بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الرّابع والعشرون
بعد العنصرة.

  الفرح بـ"الغنى"- موت أبديّ  ...

http://holytrinityfamily.org/gallery/taamoulat/bible_Mini_NS_13.jpg    

 

  وتمرّ الأيّام يا سيّد... عابرةً حياتنا، أُويقاتِنا...

      هي تمرُّ، ونحن نبقى رافعين القلب والصّلاة والطّلبة إليك: أنْ، "احفظ يا ربّي شعبك وبارك ميراثك"...

في قلبنا وجع عليك، نمتدُّ به إِليك.!!. لِمْ يا ربّي.؟!. يدفعنا الشّرّير في زحمة ركوبنا قطار حياتِنا إليكْ، ليبعدنا عنك.؟!. أهل نسعى نحن لنأخذ مكانه.؟!... أم هو يبغي تنصيبَ نفسِهِ مكانَكَ أنتَ، حتّى لا نعود نرى وَجْهَكَ، ربّي، في زجاج شبابيك التهام القطارِ الأمداءَ والمسافات لنصل إلى بيتكَ.؟!... إليك.!!...

      أين تسكن يا ربّ.؟!... وأتى الجواب:"ليس لابن الإنسان مكان يلقي عليه رأسه"..!!..

سمعناه سماعًا.!!. ارتجّت أرواحنا... "يا بنيّ أعطني قلبك".!!... هكذا يتنزَّل سماعُ الفكرِ إلى القلبِ... فتتشبّث به خلايانا، لنمتدّ بسكون الصّمتِ إليكْ... غامت أحاسيس وجْدِنا الصّارخة اسمك إليك، فتمتمت شفاه الصّمت:

       سيّدي... أَأَنتَ هنا.؟!...في شغاف القلب.؟!...

      اليوم يتأكّد كلّ من يقرأ بشارة القدّيس لوقا حول "الغنيّ" الّذي كان يتماشى مع الأرض ليُخصِبَها، أنّ السيّد الرّب كافأه، بعد أن تَعِبَ في تنقية وتسميد أرضه، إذ أغدق عليه الخصب من عنده... فَبَدَلَ أن يتهَلّل ويفرح بالإخصاب الإلهيّ استشرتْ روح الطّمع فيه وأراد، لا أن يبدِّدَ ويوزّع كلّ ما أغدق الرّب به عليه، على من حوله، ليأكلوا، بل أَن يحتاط بغناه الجديد ليَمْلِكَ ويتمَلَّكَ ويعتلي، بالعطيّةِ الإلهيّةِ تلك، إلى مستوى الحياة الغنيّة بغناه هو الخاصّ به، لأَنّه كان ظانًّا، بل موقِنًا، أنّه سيحيا بماله ذاك إلى الأبد، بدون وجع ولا ألمْ  ولا مَرَضْ..!!... و بلا مـــوت يقاربه.!!.

      ويهرع السّؤال... لماذا أغناه الرّب الإله، ولم يترك له "الحرّية" في إبقائه على المال ووضعه في أهرائه... ليبدأ هو الإله بتعليمه يومًا بعد يوم، كيف يعطي مَنْ حوله، والفقراء، وكلّ بل أيَّ محتاج يقصده.؟!...

      لماذا نَفَضَ الرّبُّ يدَهُ من خلاص ذاك الغنيّ، ومن توبته، حتّى، "طلب منه روحه في تلك اللّيلة".؟!... هل قَنِطَ الرّبُ من تغيير قلب الغنيّ.؟!. لماذا والرّب هو هو من الأزل وإلى الأبد، ييئَس من "ابنه" هذا الغنيّ.؟!...

      والقول يقول:"من ثمارهم تعرفونهم"... أكانت ثمار ذاك الغنيّ :البُخْلَ".؟!... أو الارتداد دومًا عن العطاء، حين كان يطلب الإله منه المال لإخوته الفقراء.؟!... أو لشعبه المعوز.؟!...

