روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
تأمّلات في الإنجيل
أحد رفع الصّليب الكريم
المحيي!!...
ما بين ميلادِ والدةِ الإلهِ في الجسدِ
أمِّ الكونِ المخلوقِ
وميلادِ ابنِها الرّبِّ يسوعَ على الصّليبِ!!...

   "إمّا إن يولدُ كلُّ إنسانٍ من حشا بتوليّةِ والدةِ الإلهِ مريمَ، ليأتيَ ميلادُهُ طوعًا على صليبِ الرّبِّ يسوعَ... وإمّا يبقى في إعاقةِ الادّعاءِ وعيشِ الأنا، ليحيا عمرَهُ في التّفَهْ"...

   هكذا كلّمَ ملاكُ الرّبِّ مسائِلَه أحدَ القدّيسين، الّذي رفعَهُ الإلهُ الآبُ ليُجلسَهُ عند قدمَي ابنِهِ يسوعَ فاحصًا إيّاهُ (ذاكَ الّذي أحبَّهُ)، ليقرأَ قلبَ حسِّهِ الدّاخليِّ ويقولَ له: كنتَ أمينًا في الحبِّ الّذي أوكلتُكَ إيّاهُ، فادخلْ الآن معي إلى صليبِ مجدي، حتّى تستأهلَ العيشَ معي في آلامِ وحرقةِ وتخلّي الألوهةِ الأبويّة عنّي، فتختارَ بي صليبي لتسكنَ معي في خوفِ واختناقِ لحظاتِ الجلجلةِ، فتتشقّقَ حشاكَ دموعَ حبٍّ وترجٍّ صارخًا: أنا منكَ ولكَ يا يسوع فاقتبلني شريكًا لكَ في منازلِ صليبِكَ!!.

   وجلجلَ الصّوتُ صارخًا: "افتحوا مغاليقَ الأرتاجِ الحديديّةِ المُغْلَقَةِ، ليدخُلَ ابنُ الآبِ والابنُ والعذراءُ مريمُ إلى مغطسِ حشا الولوديّةِ الجديدةِ... إلى الملكوتِ السّماويّ"...

   وسُمعَ زعيقُ رفرفةِ أجنحةِ الملائكةِ البيضِ العظيمةِ الهيئةِ وفتحِها المصاحفَ لترى وتقرأَ ما دوَّنتْهُ على صحائفِها سائلةً: ما اسمُكَ؟!... أعْلى الواقفُ عند قدمَي صليبِ المجدِ الإلهيِّ... ناظرًا هيئةَ ووجهَ العِزَّةِ الإلهيّةِ، فغامتْ به الأرضُ وغمامُ الأرضِ الواقفُ عليه...  "من أنا؟!... ما اسمي؟!"...

   "أنقذوني من تذكاراتِ ماضيَّ، من حمأةِ أعمالي...

   أنقذوني من خوفي من الدّينونةِ... قولوا لي: أفلا أخلصُ؟!...

   أنقذوني من فكرِ الماردِ المغلِّفَني بالعتماتِ المبتلعَتْني نهارًا وليلاً، لِتُشَكِّكَني بمجدِ إلهي المصلوبِ وأمِّهِ!!.

   أنقذوني من دموعي الجارَّتْني إلى الآلامِ الكونيّةِ، أنّ هناك من لا يعرفُ مسيحي المصلوبَ بعدُ، في والدتِهِ البريئةِ من كلِّ عيبٍ، مريمَ أمّي، عنّي ومن وعن سيّدي، الّذي اسمُهُ "عمّانوئيلُ"...

   وأحنَيْتُ ذِهْنَ قلبي، كُلْيَتيَّ وقصدي... "من أنا؟!"... بماذا أجيبُ ملائكةَ الرّبِّ يا أمّي؟!... "غبيٌّ أنا ولا معرفةَ عندي"...

   "اسمُكَ اسمي!!. واسمُكَ اسمُ ابني!!"...

