فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الأوّل
المعروف بأحد توما الرّسول.
الإصبَعُ المَدْخَل...

إلى أخي الأب توما

في عيد كهانته الأربعين...


   اليومَ يأتي الفصحُ البشريّةَ بأحد توما الرّسول...

   اليومَ يتمُّ الفصحُ الإلهيُّ الإنسانيُّ، بدخولِ توما جنبَ السّيّدِ كمن يدخلُ الّذي هرّبَهُ خوفُ الشّرّيرُ من الحياةِ، فانطلقَ وسكنَ العليّةَ في منزلٍ لن يستطيعَ أيُّ روحٍ غريبٍ أن يصلَ إليه، ليعيدَهُ إلى سقوطِهِ...

   اليومَ عرفَ الإنسانُ أنّ الإلهَ أحبَّه، وأحبَّه بحبٍّ اختلطَ عليه، بدءًا، لأنّه لم يكن، بعد، قد تسربَّتْ إليه نعمةُ الرّوحِ القدس، فأولدَتْهُ الحياةُ الجديدةُ... حياةُ القيامةِ... حياةُ العبورِ من واقعِه المَرَضيِّ الهشّ، الّذي كان يخيفُهُ الخروجُ منه ليكسبَ وسعَ الملكوتِ الأبديِّ، لأنّه لم يكن قد تعرّفَ علاماتِ الطّريقِ الّتي عليه أن يتّبعَها ليمشيَ دربَ إلهِهِ إلى الجلجلةِ... الفصح.

   اليومَ تدركُ البشريّةُ أنّه ليس بإمكانِها أن تعرفَ حقيقةَ الإلهِ المتجسّدِ لخلاصِ من يتّبعُهُ، إلاّ من خلالِ "تساؤلِ" توما... أصحيحٌ رأيتم المعلّمَ القائمَ وأنا لم أكن معكم؟!...

   اليومَ وضعَ توما شرطًا على رفقتِهِ، تلاميذِ يسوعَ المسيح... وأنا أيضًا من تلاميذِ ربِّنا... أما عرضْتُ عليكم أن نذهبَ معه، وراءَهُ لكي نموتَ معه؟!... والآن أصرُّ على أُعاينَ جراحَهُ أيضًا!!...

   هكذا صار موتُ السّقوطِ... موتُ الإنسانِ العتيقِ؛ إذ حين أوضعَهُ يسوعُ إصبعَهُ في جنبِ جرحِهِ، صرخَ توما القائمُ من القبرِ الّذي أودعَهُ فيه، وكلَّ الإنسانيّةِ، الشرّيرُ المسيطرُ على أقدارِ البشريّةِ، والّذي خرجَ بالجرحِ من موتِهِ العتيقِ، إلى الموتِ الجديدِ المتجدِّدِ في جرحِ الإنسانيّةِ الّتي ظنّ الشّرّيرُ أنّه إذ تكلّمَ في المحفلِ بصوتِ الجماهيرِ: اصلبوه... اصلبوه،  سينجح... ولم يعرفْ أنّه بموتِ المعلّمِ سيموتُ، تاليًا، فيه ومعه، وسيحيا المعلّمُ وينتقلُ بالإنسانيّةِ من الموتِ المُفني إلى الحياةِ الأبديّةِ بالاتّحادِ الجسديِّ الرّوحيِّ بيسوعَ...

   وكان هذا جوابًا على ما قالَهُ يسوعُ مخاطبًا "عالمَ اليومِ": "لا تؤذوا أنبيائي ولا تمسّوا مسحائي"!!... هكذا بدأَ التّبنّي الإلهيُّ للإنسانيّةِ إذ أدخلَها توما معه بدخولِهِ جنبَ يسوعَ... بالتحامِهِ الكيانيِّ بالجسدِ الإلهيِّ ليحيا فيه... ليصبحُ واحدًا مع الإله...

   وشدّدَ مخاطبتَهُ لفكرِ وقلبِ وروحِ الإنسانيّةِ... "أنتم آلهة وأبناءَ العليِّ تدعوَن"...