      "الرّب رحيم ورؤوف، طويل الأناة وكثير الرّحمة... ليس إلى الانقضاء يسخط ولا إلى الدّهر يحقد"...(مز103: 8). فلماذا سخط الرّب على الغنيّ وأقصاه.؟!... وهو تبنّى سقوطنا ولم يحاسبنا، بل رفع نفسه على الصّليب طوعًا ليُخلّصنا... كلّ واحد منّا.!!. مهما كان مُدَّعيًا أو دنيئًا أو بارًّا أو منكود الحظّ.؟!...

      "أين شوكتك يا موت.؟!... أين غلبتك يا جحيم.؟!...

      المسيح قام.!!!...

      أين... بل كيف القيامة في هذا الإنجيل والرّب سخط على الغنيّ سُخْطًا شديدًا... ورماه إلى جحيم الموت تأديبًا له.؟!... إذ أعطاه الغنى، وذاك احتفظ به لنفسه.!!.

      ألم يولِدِ الرّبُّ الإله الإنسان حرًّا على صورته هو.؟!...

      لماذا أغلقَ البابَ إذًا على الغنيّ.؟!... ألم يُغْني هو الغنيّ... وذاك الإنسان.؟!... والرّب قال: "صعب على الغنيّ أن يدخل ملكوت السّموات، كالجمل من ثقب الإبرة" (مر10: 25).

      أم لأنّ الغنيّ أغنى نفسه بمالِهِ، ناسيًا أنّ ما له هو من الخالق ليعود إليه كما يريد هو أن يصنع به.؟!...

أليس هذا حدًّا من الحرّيّة المعطاة للإنسان.؟!!. مِن الإله.؟!...

      هكذا وهكذا فقط يضع الرّب السيّد، الإنسان، أيّ إنسان، في محلّه.!!!...

      ليس من غنيّ أو عظيم أو فقير أو متعلّم أو متسلّط أو رئيس أو... الخ... وصرخ الإله:

تأدّب واسمع يا إسرائيل: أنا هو الرّب إلهك "صانع السّماء والأرض"(مز121: 2)...

      اليوم يقف الرّبُّ الإله مكانه في أعلى السّموات آتيًا بـ"ابنه" الغنيّ إلى حضرته ليحاكمه.!!...

      حضرة الرّب يسوع ومحاكماته للإنسان، بدأت من يوم "طرد" الرّبّ الإله ملاكه الأوّل من فردوس ملكه، إذ استعلى عليه.!!!...

وها اليوم تتبدّأ تلك المحاكمة للغنيّ.!!. ككلّ سنة، أو يوم، حين نقرأ هذا المقطع من إنجيل الرّسول لوقا... ونسائل الرّب... ماذا بعد.؟!...

 

      الحياةُ لَكَ يا إلهي... يا إلهي... لماذا تركتني.؟!... لا تصرف وجهك عنّي.!!.

فقير أنا منذ شبابي.!!. افتقرتُ إليكَ فأتيتني من حشا أُمّي...مشيتَ معي... وإذ حبوتُ في خطوي الأوّل بدأتُ أَبحثُ عنكَ.!!. أينكَ يا أيّها الإله.؟!. أَفي أَعلى السَّموات.؟!. أو أنت معنا على الأرض.؟!. تشاركنا أوجاعنا، أين أنتَ.؟!... في أزاهير الحقل.؟!... في زقزقات عصافير انبلاج الفجر.؟!... في الغيوم المنثورة على جلد السّماء.؟!... الّتي تغسلها وتنشرها والدة الإله.!!. في لملمة مياه البحر، أوساخَ الرّمال... في معرفتك والهرب من وجهك.!!...

دعني أرى وجهك يا إلهي... "وجهك يا ربّي أنا ألتمس"... وكلّ الّذين عرفوك...

في تعاليم الكتب، أو في فذلكات العلوم الّتي أعطيتَ للإنسان أن يخترعها.!...

أو في اكتشاف سرِّ الأسرارِ الّذي هو التقاؤكَ في وجوه الآخرين لنحبّهم، دون تأليههم... ونصرخ لكَ...  ربّنا ومخلّصنا: نحن نراك في وجوهِ إِخوتنا، في كنيستك، الّتي ما زالت تحفظ الأمانة حاملة الوديعة الّتي أُعطيناها من لَدُنْكَ...

