<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الخامس عشر بعد العنصرة.
عيد رفع الصّليب الكريم
نازلاً من فوق!.




   اليوم ينزل الصّليب الكريم المحيي من أعلى أَعالي السّموات، إذ تنشقُّ الأرضُ لتمطره في تربتها، فتصيرَ التّربة معجونة لا بأوحال أقدام المارّة، بل لِتُطْعِمَ الطّحين الجديد للخضرة المزروعة بدون سماد، فيأكل منها الفقير والغنيّ بوفرة...

    ليس لعود الصّليب أن يُسَمِّدَ الأرض، بل ليخلق شعبًا جديدًا وقوتًا جديدًا، فيعرف كلّ الّذين يغتذون منه، أنّهم يأكلون المنَّ الّذي يشتاقونه ويَحْلمونَ به حين يجوعون إلى الحياة الأبديّة...

    ما الصّليب؟!...

    اليوم الصّليب يتحوّل من خشبة يُصْلَبُ عليه المجرمون... إلى حقيقة الحبّ الّذي ارتفع عليه الإله لينادي بنا بوجهه: "أنا والآب واحد"!!...

    من صدّق خبرنا؟!... ولمن استعلنت ذراع الرّب؟!...

    من يحكي لغة الإله؟!... من أدرك بجهادٍ كَبْتَ دمعِه عن الغرباء، فإنّه هو أيضًا سيبقى واقفًا رافعًا ألحاظ روحه، كيانه وعشق قلبه إلى يدي مبدعه والكون لتتمتم شفتاه: يا سيّدي، سأَحمل منكَ الجراح لأنّها أَرحم من تمتمات الّذين يدّعون معرفتك وهم لا يدرون أنّهم إن لبسوا ثوبك، فقد رصدوا أنفسهم لكَ، حتّى يفهموا!!. ويعرفوا!!. فيحيَوا لك!!...

    المعرفة، ربّي... معرفتك في انتظارِكَ، حتّى يتحوّل إِعصارُ نكراننا إيّاك، إلى استجابتنا لك: لا تتركنا إلى الانقضاء... بل تحنّن علينا!!... كلّنا خطئنا وأثمنا وليس لنا أن نُعلي الرّأس وننظرَكَ في مجدكَ، الّذي هو صليبكَ!!. الّذي اخترته بسبب نكراننا لك ولوصاياك!!...

    اليوم، سيّدي، تتركنا، لأنّك عرَّفتنا ذاتَكَ، فليس لنا، بعدُ، لقيا آخر، مدى عمرنا، إلاّ الّذين سمعوا وسيسمعون هذيذ تمتمات الملائكة المتطايرة حولَكَ صارخة بصمت: أعطونا ربَّنا الّذي تنازل إِليكم ليُكسب جراحكم النّطق صارخة:

    "لا لنا يا الله... لا لنا... بل لاسمِكَ أعطِ المجد"!!!...(مز115: 1).

    مجدكَ يا سيّد، أَنّكَ عرّفْتَنا منذ طفوليَّتِكَ أّنَّكَ قُطِعْتَ من رَحِمِ الآب بألم أُمّكَ العذراء... لأنَّ الآب هكذا ارتضى لها... أن تدخل هيكل الحبّ الإلهي، وتناديك من حشا الآب لينزل بكَ الرّوح القدس ويستقرّ بالوعد في حشاها:

    أَنّكَ تكون لمريم ابنًا، وربًّا، وأنّها ستحمل سرَّ ألوهتكَ الى الكون الّذي ناداك الوجْدَ مَرَّةً، والصّمتَ آلاف المرّات...

    يا إلهي... حمَلَنَي والدي إليكَ وبَكَتْ أمّي... هذه الأمّ مهيضة الجناح... طفلتي أُقدّمها لكَ عربون حبِّكَ لنا... لا تَدَعِ الأشرار يختطفونها منكَ... وإن أرادت هي المسيرة الطّويلة، فاختطفها أنتَ من براثن الشّرّير اللاّبسِ الحُلَلَ المزخرفة... هؤلاء الصّغار لا يعرفون ولم يدركوا، بعد، أنّ حياتهم ستبقى معلّقة أمامهم على الصّليب، لتقول : "لِصليبكَ يا ربّي نسجد ولقيامتك المقدّسة نسبِّح ونمجّد"...

    نحن نعرف سِرَّ الواحد، سِرَّ الحبِّ الوحيد... أنّكَ أنتَ هو!!...

    وأنا وشعبي مِنْكَ وُلِدْنا وأمامك أقفُ مستجيرًا عن نفسي وعنهم...