   اليومَ، "في عشيّةِ ذلك اليوم، وهو أوّلُ الأسبوعِ والأبوابُ مغلقةٌ حيث كان التّلاميذُ مجتمعين خوفًا من اليهودِ، جاءَ يسوعُ ووقفَ في الوسطِ وقالَ لهم: السّلامُ لكم"... وكان هذا سلامَ قيامتِهِ من بين الأمواتِ... ليدركَ كلُّ من يمشي وراءَ المخلّصِ إنّه إذ صارَ واحدًا معه، فإنّه سيحيا فيه ومعه في البشارةِ وعلى الصّليبِ ثمّ بالقيامةِ!!...

   كان هذا سلامَ الآبِ للابنِ والعالمِ... على كلِّ شيءٍ أن يكونَ مرتّبًا... بعدَ موتِ السّقوطِ؛ لذا وافى يسوعُ تلاميذَهُ وأهداهم سلامَهُ ليتقووا به... فيحيوا منتظرين بفرحٍ موتَهم القياميَّ ليلتقوا بالرّبِّ إلههِهم وسيّدِهم...

   سلامي لكم... سلامي أُعطيكم... ليس كما يعطي هذا العالمُ... لذا تجسّدَ الرّبُّ وعاشَ حاملاً ذاتَه ليقدِّمَها لذريّتِهِ...

   كيف؟!... "أراهم يدَيه وجنبَهُ... ففرحَ التّلاميذُ حين أبصروا الرّبَّ"... التّلامذةُ آمنوا بالمعاينة، أمّا توما الّذي كان بعيدًا، فعرفَ أنّ البشريّةَ كلَّها تحتاجُ إلى الدّخولِ في كيانِ المعلّمِ لتَتّحدَ به، فتعودَ إلى كيانِها الأوّلِ، إلى ولادتِها من حشا مريمَ البتولِ مع ربِّها حين يناديها الآبُ بلسان الملاكِ جبرائيلَ: إنّها ستلدُ عمّانوئيلَ... أي الله معنا...

   وزعقَتْ الجماهيرُ... صرخَ شعبُ اليهوديّةِ وكلُّ أورشليمَ... "ليس لنا ملكٌ إلاّ قيصر"!!...

   "يا شعبي... يا شعبي... ماذا فعلتُ لكم؟!. لفقرائكم أطعمْتُ ولمرضاكم شفيتُ ولكم كنتُ أبًا وأخًا وإلهًا يحملُكم، أنتم الخرافَ الضّالةَ الّتي تبحثُ عني لأحملَها وأُدخلَها بيتَ أبي لتجلسَ معي في ملكي، عن يميني... في ملكوتي"...

   "السّلامُ لكم... كما أرسلَني الآب كذلك أنا أُرسلُكُم، ونفخَ فيهم روحَ الحياةِ الجديدةِ... وقال لهم: خذوا الرّوحَ القدس"!!...

   هكذا، أيضًا وأيضًا، يجتازُ الرّوحُ القدسُ مجدَّدًا عتبةَ الكيانِ الإلهيِّ الإنسانيِّ ليحيا فيه أبدَ الدّهر ولا يتركُه...

   منذ حداثتِهِ وفتوّتِهِ وتعليمِهِ أصرَّ يسوعُ على خلاصِ شعبِهِ وشعبُهُ لم يسمعْهُ، بل تركَهُ ليحيا فيما يفهمُه، والمفهومُ كان من إبداعِ الإنسانِ... من بشريّتِهِ لا من ألوهيّةِ الإله...

   كان همُّ يسوعَ المسيحِ أن يوسِّعَ أُفقَ الحبِّ الإلهيِّ الإنسانيِّ حتّى يطالَ الإنسانُ الملءَ الإلهيَّ باتّحادِهِ به...

   الإنسانُ أكلَ الخبزَ الإلهيَّ عند كسرِ الخبزِ... "خذوا كلوا هذا هو جسدي" وشربَ من نتاجِ الكرمةِ المعصورةِ عناقيدُها لتتحوّلَ إلى دمٍ في كيانِ الإنسانِ، فيصيرَ الخبزُ الإلهيُّ لحمَ الإنسانيّةِ الجديدةِ والخمرُ دمَها بعد ذبحِ الحملِ على المائدةِ، وكلُّ مؤمنٍ، بالذّبيحةِ الإلهيّةِ، ستصيرُ دماؤه من دماءِ السّيّدِ الّذي آكلَ الإنسانيّةَ وشاربَها، ليصيرَ هو هي وهي هو للخلاصِ...

