<
نحن مشدودون إلى الرّب، متعطّشون إلى أن نتّحد به أبديًّا. وهو بنفسه ينتظرنا بحبّ. إنّ العطش إلى الله يشبع كياننا الأرضيّ، فنصبو إلى أن نموت هكذا.(الأب صوفروني سخاروف). لا تقم بعملٍ بواسطة عقلك، بل بواسطة قلبك. ولا تقم بعمل دون أن تضع بتواضع ثقتك بالله.(القدّيس بايسيوس الآثوسي). إنّ لاهوت الإسم القدّوس ولاهوت الإيقونة لهما مسحة مشتركة. فتأمُّل إِيقونة المسيح يصلنا به بالرّوح.(الأب صوفروني سخاروف). إنّ المراكز والمسؤوليّات تشكّل عائقًا كبيرًا أمام مسيرة الإنسان المؤمن إلى الفردوس إن لم يكن حذرًا. (القدّيس بايسيوس الآثوسي).إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوّة الرّوح القدس، مثل حاجة شابٍّ تائقٍ إلى الحياة، وواجد نفسه يتحطّم بمرض ما.(الأب صوفروني سخاروف).
أهمّيّة جبل آثوس الرّوحيّة

       لقد انفتح العالم الروحي، كما انفتح العالم المادي بعض على بعض. في القرون السابقة كنّا نتحدّث كثيراً في مجتمعنا الكنسي عن بريّة مصر ووادي النطرون، أيام بدايات الرهبنة الأرثوذكسيّة منذ زمان القدّيس أنطونيوس الكبير في القرن الرابع الميلادي والقدّيس باخوميوس وصيصوي وغيرهم وبعدما كتب الأدب النسكي جهادات صحراء فلسطين ورهبان دير القدّيس سابا وبريّة الأردن وتوبة القدّيسة مريم المصريّة، ومنذ القرن الحادي عشر حين تفجّرت أصقاع وغابات روسيّا عن جهادات قدّيسين مثل أنطونيوس وثيودوسيوس أهل كهوف كييف، وسيرافيم ساروفسكي وسيرجيوس رادونيج وباييسيي وفيليتشكوفسكي. واليوم نذكر خصوصاً جبل آثوس، جبل العذراء القدّيسة حيث تبقى هي المرأة – السيّدة – الوحيدة التي دخلت الجبل ولا تدخله قدم امرأة أخرى من بعدها، في بلاد اليونان.

       لن أدخل في تاريخ أو موقع الجبل، هذه معلومات يأخذها كل إنسان عن شبكة الإنترنت، الأهم هو ان نعرف موقع هذا الجبل المقدّس وعبر ما يزيد عن الألف سنة، في حياة الكنيسة وفي ضمير المؤمنين التائقين والساعين إلى حياة القداسة.

       كلّنا بحاجة إلى مثال، فالطفل إذ يفتح عينيه يرى وجه أمّه وقامة أبيه فيبدأ يتعلّم منهما المشي والكلام والتصرّف، فيصيران مثاله الأعلى. والإبن الروحي ينظر إلى كاهنه كمثال أعلى له. واليوم إذ فقدنا المجتمع الذي يتحلّق حول الكنيسة، ترانا بحاجة إلى محجّات صلاتية روحيّة، فصارت الأديار قبلتنا والرهبان والراهبات مثالنا.

       تاريخ وواقع جبل آثوس، هو تاريخ جهاد الإنسان من يوم أصعد الرب إبراهيم إلى أعلى الجبل آخذاً ابنه إسحق ليقدّمه قرباناً وذبيحة لإلهه. وبعد تجسّد الرب يسوع واقتباله الصلب لخلاص العالم، صار بعض المؤمنين به ينذرون أنفسهم لسلوك الدرب نفسه، درب المحرقة والتقدمة الذبيحة عن أنفسهم وجهالات الشعب. يمدّون المسيح إلى العالم في أجسادهم وأعراقهم وأتعابهم وأصوامهم وصلواتهم ودموعهم، لاستئصال أهوائهم وتنقية قلوبهم حتى تصير مسكناً للرب القدّوس.   

