إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
تأمّلات في الإنجيل
الأَحَدْ السادس بعد الفصح
المعروف بأَحَدْ الآباء القدّيسين.
الإله الآب والإِبن الإِله الإِنسان...

        في ذلك الزمان وقف يسوع وحده ورفع عينيه إلى السماء وقال: "يا أبتِ قد أتت الساعة"(يو١٧: ١)!!...

        كلمةُ اللهِ، الّذي به كانتِ السَّمواتُ والأَرضُ، مرتبطٌ بالمصدرِ، مصدرِ الحياةِ الأَوّلِ، الآبِ، الّذي ابنُ اللهِ منهُ ومَعَهُ منذ الابتداءِ، وارتضى أَن يُضيفَ خاصّيّةَ الإنسانيّةِ إلى ابنِه، فأرسلَهُ ليحييَ به الكونَ، الّذي هو أَبدعَه، معطيًا به وله ذاتَه، حتّى تترجَم الحياةُ الثّالوثيَّةُ على الأرضِ، وترتبطُ بالسَّموياتِ، بلا زيغٍ ولا عيبٍ ولا انقسامٍ ولا انفصامٍ...

        وقفَ يسوعُ وِقفةَ احتكامِ الموعِدِ الّذي به يختمُ وجودَه على الأرضِ، ليرتفعَ متمِّمًا مشيئَةَ الآبِ في الخلقِ، فيحملَ الخليقةَ بكلّيّتِها ليعيدَها إلى مصدرِها الأوّلِ الّذي كانت فيه وعنده بعد أن أنزلَ الآبُ الابنَ مرسَلاً وحيدًا ليقدِّسَ الكونَ والأرضَ بتجسُّدِه ابنًا للإنسانِ، جاعلَها عِلَّةً كيانيّةً للوجودِ الّذي تبرعمَ بولادةِ يسوعَ المسيحِ، ليقدِّسَ التّربةَ والهواءَ والماءَ، عناصِرَ الحياةِ، فيُجدِّدَها بعد تلوُّثِها بحلولِ الرّوحِ الغريبِ فيها، بالسّقوطِ!!!...

       كلُّ قصدِ وفعلِ اللهِ الآبِ، مُبدِءِ الحياةِ، نجَّسَهُ آدمُ وحوّاءُ فيهما ليحطِّما فعلَ الإِبداعِ الإلهيِّ للكونِ...

        هكذا صارَ على الإلهِ الآبِ أن يتحرَّكَ ليستعيدَ حرّيّة النّقاوةِ والجمالِ الأوّلِ الّذي خلقَه، وهو اللهُ... وهكذا كان على الإلهِ الآبِ أن يُبدِعَ، تاليًا، "الشَّهيد َالأَوَّلَ"!!...

       بداءةً، الحياةُ الجديدةُ التي أسقطَها، ليسحقَها، عدوُّ الإلهِ - الشّيطانُ... أو كما يحلو لبعضِ العلماءِ أن يسمّوه، روحُ الشرِّّ المضادِّ لروحِ الخيرِ والبركةِ والجمالِ، الّذي أبدعَ الإلهُ الإنسانَ به، ليُسكنَهُ فيه، بعد أن لوَّثَ روحُ الشّرِّ خيريّةَ روحِ الخيرِ، الّذي أوجَدَ به الآبُ حياةَ الكونِ، وكذا الإنسانَ، منتظِرًا أن يتفرّعَ من السّقوطِ...

        وكان التّجسُّدُ!!!... وكان يسوعُ الابنُ الوحيدُ للأَبِ الآبِ، بالرّوحِ القدسِ، من حشا البتولِ، المعلِّقُ كلَّ ولادةٍ بعده بأنواطِ النّورِ وإبداعِ الجمالِ الأوَّلِ بالرّوحِ الّذي أَرسلَه الابنُ بالملاكِ جبرائيلَ، ليَسْكُنَ حشًا وحيدًا، لحياةٍ وخلقٍ جديدَين، في كونٍ كان موجودًا بإصبعِ الآبِ ومشيئتِه، هديّةً ليسكن فيه آدمُ الجديدُ الّذي وُلِدَ من حشا ووجهِ وبراءةِ جمالِ أمِّ الكونِ البتولِ - مريمَ...

