صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
الــدّيــنــونـــة ..!!..

 

واحترّت الرّوح..!.. الإله ابن الإله السّيّد الرّبّ، يُسمِعُ اليوم صوتَه لكلّ المسكونة والسّاكنين فيها..!!..

اليوم يأتينا ابن البشر في مجدِهِ وجميع الملائكة القدّيسين معه..!!..

اليوم يتمّ الوعدُ الّذي وُعِدَتْ به كلّ البشريّة، أنّ الإنسان إن اتَّبَعَ خطى مسيرة كلمة وصايا السّيّد، فهو سيملك معه..!!.. يجلس إليه ومعه على عرش مجده ليشهد الدّينونة..!!.. ليحكم والإله حكم الحياة الأبديّة، أَو العذاب الأبديّ لكلّ الّذين لم يُحِبّوا، بل عصَوا الوصيّة... وصيّة الحبِّ النّابع من جوف روح الحياة الّتي في الإله من وصال الآب  بالابن ووحدتهما..!!..

مَنْ صدَّقَ خَبَرَنا.؟!... ولِمَنْ اسْتُعلِنَت ذراعُ الرّبّ.؟!...

ها صوت الإله القدّوس وحده ينادي كلّ الّذين سمعوا بحسّ وجودهم في صحو قلوبهم... النّداء... الّذين تحرّكوا من عُتْقِ حياتهم، ليأتوه حاملين قِرَبَهُم مملوءة دموع التّوبة على أجداثهم... وسُمِعَ الصّوت من المقابر تستصرخ الإله: لا تتركنا يتامى في قبورنا..!!..

لقد عَفِنَّا يا إلهنا...  الشّمس لا تخترق الحجارة الّتي ابتُنيَتْ حولنا... والتّوابيت الّتي تَفَكّك  خَشَبُها لتُخرِجَ العظام الذّليلة من مرقدها هاربةً إلى النّور... نور الحياة الحقّ فيه هو الإله...

مَنْ يَدينُ مَنْ يا ربّي.؟!...

نحن لم نسمع كلامَ وصاياك..!!.. وصيّتُكَ أعاقتنا عن الرّكض على  الطّرقات الّتي نحن اخترناها بعيدين عن كلامك،  عن كرازتك،  عن بداءات ونهايات حياتنا..!!..

نحن طلبنا أنفسنا... لأنّنا تُهنا عنك، ففقدناها في اللّجوءِ إليك... في الاتّكال عليك..!!..

اليوم في صبح يوم الدّينونة هذا... أقف أَمامكَ عن شعبي لأَقولَ لكَ الحقيقة..!!.. كيف يفكّرون بكَ وبهم...

لا لنا يا الله لا لنا... بل لاسمكَ أعطِ المجد..!!..

أنتَ الإله القدير العظيم في مُلْكِكَ وفي مَلَكوتِكَ..!!..

أنتَ خَلَقْتَنا... من ضِلْعِكَ... من نفخةِ روحِكَ من ترابكَ الّذي أنتَ خلَقْتَهُ... وإذ تَكَشَّفَ الغَمْرُ على الطّبيعة والأشجار والبحار والجبال وكلّ ملء جمالات الأَرض... فَصَرَخْتَ بملء الرّوح سرَّكَ...

أنا لن أحيا وحدي في أرض الأَحياء..!!..

وكان الإنسان عديلَكَ، شبهَكَ، ابنَكَ، وليدَكَ، أنتَ..!!.. ونظرتَ حولكَ..!!.. كان كلّ شيء حسنًا..!!.. هذا ليَعرِفَ الأرضَ ويزرعها ويبني المدائن ويحرّكَ الشّعوب...

وكان الرّجل يعمل وحدَهُ... اغترَّ بذاته، نظر حوله فلَم يَرَ له نظيرًا يشبهه... فجلس القرفصاء واضعًا رأسه بين فخذيه وأجهش باكيًا... ثمّ صرخ بملء فمه: أين أنتَ منّي يا الله.؟!... لماذا تعاقبني، إذ تركتني وحيدًا... لاسرَّ فرح لي إلّا عَرَقي وعَمَلي وتَعَبي ومأكَلي...

ألا ترسل صنوًا لي.؟!... يشبهني، يحاكيني، يرافقني ليرفق بي حين أَمرَض ويؤاكلني سِرِّي.؟!...

وكان على الرّبّ الإله أن يتَمِّمَ وعده... أن يخلق لآدم عونَهُ..!!..

هكذا وَلَدَ الإلهُ حوّاءَ من ضلعِ آدم... وإذ غابا عنه متلازمَين...

