<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثالث والثلاثين بعد العنصرة
يسوع والمرأة الكنعانيّة وٱبنتها


     من هي تلك المرأة الّتي تجرّأت فوقفت بوجه يسوع تناطِحْه الحجّة أمام تلاميذه وكلّ الجمع الّذي كان معه طالبة، بل مغتصبة الشفاء لإبنتها، من ”سيّدها“؟!.

     سُمّي يسوع ”معلِّمًا ونبيًّا“ في إسرائيل وبلاد اليهوديّة وأورشليم ولكن!...

     لكن لم يعرفه أحد، حتّى تلاميذه، إلاّ ”بطرس” بالرّوح القدس أنّه هو مسيح الرّب، و”توما” بعد ملامسة جنبه وإدخال إصبعه في الجنب المطعون بعد القيامة، الّتي لم يصدّقها لولا إصبعه، ليقرّ، أنّ يسوع المسيح هو الرّب والإله ابن الله الوحيد، ربّه هو المرسل إلى العالم وبدءًا إلى شعبه ”اليهود“، ليخلّصهم من عبادة ”الأوثان“ الّتي نصّبوها آلهة لأنفسهم، مُفْضينَ عن مشيئة الله لخلاصهم بالـ”ناصريّ“ المولود والمترعرع بينهم في بلادهم.

     لماذا لم يَقْبَلِ الشعب اليهوديّ الإله الرّب يسوع المسيح إلهًا لهم؟!. لماذا لم يصدِّق الأنبياء وكهّان الهيكل أنّ الّذي حمله ”سمعان الشيخ“ على يديه قائلاً: ”الآن تطلق عبدك يا سيّد حسب قولك بسلام، لأنّ عينيّ قد أبصرنا خلاصك الّذي أعددْته قدام وجه جميع الشعوب نور إعلانٍ للأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل“ (لو 29:2-32)، أنّه هو الإله المخلّص؟!.

     ألم يكن هذا هو الإله المنتظر بالنّسبة لهم؟!.

     من كانوا ينتظرون إذًا؟!.

     أغابت رؤية وحسّ المجزرة الّتي قَتَلَ فيها ملكهم ”الآدوميّ“ الجنس، ”هيرودوس الكبير“، كلّ صبيَة بيت لحم، ليقتصّ من ولادة الإله بالجسد لخلاص اليهود والأمم؟!.

     أطاح الشيطان بكلّ طفلٍ ذكرٍ حتّى عمر السّنتين، كي لا تنمو البراعم وتترعرع مُسحاء على قلب الله.

     أراد الشرّير وعملاؤه قتل الإله!!. ليبقى هو ربّ العالم وحاكِمه.

     هكذا بدأ صراع الحياة والموت على أشدّه، بين فاعلية الحياة ومصداقيّة الإله، وبين فساد الموت ونتانة الشرّير.

     في تلك الأيام لم تكن عظام الأبرار تُحْفظ، لأنّ يسوع لم يكن قد قام بعد من بين الأموات، مقدِّسًا الخليقة بموت جسده، بعد نزوله إلى الجحيم ليُخمِدَ سعيرَ لهبِ الموت إلى الأبد بقيامته، ولتبقى الرّوح مترعرعة في الفردوس بعد موت الصدّيقين، والجسد ليوزّع بعظامه ذخائر، تدرأ عن البشريّة اقتدار الشرّير وزبانيته على الّذين يحبّون الإله بالحق.

     وأطلّت الأمّ الكنعانية على يسوع ليشفي ابنتها المجنونة جدًا!! كانت ساكنة حيث وُلِدَت في الظلمة وظلال الموت، في نواحي صور وصيدا.

     ناداها الرّب يسوع من عتمات الجحيم الشيطاني الّذي كانت تقيم فيه مع ابنتها. هناك في ذلك البيت، كان الدود يتآكل وما بقي من البُسُطِ والحصر والرّائحة الكريهة للموت المتغلغل في ذلك البيت. وكانت الأمّ تغفو ولو قليلاً حين يرتاح الشيطان المعاند من تعذيب ابنتها الفتاة المجنونة جدًا!!.