       بعد السقوط، صار الكون بحاجة إلى فداء وبعد فدية السيّد صار هذا عمل كل من يكرّس نفسه لخدمة الرب وخصوصاً الرهبان.

       "وجهك يا الله أنا ألتمس" (مز 27: 8) بعيداً عن ضجيج العالم، يصعد الراهب إلى ديره حاملاًَ معه خطيئته وخطيئة العالم ليغسلها بدم الحمل على جبل ثابور قلبه، بالدموع والأصوام والصلوات والسجدات وإماتات الأهواء حتى ينقّي ما في الصحفة والقلب ليستقبل النور ويصير هو نوراً من نور الرب...

       جبل آثوس، جبل الشهادة والنور والصلاة. إنه سلالة وادي النطرون وصحراء نيتريا. إليه يحجّ كلّ من تشتاق نفسه إلى ديار الرب، إلى الخلوة مع حبيبه، في الخدر المزيّن بنباتات جهاداته وأعراقه ونِعَم وتعزيات إلهه... هناك عمل الفداء يستمر يومياً، إنه المثال والمحجّة الروحيّة، إنه أرض القداسة حيث نصلّي ان يصعد إليها الأبكار ليتعلّموا كلمات الصلاة والحب والبذل والفداء. هناك يتواصل الليل بالنهار، فليل الرهبان يلتمع بنور الشموس المضاءة في تمتمات إسم يسوع وفي تراتيل وخدم أبقت على تراث الكنيسة الأرثوذكسيّة حتى يومنا هذا، هناك تطبّق الوصيّة الإنجيليّة في الحب والموت والقيامة، هناك ينزل الراهب إلى جحيم سقوطه ليرفعه الرب إلى قيامته والعالم حوله... كل دير أرثوذكسي هو جبل آثوس وجبل آثوس هو في معظم الأديار حيث تستقر الذخائر المقدّسة من الأحياء والراقدين والحياة التي لا نهاية لها، حياة التماس وحضور الرب يسوع.

       إذا نظرت الجبل من بعيد أو درت حوله في باخرة، وهذا وحده المسموح به للنساء أو للغرباء – والدخول إلى الجبل يكون في بعض الأحيان سهلاً وفي الأوقات الأخرى صعباً – ترى مئات الأديار والمناسك مغطّاة بالغمام وبالأشجار وبالصخور والمزالق الوعرة وبالثلوج في الشتاء ويكلّل قمّته كنيسة التجلي. هذه الجبال هي للنسور وللذين يعرفون الصبر والقسوة على هذا الجسد الضعيف والنفس الرّخوة التائقة إلى الرّاحة والتلذّذ بأنماط المعيشة السهلة. طرقات الجبل التي توصل الأديار أو المناسك بعضها ببعض، ترابية مشقوقة بالأرجل والمعاول والرفوش... وما زالت إذ يغطّيها الثلج في الشتاء تضيع، إلا تحت أقدام العارفين الطريق، فلا يضلّون. وعندما تصل إلى منسك أو إلى دير يلقاك وجه معروق بالدموع والغربة عن مقاييسك واهتماماتك الدنيويّة، ربّما يبتسم لك أو يقدّم لك كأس ماء بارد أتى به من خارج حائط الغرفة، من بئر أو "حنفيّة"، من الحديقة القريبة مع قطعة حلوى. وإذ تدخل ترى حولك الضروري الضروري من الأثاث الخشبي المشغول مع القش. وكل أو غالبية الأديار مبنيّة من الخشب، حيطانها العالية أو القليلة العلو مكتوب عليها آثار حريق ابتعلت نيرانه جزءاً منها أو أبقت على القليل فأعادت بنيانها الأيدي الخشنة المشقّقة بالعمل في زراعة الحبوب البسيطة أو الخضار حول الدير، أو حفر علب خشبية للبخور، أو صنع صلبان للبركة أو مسابح لصلاة يسوع يشتريها الزوّار فتكون هذه مساعدة للرهبان في عيشهم.