عاد فوَلَدَ الإلهُ مريمَ من ضلعه هو... لتلده هي من الرّوح القدس الحالّ عليها...

هكذا ابتنى الرّبُّ له عرشًا على هذه الأرض..!!..

بآدم وحوّاء بدءُ الخليقة وعنوان السّقوط...

وبمريم أمّ الحياة الجديدة والمتجدّدة من وعد الإله لها بأنّها ستحبل من الرّوح القدس... الرّوح القدس الّذي تَنَزَّلَ ليشارك البشريّة حياتها بمريم النّاطقة "النَّعَمْ"..!!..

وقالت للإله... نعم... نعم... يا سيّدي، "اقبلني اليوم شريكةً لعشائكَ السريّ يا ابن الله، لأنّي لن أقول سِرَّكَ لأعدائكَ ولن أعطيكَ قبلةً غاشّةً مثل يهوذا... بل كاللّص أصرخُ لكَ هاتفةً...

اقبلني اليوم يا سيّدي، يا إلهي، يا ربّي ويا مقدّسي متى تجيء في ملكوتك"...

"ألفُ يومٍ في عينيك يا الله... كأمس الّذي عبر"..!!..

وصار البارحة غدًا، والغدُ تمخّضَ ليحفظَ النّاموس والشّريعة، والتّاريخ جامعًا المال والغثَّ مع السّمين... فاختلط الحابل بالنّابل...

لم يكتفِ الرّبّ بالوصيّة الإلهيّة..!!.. لكنّه عجز تاليًا عن إقناع آدم وحوّاء بالتّوبة..!!.. بالعودة..!!.. بالصّرخة، "لقد خطئنا وأثمنا، ولسنا بأهلٍ لأن نرفع أعيننا لننظر إلى علوّ مجدك، بل بقينا نَغمِس أَحاسيسنا وكياناتنا بالوحل والكذبة البيضاء والسّوداء ولم نكتفِ بكَ وحدَكَ يا ربّ..!!.. أحبَبْنا أنفسَنا... أَلَّهنا قولَنا وفكرَنا وفعلَنا...

أَحسَسنا يقينًا، أنّكَ تريد أن تأخذَ منَّا شخصيّتنا لتقوّمها إلى طريقك، إلى عدلِكَ، إلى ناموسِكَ، إلى حبِّ الآخرين كما أنفسنا... وهذا إِذ أحسَسناه سيسرقنا منّا، ارتددنا عنكَ... إِلينا...

ناموسك حبٌّ يا الله، والحبُّ ثقيل يا ربّي... بحبّكَ لنا صار علينا أن ننسى "فضيلة" الانتقام..!!.. أن نلغي أنفسنا بالكليّة... أن نموت ونحن أحياء..!!.. كيف يقبل منطق الحياة هذه المعادلة.؟!...

سيّدي..!!.. أنتَ أَلزَمتنا بالفقر الّذي أنتَ أتيتَ الأرضَ به، ناموس رِفْقَةٍ... ناموس حبٍّ... ناموس شرطِكَ لنا للدّخول إلى ملكوتك... فيا سيّدي، كيف نحيا بعد أرضَنا وغلَّاتنا.؟!...

العطاء... العطاء... العطاء... "بَدَّدَ وأَعطى فَبِرُّهُ يدوم إلى الأبد"..!!..

"أرضُكَ تصيرُ لكَ يا بنيَّ، متى وزَّعتَ خيراتها على كلّ المقرّبين لك وعلى كلّ مارٍّ سائلٍ حسنةً منكَ"..!!..

يا بنيّ ماذا لكَ وأنتَ تضيف يومًا إلى يوم في عمركَ، لتقدّم ما جَمَعْتَ كلّ سني حياتك، على طالبي اللّقمة المغَمَّسةِ بالنَّعَم.!... الّتي تقولها أنتَ لكلِّ قريبٍ وسائلِ حسنةِ حبٍّ منكَ...

يا حبيبي تعالَ نقتسِم اليوم لقمة الألوهة الّتي عَزَّكَ الإلهُ بها، حين أتيتَ طالبه العونَ والصّحة والبرء من المرض والحزن وكلّ ألم، بقيت تلوكه من إنسانِكَ العتيق...

اليوم يقول الرَّبُّ حُبَّهُ لَكَ... قائلًا:

"كنتَ أمينًا في القليل، فأُقيمُكَ على الكثير... ادخل إلى فرحِ ربِّكَ"..!!..

"تعالَوا... تعالَوا إليَّ يا جميع المتعبين والثّقيلي الأحمال وأنا أريحكم"...