   سرُّ لمسِ توما بإصبعِهِ وامتدادِ يدِهِ إلى داخلِ جرحِ كيانِ السّيّدِ، كما أمرَهُ أن يفعلَ، هو التّأكيدُ الإلهيُّ البشريُّ لنا أنّنا، نحن، رأينا ولمسنا، لذلك نحن نؤمنُ!!...

   بهذا اليقينِ نحيا في معرفةِ آبائِنا وأجدادِنا، فنتشجّع لأنّ ننهلَ من ينابيعِ خلاصِهم... والمشكلةُ العقداء هي أنّ كلاً منّا يقولُ في قرارةِ نفسِهِ... أنا أحيا بحسبِ الوصايا الإنجيليّةِ ولستُ أرتكبُ الموبقات... لا أسرقُ ولا أكذبُ ولا أحلفُ بالزّورِ... فلماذا عليّ أن أمرَّ بصليبِ الرّبِّ يسوع لأصِلَ إليه؟...

   الرّبُّ الإلهُ حملَ عنّا كلَّ مآسينا... وخطايانا... وأدناسِنا... واتخذَها كأنّها منه وله...

   قَبِلَ اللّطماتِ والضّربَ والبصاقَ والمهانةَ ليحرِّرَ طبيعتَنا السّاقطةَ من لعنةِ النّاموسِ...

   من السّقوطِ عن وجهِ الإلهِ بالعصيانِ... نحن نحبُّ... إذًا نحن نرضى...

   نحن نحبُّه أبًا... ربًّا... إلهًا... لكنّنا، بسبب ضعفِنا، نرفضُ أن نأخذَ عنه صليبَ خطيئتِنا ونقولَ في أعماقِ أذهانِ قلوبِنا، هو الإلهُ يستطيعُ أن يحتملَ... أما نحن فكلُّ حياتِنا عذابٌ بعذابٍ، ليكونَ أيضًا موتُنا مَخيطٌ بالآلامِ!!...

   ويتركُنا ربُّنا للقولةِ... "تُبْ ولا تحاسب"... "ليكن الآخرُ مرآتَكَ"... "اقبلْ التّأديبَ الإلهيَّ"... لأنّ من يحبُّه الرّبُّ يؤدّبُهُ، لتصيرَ يا إنسانُ عديلَ ربِّكَ بالتّبنّي والقبولِ وانتظارِ رحماتِ الإله لتخلصَ...

   أين أنت يا فرحَنا؟!... يا سرَّ حياتِنا الّتي لا نستطيعُ أن نغيّرَ ولا خطوةً منها ولا شهقةً ولا وجعًا ولا فرحًا... لذلك نسمّي أولادَنا بأسماءِ القدّيسين كي يحموهم من غوائلِ العدوِّ...

   من عدوُّ الإنسانِ؟!...

   ذاتَهُ... أناه الّذي علّقَه بوجهِ كلِّ من يقتربُ منه...

   أنا... أنا... ولا أريدُ أن أَتغيّرَ... لتصيرَ التّوبةُ منجمَ الحبِّ الإلهيِّ للإنسانيّةِ...

   وذاكَ العنادُ كان مدخلَ "توما" إلى عدمِ التّصديقِ بل للتثبيتِ، باللّمسِ، بدءًا بالإصبعِ، ثمّ بالدّخولِ باليدِ، بإذنِ المعلّمِ الإلهِ، جسدَ السّيّدِ، فالإتّحادِ والوحدةِ الكاملةِ مع الرّبِّ، ليحيا الإنسانُ الجديدُ المولودُ من جنبِ السّيّدِ، بكلمتِه، في الحياةِ الجديدةِ المتجدِّدَةِ الّتي لا فناءَ لها... بل يصيرُ العمرُ كلُّه وديعةَ انتظارِ المجيءِ الثّاني للعزّةِ الإلهيّةِ، والخلاصَ الأبديَّ للارتقاءِ إلى السّكنى مع الثّالوثِ القدّوسِ ووالدةِ الإلهِ وجميعِ القدّيسين...

آمين...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

23 نيسان 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share