       اليومَ تتبدّأُ ساعةُ تبادلِ المجدِ بين الآبِ والابنِ، حتّى يعودَ ابنُ الإنسانِ إلى المجدِ الّذي منَ الآبِ، والّذي حملَهُ الابنُ في تجسُّدِهِ...

                   اليومَ حَلَّتِ الساعةُ!!... ساعةُ الصّعودِ لقيامةِ العمرِ الكونيِّ الجديدِ للإنسانِ الجديدِ، المتجدِّدِ بمشاركتِه في العشاءِ السّرِّيِ للثّالوثِ على الأرض، ليبدأَ رباطُ العهدِ الجديدِ الّذي تنزّلَ من لدن الآبِ والابنِ والرّوحِ القدسِ، ليستعيدَ كلُّ بشريٍّ لَهَثَ الرّوحِ القدسِ لبنيانِ جسدِه الجديدِ المتجّدِدِ، لا لمواتيِّةِ الحياةِ البشريّةِ، بل لانطلاقِ الإنسانِ الجديدِ بيسوعَ إلى الآبِ بصعودِه في الابنِ ليجلِسَ عن يمينِ الآبِ...

        اليومَ يصيرُ " مَجدُ الآبِ لابنِ الإنسانِ"، في صعودِه، لحملِ الإنسانيّةِ برمّتِها واستقرارِها عن يمينِ أَبيه، إِن آمنتْ به إلهًا وإنسانًا معًا...

        اليوم تبدأُ، أمامَ عيونِنا، المخاطبةُ الإلهيّةُ بين الإلهِ الآبِ والإلهِ الابن، لنشهَدَ شفافيَّةَ ورِقّةَ وعُمْقَ روحانيّةِ وأصالةِ وسرّيّةِ العلاقةِ الّتي بين الآبِ الوالدِ والابنِ المولودِ من الآبِ...

        اليوم هو يومُ الوعدِ والموعدِ ما بين الإلهِ والإلهِ... بين الآبِ والابنِ.... بين الذّاتِ الإلهيّةِ والذّاتِ الإلهيّة الإنسانيّة...

        "قد أتتِ السّاعةُ ... ليمجِّدَكَ ابنُكَ أيضًا"...

        والابنُ الإلهُ، نطَقَ للآبِ الإلهِ، صراحةً، أنّه هو الإلهُ الحقيقيُّ والّذي أرسلتَهُ يسوعَ المسيحَ... وأَكملَ الرّوحُ القدسُ بنطقِ المعرفةِ السرِّّيةِ الّتي بين الآبِ والابنِ فقالَ يسوعُ: "أنا قد مجَّدتُكَ على الأرضِ... قد أتممتُ العملَ الّذي أعطَيتَني لأعمَلَهُ... والآنَ، مَجِّدْني أَنتَ، يا أَبَتِ، عندكَ بالمجدِ الّذي كان لي عندكَ من قبلِ كونِ العالمِ"(يو٤:١٧-٥) ...

      هذا هو سرُّ حياتِنا في ولادتِنا... أن نتَمِّمَ العملَ الّذي أعطانا الإِلهُ الآبُ أن نُتَمِّمَه على الأَرضِ...

        الإِنسانُ المؤمنُ، على الأغلبِ، ما زال لا يعرف أَنّه مدعوٌّ لأن يُتَمِّمَ ما هو معطى له أن يعملَه من قِبَلِ اللهِ...

        لم تتفتَّحْ بعد في كيانِ الإنسانِ، المدعوِّ من اللهِ، أَن يعرفَ الإلهَ ويستجيبَ له في كلِّ ما يطلبُه منه وكلِّ ما يدعوه لأَن يعملَه في حياتِه على الأرضِ!!. لذا، جماعةُ المؤمنين ما زالت عرضةً، في عمقِ أعماقِ روحِها، للسّقوطِ في الشَّكليّةِ، مغفِلةً الرّوحَ...