      نحن نحيا بوَلَهِ ورِعْشَةِ  خوف الموت.!!... كلُّهم خافوا الموتَ قبلنا، والآن نحن نخافه تاليًا، لأنّنا كلّنا حملنا طبيعتنا الّتي اقتبلتَها بدون خطيئة، "اللّاحبّ والكبرياء" الّتي التزمها الشّرّير ليصوِّبَ سهامَهُ على كلّ مخلوق من حشا المرأة... حتّى لو كان قد تربّى في هياكلك وكنائسك وأديارك ومجتمعات الحياة البشاريّة الّتي أَعطَيتنا سرَّها...

      سرُّ إنجيل اليوم، في حكاية الغنيّ الّذي استغنى عن الرّب والأخ، أي عن الآخر... عن الفقير بدءًا والخاطىء والمرتدّ عن الإيمان، أن أتعلّمَ بدءًا الصّلاة الدّؤوب الآتيّة لكي أحمله فيها إلى وجه ربِّه بوداعةٍ وحنانٍ وبدون ادّعاء...

      نحن لا نسائل الآخر: أتريد أن تكون لربِّكَ.؟!. لأنّ الإِله أَجاب عن كلّ سؤل كبير أو صغير طرَحَهُ أيُّ إنسان في عيشه حياته مع إلهه على هذه الأرض!!.

      الرّب يسوع قال للمحروم من السّير، ذاك المخلّع على بركة حسدا...

      "أتريد أن تشفى"؟!...

      يا يسوع أنتَ كشفتَ تهاوُنَ ذاك الإنسان المخلّع... بل تعوّدَهُ على حياة الكسل لإفناء حركة جسده ذاك الشّقيّ... ذاك الجسد الّذي يعمل الشّرّير بمؤسّساته الكبيرة و الصّغيرة لكي يُجَمِّلَهُ... لكي يحييه... تاركًا نفسه... نَفَسَ أنفهِ وفمهِ وروحِهِ، لتنطلق من سجن جسدها وتفرح بعطيّة السّيد، ليدور ويبدّدها، حتّى يُغني الآخرين بها كما اغتنى هو من مالِ ربِّهِ وخيراته، فأَغْنَتْه...

      "يا غبيّ"... ألم تشهد مسيرة الحياة أينما كنتَ.؟!. أو ابن من أنتَ.؟!. أو من أيّ بطنٍ وُلِدْتَ...؟!...

      "هذا الجسد ضعيف أمّا الرّوح فنشيط وقويّ"...

هذا ما نطق به المعلّم، الرّب يسوع، ليرينا كلّنا أنّه هو الإله- خالق السّماء والأرض... الّذي تنزَّل في العري والفقرِ والضَّعْفِ، ليشاركَنا سقوطَنا ويرفَعنا من خطيئيّتنا إلى مجد ملكه الأبديّ...

                    في هذا الإنجيل "أراد" الرّب يسوع أن يُفني غنى الغنيّ، ليعطي الفقير، وكلّ من حوله، فيصيّره بعطائه أو بتبديده للمال والخيرات، مثله هو الّذي لا يُبقي إنسانًا ما، جائعًا أو عطشانًا أو يتيمًا أو لاجئًا إلّا ويخلّصه، غافرًا له حمأة أفعاله...

      اليوم يُضَيّعُ الغنيّ غناه الأبديّ أي حياته، لأنّه لم "يحبّ قريبه كنفسه"، فرماه "بخله"، بل "جشعه" إلى هاوية الجحيم... ورماه، بل رمى نفسه إلى هاوية نَفْسِهِ وحبِّه لذاته، ولضعفه وكبريائه...
"هكذا كلّ من يدّخر لنفسه ولا يستغني بالله... ولمّا قال هذا نادى:" من له أذنان للسّمع فليسمع"...(لو12: 21).

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

19 تشرين الثاني 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share