تعالَ يا بنيَّ لتصيرَ كلمتي... لتصيرني أنا الكلمة..!!..

السّقوط صار بعيدًا عن الإله..!!.. عن الكلمة الاسم... عن الحبّ..!!..

هكذا انتهت كلمةُ القسم اليوم...

الرّبّ يأتي اليوم ديارنا... أرجاءَنا... بيوتنا وكنائسَنا... ليغربل نيّاتنا، مقاصدنا وكلّ فكر يخطّه الشّرّير في حياتنا لنقبله نحن أو نرفضه مولين الهرب من وجه القوس...

اليوم نحن نختار الإله... لنجلس إمّا إلى يمينه أو الهرب من وجهه بأعذار واستنباطات العقل المريض الّذي نختزن فيه معرفتنا وكلّ ما ننطق به...

اليوم نقف مكتوفي الأيدي وراء الظّهر لنقول للإله...

"اذهب عنّا... فنحن تعذّبْنا بما فيه الكفاية، واليوم نريد أن نحيا باقي سني حياتنا في الفرح... لأنّه معك لا فرح، بل تذكارات حزنٍ على خطايانا، وكأنّنا نحن الّذين وُلِدْنا هكذا تحت اللّعنة، لا من حنانكَ ورأفاتكَ وحزننا على أنفسنا".!...

الموضوع المأساة هو أنّنا لا نريد أن نُقِرَّ ونحن واقفون أمام "النَّعَمْ" الّتي نطَقَتْ بها مريم البتول أمّ الإله... أنّنا قلنا وما بتنا نقول كلّ يوم... "ليس الحقُّ علينا... هكذا الله خلقنا كلَّنا ضعفاء"... نعم نحن خطأة في عين الإله ولكن في أعيننا، نحن ابتنينا المدن، وشيّدنا العمارات، وطوّرنا العلوم ورفعنا مستوى الإنسان من حيوانيّته، ليصير عبقريًّا، وهو الخالق بمعرفته للحياة، للتّجدّد والإبداع، فلماذا إذًا لا يحقّ لنا أن نصبح بل أن نصير آلهة من الإله بوعده لنا هكذا.؟!...

والسّؤال السّؤال... لماذا يريد أن يذلّنا إلهنا ليعدَّ علينا خطايانا واحدةً فواحدة.؟!... لماذا لا يكافئنا على كلّ ما حسّنّا به وجهه في هذا الكون... ما خلقناه لراحة الإنسان.؟!. وطموحاته.؟!...

لماذا يريد يسوع أن يعود بنا إلى المذود والفقر.؟!... إلى الطّرد والهرب كما هربت مريم بابنها، إلهنا إلى مصر حتّى لا يقتله هيرودس.؟!...

نحن صرنا بل بتنا أقوياء..!!.. نحن نستطيع أن نقتل كلّ أعداء الإله...

فلماذا الخوف.؟!... نعمل ونغتني ونعطي الفقراء نصيبهم... لكن لن نقبل بأن يقاسمونا ميراثنا الّذي تعبنا نحن فيه... أليس هذا منطق الحياة.؟!... منطق الوجود.؟!... منطق القوّة للغلبة.؟!...

هكذا اليوم تصمتُ الكلمة الإله عن الإجابة والنّطق لتغور في كيان الخالق...

 

 

اليوم، هكذا طَرَدَ الإنسان المخلوق... الإلهَ خالقه..!!..

لتبقى هذه المعادلة الجديدة القديمة حياةً للبشريّة جمعاء..!!..

لكن سيبقى ما دام الكونُ، لم يأتِهِ الرّبُّ بعد ليردّه إلى الغمر الأوَّل، "سبعة آلاف لم يُحنوا ركبة لبعل"..!!..

الشّرّير أمير هذا العالم، أَرادَ أن يطحَنَ وجه الإله بالموت.!!!... لكنّ الإله الآب كان معه المسيح الابن من عن يمينه والرّوح القدس يرفُّ بأجنحة الملائكة طاردًا كلّ شيطان يبغي محوَ وجهِ الإله عن الحياة...

كان وسيبقى روح الحياة الإله وحده سيّدَ هذا الوجود ومَلِكَهُ، ليضُمَّ إليه كلّ من آمن أو تاه ورجع إلى حضن الكائن الحيّ الأوّل، ليعتمد من حبِّه، فيشرطنه الإله تلميذًا له إلى الأبد وحتّى المجيء الثّاني... اليوم... غدًا... أو بعد غدٍ في العدِّ الّذي أُعِدَّ له... والنّهايات الملأى بالبدايات..!!..

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
11 شباط  2018

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share