       الضيافة في جبل آثوس هي ان تصل إلى المكان وتدخل في صمتك الداخلي العميق حتى تلقى جحيم نفسك مكشوفاً أمامك، فإما تردمه بالزيارة السريعة أو تبقى مكانك كاشفاً عري خطيئتك أمام شيخ القلاّية وبالصلاة التي تبدأ في نصف الليل وتستمر حتى ظهر اليوم الثاني في بعض الأحيان. وبالرجوع إلى شظف وبساطة العيش فتعرف انك لست بحاجة إلى حضارة هذا القرن، الذي همّه ان يلهيك عن الحقيقة. حقيقة الإله وابتعادك عنه فتعود إلى بساطة الخليقة الأولى.

       جبل آثوس دينونة للذين لا يريدون سلوك الطريق للوصول إلى الحق والحياة. ربّما تلقى أحد الرهبان المتهاونين، لكنك في الغالبية تجد جلاميد صخر يسعون إلى الجلجلة الإلهيّة، جالسين غالبية أيامهم ولياليهم في حديقة الجثسمانية مع السيّد.

       كل نهار وليل الرهبان هناك سعي لصلب هيرودس الخطيئة، في الجسد والنفس التي على صورة خالقه ومسيحه. فالراهب هناك يبقى مصلوباً حتى لو نزل إليك في استقبال أو إرشاد أو إعتراف، أو مشى معك دالاًّ إياك إلى كيفية العيش مع الرب بالحقيقة الكليّة. هناك تقرأ جملة واحدة محفورة على وجه وأخاديد الدموع فوق المحيا، هناك نطق وحيد لا يسمع، لكنه يرى في إحديداب ظهر وطرقة عصا على وعورة الطريق، هناك قولة تسمع صداها في نفسك إذا رقّت وسلكت في عمق عيش الحياة الرهبانية:"من يخلّصني من جسد الموت هذا؟ (رو 7: 24).

       هذه هي معركة الراهب الأساسية. وعيه سقطته في عمق أعماق روحه ونفسه وجسده وكيانه. هناك يصرخ عقله به أن يهرب من جحيم النيران المستعرة بوجهه لالتهامه. وهناك انتظار وصبر وصمت وثبات روح والتماعة رجاء: الرب قام.

       ليس جبل آثوس خبراً عن مدينة فاضلة، أو مزار سياحي مسيحي رهباني، يسعى الإنسان الذي يحب المعرفة أن يذهب ليكتشفه ويحدّث عنه وعن انطباعاته حوله، من منطلقه هو ونظرته الخاصة. أنت لا تذهب إلى جبل آثوس لترى شيئاً بإمكانك ان تحدّث عنه. فإما أن تذهب لتلقى ما تبحث عنه روحك وتوقك إلى الكمال الإلهي في الرهبنة والصلاة وفي الاختلاء العميق مع ذاتك، أو تبقى سائحاً تعود لتضع فوق رفوف مكتبك صوراً ومناظر وعلب بخّور ومسابح وكتباً وما تكون قد لممته من زياراتك للقلالي أو المناسك أو الأديار. فجبل آثوس أو بستان العذراء هذا، هو دخولك العليّة، حيث يجتمع التلاميذ حول المعلّم للعشاء وكسر الخبز قبل الإطلاق الكلّي للحياة على الصليب، وجبل آثوس هو اقتبالك الدفن لثلاثة أيّام ونزولك إلى الجحيم، ورجاء كل نفس ملتاعة على سقوط الكون والإنسانيّة والمتشوّفة إلى نور القيامة.

       جبل آثوس اليوم هو بمثابة ثابور كل نفس ارتهنت بكلّيتها للرب خالقها. هو انفجار العشق في النفس للإله... هو الغيرة الناريّة التي تأكل الروح، فلا تعود ترى علّة لوجودها إلا بالعيش ليل نهار مع خالقها... انه سلالة الحب الإلهي المفروز في أرض الأحياء منـذ أول البشريّـة. إنه الأنـا المصلوبة طوعاً على المخلّص الرب يسوع المسيح لتقول له:"يا أنا أنت"... "تعال تعال يا ربّي ولا تبطئ".


الأم مريم (زكا)
رئيسة دير يوحنا المعمدان


:المرجع

طرابلسي، عدنان (محرّر)، (2005) سألتَني فأجبتُك. كسروان: مجموعة من المؤلفين.

Share