        "الرّوحُ قويٌّ أمّا الجسدُ فضعيفٌ". الجسدُ يَشُدُّ الإنسانَ إلى إِغلاقِ نَفَسِ الأُلوهةِ المعطى له من لدن الآبِ والابنِ بالرّوحِ القدسِ، ليلقيَ بذاتِهِ في أَدناسِ وأَهواء جسدِه وكيانيَّتِه المتقلِّبةِ إلى ما لا نهايةٍ...

        ما بدءُ تدنّي الإِنسانِ إلى أسافلِ دركاتِ الأرضِ؟!...

        عدمُ طاعتِه للوصايا الإِلهيّةِ وإِتمامِها واحدةً فواحدةً، لتَتصوّر حياةُ الإِله في محيّا كلِّ وجهٍ حيّ... ذلك الوجهُ المولودُ من بطنِ الأَرضِ عَفِنًا؛ ليرفعَ ذُلَّ الخطيئةِ عنه، لا بالاستكبارِ ولكن بسَحْقِ أَنا السّقوطِ المُميتِ، والإعراضِ عن الكلِّ، إلاّ من الكلمةِ في الإِنجيلِ الإِلهيِّ، وفي سِرِّ التدبيرِ الّذي لم يعرفْه، بعدُ، الإنسانُ، لأَنّه ما عرف ذاتَه بعد... أنّها ذاتٌ ساقطةٌ... لا تحبُّ ولا تبذلُ نفسَها عن الفقيرِ والمحتاجِ والمعاقِ والضّعيفِ، بل تبقى في الكبرياءِ... في أناها... في إِنّيّتِها... في كلمتِها هي... في مشيئتِها المتسلِّطةِ الّتي يعتبرُها صاحبُها حقًّا له، ليكون هو"الإلهَ" !!!...

        ويبقى على الإنسانِ، الآنَ، أن يتعلَّمَ من كلِّ تجربةٍ يمُرُّ بها، ليعرفَ أنّه هو مَنْطِقُ الإِلهِ، وروحُ الإلهِ، وحياةُ الإِلهِ، على الأَرض...

        أَيَقبَلُ الإنسانُ كلَّ شيءٍ؟!... كلَّ ما يدفعُه إليه الإِلهُ الربُّ يسوعُ؟!...

        "أخلى ذاتَه آخذًا صورةَ عبدٍ صائرًا في شبهِ البشرِ"!!... الإنسانُ لم يقبلِ الإِخلاءَ... والاتّضاعَ الأَقصى، لأَنَّ عيشَ الحياةِ الكلّيّةِ الملءِ صعبةُ المنالِ!!...

         عيشُ الأُلوهة هو عيشُ نَفَسِ كلِّ كلمةٍ نَطَقَ بها الرّبُّ يسوعُ المسيحُ على الأَرضِ!!...

       عيشُ الأُلوهة هو تاليًا الابتعادُ عن كلِّ سلطةٍ وسلطويّةٍ يمارسُها الإنسانُ، ليكسبَ مركزًا أو مالاً أَو رفعةً لدى رؤساء هذا الدّهرِ!!...

        قال الرّبُّ يسوعُ: لا تخافوا... أَنا قد غلبتُ العالمَ... والغلبةُ الإلهيّةُ كانت بأَن يقبلَ خالقُ وسيِّدُ الكونِ أن يَموتَ معلَّقًا على صليبِ الخطيئةِ... خطيئةِ الإنسانِ الّذي، هو، أفرغَ ذاتَهُ لأَجلِهِ حتّى يخلِّصَه ويعيدَه إلى جمالِهِ وبراءتِهِ وقيمتِهِ الإلهيَّةِ الأُولى!!.

        لكنْ، تبقى حرّيّةُ الاختيارِ والسّلوكِ لكلِّ إِنسانٍ. تبقى "التّوبةُ" الحقُّ عنوانَ الحياةِ المتجدِّدةِ". إنّ الّذين أعطيتَهم لي قد حفظتُهُم ولم يهلَكْ منهم أحدٌ إلاّ ابنُ الهلاكِ ليتمَّ الكتابُ"(يو ١٧: ١٢) ...

هذا هو السرُّالّذي كان وسيكون ويبقى إلى الأبد... وحتّى مجيء الرّب الثاني..
أمــــيــن


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

28 أيار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share