علم العلوم" و "فنّ الفنون".

    والسّبيل الوحيد للوصول إلى المعرفة يكون عن طريق الخبرة. يُطرح هنا السّؤال: كيف يمكن أن نوفّق بين الكلمات "القاسية" الّتي توجّه في خدمة إعطاء النّذور وبين "حياة التّشبّه بالمسيح"؟. أين هي الوداعة أو المحبّة الّتي يدعونا إليها الرّبّ؟. إنّ المنظار الرّوحيّ يختلف كثيرًا عن المنظار النّفسيّ. إن تحديدًا نفسيًّا لألفاظ القداسة، والمحبّة، والوداعة، على سبيل المثال، لا يتّفق إلّا نادرًا مع النّظرة الإنجيليّة. كثير من النّاس يفهم الوداعة كحالة طبيعيّة هادئة. القدّيس يوحنّا السّلّميّ يفسّرها بطريقة أخرى فيقول: "الوداعة صخرة قائمة على شاطئ بحر الغضب... (24: 4). الوداعة دعامة للصّبر وباب للمحبّة، لا بل أمّ لها، وهي دالّة في الصّلاة، ومسكن للرّوح القدس، ومكبح للعنف، ومنبع للفرح، وتشبّه بالمسيح".

    من هنا نرى أنّ الوداعة قضيّة أكبر بما لا يُقاس من كلّ حالة "نفسيّة". الوداعة شجاعة تأخذ على عاتقها أثقال الآخرين وضعفاتهم. هي الاستعداد الدّائم لتحمّل الذّمّ وعدم الانقياد للمديح. هي الثّبات الهادئ أمام كلّ شدّة حتّى أمام الموت. الوداعة تحوي في ذاتها قدرة كبيرة وغلبة على العالم. يقول المسيح: "طوبى للودعاء لأنّهم يرثون الأرض"، أي أنّهم سيغلبون العالم بالمعنى الأسمى للكلمة.

   لن يخضع العالم للقوّة المادّيّة الجبّارة بل للوداعة.!..

    لقد دخلنا في استطراد من أجل تقديم صورة عامّة عن معنى الرّهبنة وروحها. لنتابع الآن في بحث كلّ من النّذور الثّلاثة بالتّفصيل.

النّذور الثّلاثة

    "أن نتشبّه إن أمكن بالمسيح في كلّ شيء".

    أ - الطّاعة:

    هناك انطباع شائع بأنّ الفرق الرّئيسيّ بين الرّهبنة والحياة العاديّة يكمن في العزوبيّة المطلوبة من الرّاهب والرّاهبة، ولكن، انسجامًا مع الآباء القدّيسين النّسّاك القدماء والمعاصرين، سوف أعطي أهمّيّة أولى للطّاعة، لأنّه يحدث في كثير من الأحيان أن يبقى أناس عازبين طيلة حياتهم دون أن يصبحوا رهبانًا، أكان بالمعنى الأسراريّ أم حتّى بالمعنى الرّوحيّ. هكذا أيضًا الفقر، المفهوم بمعنى الاكتفاء بالقليل، يمكن أن نصادفه عند أناس بعيدين عن الرّوح الرّهبانيّة. على كلّ حال ليس في تصميميّ أن أضع ترتيبًا للنّذور الثّلاثة الرّئيسيّة. آمل بالأحرى أن أُبيّن أنّ امتزاج الثّلاثة في "كلّ" واحد هو الّذي يخلق الأجواء الملائمة للرّاهب من أجل الوصول إلى هدفه الرّئيسيّ: التّحرّر من الأهواء والصّلاة النّقيّة.!..

القدّيس يوحنّا القصير بجانب العود اليابس الّذي ثابر على ريّه طاعةً، فأثمر.!..