     كلّ الموت والعفن وتغلغل الدود والحيّات والسمّ كان يقتل كلّ شبه نور يدخل إلى المنزل من الباب. والأمّ تنام مغضية عن حسّ الحياة الّتي تستذكرها حين كانت لها. كانت هي وابنتها تُجْبَلان بالعتمة عند طلوع النّهار، فيصبح الضوء عتمة وصراخًا وهيجان عقلٍ يصرع تلك الفتاة في الهجوم على أمّها أيضًا ليقتلها!! أليس ذاك الغضب الشرّير المدمّر هو العمود الفقري لحياة أفرغها الشيطان من نورها.

     أُغلقت مداخل الحياة لتلك المرأة الأم.. لم يبق إلاّ نَفَسُ الرّوح يستصرخ الكون الخلاص. وحطّت العتمات ثقلها على ما بقي من نَفَسِ الأمّ وزعيق موت الإبنة حتّى تُيْئِسَ أمّها، فتجرّها إلى إنشلال روحها معها، وبموتها تُغني مبيدةً تلك النّاحية من الأرض، أرض صور وصيدا.

     وكان الموت ينادي ربّه ليأتي ويخلّص جبلّته منه، مع روح المرأة الأم والابنة المجنونة جدًا معًا.

     أهكذا يلتقي الموت أيضًا ليستصرخ الحياة الباقية في الأمّ؟! لخلاصها بدءًا وابنتها المزروعة فيها؟!.

     لا يموت قطعًا من له ومن يؤمن بالكليّة بالرّب يسوع وينتظر ليغتصب حياته من خالقها!.

     وأطل يسوع صارخًا... ”أنا الباب، إن دخل أحد بي يخلص ويدخل ويخرج ويجدُ مرعى، السارق لا يأتي إلاّ ليسرق ويذبح ويُهلك، أما أنا فإنّما أتيت لكيما تكون لهم الحياة وتكون لهم أَوفر“. (يو 9:10-11).

     وسمعته الأمّ الكنعانيّة في حسّ كيانها كلّه، فخرجت إليه مهرولة تطلب البُرء، تطلب الحياة الّتي فيه هو. ”وصرخت إليه قائلة ارحمني يا سيّد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جدًا. فلم يجبها بكلمة“... وقفت المرأة إليه وهو إزاءها... لم تعد هناك فسحة لإنزعاج تلاميذه، فلم يجبهم... المحكمة بدأت!!. هذا وقت الدّينونة!!. فإما أن يُطلقها الرّب وابنتها من عقالات الموت، أو يرمي بها إلى أسافل دركات الجحيم لتحترق بالنّار الّتي لا تُطفأ...

     ”ارحمني يا سيّد، يا ابن داود. إبنتي مجنونة جدًا“.

     وبدأ تأديب الإله لذريّته الّتي انجرّت إلى عبادة إله آخر، تاركة نور الحياة وراءها لتعبد الموت والعذاب، هدية الشرّير لها.

     وإذ كلّمها مجيبها، أدركت أنّ الواقف أمامها هو ”الكلمة“ النّاطقة الآتي إليها ليخلّصها، وهو هو ابن داود الوعد.

     وامتزج في كيانها فرح الحياة الآتية إليها مع جنون ابنتها واختناقها في جحيم بيتها، فاستصرخت الرّوح مرّة أخرى.

     ”والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الّذي يسقط من مائدة أربابها“.

     امتدت إليه بكليّتها، بقذارتها وجنون ابنتها صارخة: ”أنت ربّي وإلهي وسيّدي... نعم! فالكلاب أيضًا تأكل من الفتات الّذي يسقط من مائدة أربابها“.

     ”يا امرأة عظيم إيمانك. ليكن لكِ كما تريدين“.

     هكذا شُفِيَت امرأة الوعد... كما اعترفت صادقة السّامريّة، وتابت مريم المصرية، وغسلت المجدلية مريم خطيئة حواء الأولى بسكب دموعها على رجلي يسوع ومسحهما بشعرها، لتجمع مذّاك حواء الجديدة والدة الإله العذراء مريم أمًّا الكون الإلهي والحياة الجديدة بالمسيح.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

29 كانون الثاني 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share