    أحبُّها مِنكَ وفيكَ... لأنّكَ أنتَ وَلَدْتَها؟!...

    والصّليب يا ربّي!!. كيف أُلبِسُه شعبي؟!.

    أَحُبُّ الذّات يُنْمِينا إلى حُبِّكَ والآخر الّذي خلَقْتَهُ؟... أمّا أنا فأبقى أَمَتَكَ... لأنَّكَ أنتَ هو إلهي!...

    أَمِن خوفٍ آتيكَ، لأنّكَ أنتَ  هو الإله الّذي يحبُّ ويؤدّب؟! ويرحم ويعلّم... لأنَّكَ أعطيتنا ذاتَك بالكلّيةِ؟!...

    اطلُب منّي يا ربّي... فتجدني أمامك أمةً لكَ...

    أَأَنا أُمُّكَ وأختكَ ورفيقة دربكَ لأصلَ معك إلى صلبك؟!...

    أنتَ الولادةُ والحبُّ والحنان، وأنتَ أنتَ ارتضيتَ أن تموت عنّا لنحيا بكَ ونصيرَكَ زرع حُبِّكَ لنا ولشعوب الأرض العارِفَتِكَ أنتَ إلهها!!...


  "حياتُكَ حياتي"؟!. هكذا تعبُرُ بيَ الكلمةُ إليك...

    وارتجّ السَّماع يا ربّ..." لم يصعد أَحَدٌ إلى السّماء، إلاّ الّذي نزل من السّماء، ابن البشر الّذي هو في السّماء"...

    وصرخ الإله الآب الحامل الابن القدوس وحده على الصّليب ليودعه ذاته، إذ ارتضى الصّليب له حتّى يخلص به وبابنه كلّ من يؤمن به من بشرٍ!!.

    نعم ... ارتضى الإله أن تحاكَ المؤامرة ضدّه ليفتدي بالضدَ الّذي هو ضدّه...

    لأنّه صرخ في حشاه: "أنا أريد الجميع أن يخلصوا وإلى معرفة الحقّ يقبلوا"...

    وأرعدتِ السّموات والأرض، وتزلزلت البحار مُعْوِلةً...

    "احملوا صليب مجد الرّب ومجدكم وتعالوا صُعُدًا إليّ...

    "لأنّي أَنا اخترتكم، لستم أنتم الّذين اخترتموني"...(يو 15: 16)

    "أنا هو الطّريق والحقّ والحياة"...(يو 14: 6)

أنا لكم وأنتم لي... أنا صليبكم وأنتم كلُّكُم صلبتموني في الّذين اخترتكم لترعوا خرافي... وإذ أنكرتموني ذبحتم الخراف والنّعاج وكلّ ما خلقته لكم... فصرتم لبعضكم البعض أعداء!!. مذبوحين لا بالحبّ، بل بالشّر...

    نعم!!... أنتم نسيتم أنَّ كلَّ البشريّة المخلوقة النّاطقة باسمي بل العارفة اسمي هي بشريّتي الّتي أنتم منها!!.

    لماذا اضطهدتموني؟!... ماذا فعلتُ لكم يا شعبي؟!...

    لفقرائكم أطعمتُ... لمساكينكم جمعتُ تحت جناحيَّ... لمرضاكم شفَيْتُ... ولأطفالكم أَعطيتُ النّعمة كي يكبروا...

    علّمتُكُم نطق اسمي... وعرَّفتكم من أنا... أنا هو إلهُكُم!!.

    أنا كاهنكم الأوحد... والّذي يريدني يحمل ختمي على جبهته ... صرتم تتلألأون بالنّور الإلهي... لكنّكم أطفأتم سراجي... وأحببتم الموت أكثر من الحياة"...

    وها الصّليب اليوم يرتفع ليأتيه كلّ مشتاق لربّه، لحبيبه إليه...

    هنا على الصّليب يتكسّر الخبز من لحمي وتُهرَقُ الدّماء من الجنب...

    اليوم لا للخطيئة، إذ الإنسان يُصلَبُ، لبرٍّ أنّه عرف ربَّهُ وصليبه أويُنْكِرْهُ توقًا منه  إلى التمرّغَ في وحل الطّريق...

    أهذه ردّة المعرفة الشّيطانيّة المغمَّسةِ بالتطيّب، بالكذب؟!.

    ويلي... ويلي... من يخلّصنا من جسد موت اللّذائذ فينا؟!...

    كيف نتوب يا مسيحنا؟!.

    تعالوا قفوا تحت صليبي وقبل رقادكم أتوّبكم إلى حبّي على صليبي!!...

    وصار صمت!!. 

آمين يا ربّنا... آمين... آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

17 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share