    الطّاعة هي أساس الرّهبنة. ولكن، يصعب جدًّا أن نتكلّم عنها لأنّها تأخذ، على ما يبدو، في البداية، أشكالًا قاسية ساذجة. ولكنّها،  بعد ذلك، تقود الإنسان إلى عالم يستحيل وصفه إذ لا ينطبق عليه أيّ تصوّر إنسانيّ. الطّاعة هي سرّ يعلن فقط بالرّوح القدس. هي سرّ وفي الوقت نفسه حياة في الكنيسة. لأوّل وهلة، التّنازل عن الإرادة الحرّة وعن التّفكير يمكن أن يبدو مناقضًا لمخطّط الله بالنّسبة للإنسان. إذ قد منحه حرّيّة على شبه حرّيّته وبموجب هذه الحرّيّة يدعوه لكي يملك معه إلى الأبد. عندما يضع النّاس إرادتهم الحرّة وإمكانيّاتهم على التّفكير في تصرّف شخص آخر، حتّى وإن كان كاهنًا، يسبّب الأمر هذا لكثير من النّاس بأنّ الأرض تهتزّ وتنزلق تحت أقدامهم.

    تبدو الخطوة هذه بالنّسبة لهم وكأنّهم يرمون بأنفسهم في هاوية سوداء فاقدين شخصيّتهم ومستسلمين لأبشع أنواع العبوديّة. فتكون هكذا بمثابة القضاء الكامل على النّفس. ولكن، بالنّسبة لهؤلاء الّذين اتّبعوا بالإيمان تعليم الكنيسة وكرّسوا أنفسهم بروح هذا التّعليم، تظهر الطّاعة كهبة كبيرة من العلاء لا يُعبّر عنها. الإنسان المطيع يمكن أن يُشبّه بالنّسر الّذي يحلّق في السّماوات بأجنحة قويّة ومن هناك يراقب  بهدوء الفضاء الّذي يفصله عن الأرض، متنعّمًا بأمانته وبسيادته على المرتفعات العالية الّتي تخيف الكثيرين حتّى الموت ويستحيل إدراكها. يُخضِع المبتدئ بعزمٍ إرادته وتوجيهَه لنفسه لأبيه الرّوحيّ وذلك بثقة، بمحبّة وبفرح، هكذا مريحًا نفسه من عبء الاهتمامات الأرضيّة الثّقيل ومدرِكًا ما يستحيل تحديد قيمته أعني: "نقاوة الفكر في الله".

    الرّهبنة،  قبل كلّ شيء، تعني نقاوة الفكر الّتي يستحيل إدراكها بدون الطّاعة. لذلك لا يمكن أن تكون رهبنة بدون طاعة. والإنسان الّذي تنقصه الطّاعة ليس راهبًا بالمعنى الصّحيح. يمكن أن يتقبّل هبات كبيرة من الله. - حتّى كمال الاستشهاد - خارج الإطار الرّهبانيّ. ولكن نقاوة الفكر هي هبة خاصّة بالرّهبنة، تجهلها السّبل الأخرى. والرّاهب لا يمكن أن يدركها إلّا عن طريق الطّاعة. لذلك أعتبرُ الطّاعة جوهر الرّهبنة. إنّها تتضمّن النّذور الأخرى بالتّحصيل والتّواصل الطّبيعيّ. إنّ القدّيس يوحنّا السّلّميّ، مثلًا، يتكلّم هكذا: "إنّ أمّ الطّهارة هي الهدوء الدّاخليّ والطّاعة. إنّ التّحرّر من الأهواء الّذي يُكتسب عن طريق الهدوء الدّاخليّ لا يصمد أمام الاتّصال الدّائم بالعالم. لكن عندما يتولّد التّحرّر هذا عن طريق الطّاعة يبقى ثابتًا في كلّ الأحوال". وعن الفقر الطّوعيّ يقول: "مَن الّذي يتخلّى عن نفسه ويفكّر بعد في التّملّك؟..." إذًا:

    الطّاعة، "عن طريق الابتعاد عن العالم والتّخلّي عن الإرادة الذّاتيّة"، هي بمثابة جناحين من ذهب يرفعان الإنسان بخفّة إلى سماء التّحرّر من الهوى.

 

المرجع:

"الرّهبنة الأرثوذكسيّة". الأرشمندريت صفرونيوس. 1991.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share