*  *  *  *  *  *  *

   أُمّي... لماذا غُربتي؟! وأنتِ ولدْتني بالحبِّ من حشاكِ؟!...

   لماذا ما زلتُ أخافُ؟!. لماذا لم تصيري بعدُ يقيني...؟!...

   أمّي... يا حياةَ بدءِ البتوليّةِ... يا فرحَ سعيي إلى وجهِكِ في حُلُمي... لأصيرَ أنا ابنَكِ الّذي ولدْتِهِ من صوتِ الرّوحِ القدسِ لكِ...

   أمّي... حبيبتي الّتي ولدَتني، فصِرْتِ فيَّ ومنّي عروسَ ظنّي وحسّي وصمتي وكياني...

   أمّي... يا عروسي الّتي أرضعَتني حنانَ إلهي، تعالي واقبليني عريسًا لكِ... أُقِمْكِ سيِّدةَ بيتي، حياتي وحبّي لكِ!!...

   يا رجاءَ الّذين لا رجاءَ لهم سواكِ وحدَكِ... يا حُلُمي... يا هديّةَ الآبِ لي، يا وَعْدَ فرحي بالبشريّةِ!!....

   تعالي أُدخلُكِ غرفةَ الخدرِ الملوكيِّ!!.

   تعالي إليَّ فأنتِ عرسي...

   أحفظُكِ... أحميكِ من غوائلِ العينِ الحاسدةِ لكِ ولي معكِ!!.

   تعالي يا فرحَ قيامتي من مواتيّتي... تعالي!!...

   وصارَ صمتٌ!!.

   كان الصّمتُ الإلهيُّ!!.

   ارتدَّتْ أسئلةُ وأجنحةُ الملائكةِ إلى تحتِ إبطِها... إذ أُقفلَ بابُ الخدرِ الملوكيِّ... ونامَ الكونُ الجديد!!...

*  *  *  *  *  *  *

   ها الآن صارتِ الرّؤيةُ وجودَ حياةٍ!!...

   واستكانتِ البشريّةُ للمسيحِ الممسوحِ من الله!!...

   واستصرختْ مريمُ وحيدَها... ختنَها...!!...

   ماذا بعدُ ربّي؟!. الدّنانُ فرغَتْ من خمرِها... والعرسُ في وعدِ الحياةِ... والانتظارُ فإلى متى؟!.

   يا مريمُ اسمعي!!...

   الصّليبُ الصّليبُ للرّبِّ يسوعَ وحدَهُ!!...

   أمّا الإنسانُ فبعدَ معموديّتِهِ بتوبةِ آلامِهِ وانتشالِ ربِّهِ له ليحيا على رجاءِ "القيامةِ"... يُبعدُهُ ربُّهُ، بل يمنعُهُ من الفرحِ بالألمِ والتألّمِ والمعاناةِ، حتّى يستقرَّ بدءًا تحت قدمَي خالقِهِ، منبطحًا على وجهِهِ، تحت قممِ جبلِ التّجلّي الإلهيِّ... جبلِ ثابورَ!!... أو أيِّ جبلٍ يعلوه المعلّمُ!!.

   التّجلّي يا مريمُ هو وعدُ وحقيقةُ "القيامةِ" الآتيةِ الّتي كانت وتكونُ!!...

   مِنْ على قِمَمِ التّجلّي يا مريمُ ينادي الآبُ الابنَ بموسى وإيليا... ليُسمَعَ صوتُ يوحنّا سابقِهِ مُعْولاً للبشريّةِ: "توبوا فقد اقتربَ ملكوتُ السّمواتِ"...

   ويُكمِلُ صرختَهُ ضاربًا في صحاري الأرضِ: "توبوا... توبوا... فالوقتُ قد حان!!... اسمعوني يا معشرَ الأممِ ويا جميعَ قضاةِ الأرضِ وحكّامِ المدنِ... لكم جميعِكم أقولُ: الوقوعُ تحت قدمَي الإلهِ في تجلّيهِ بدءًا... ثمَّ وثمَّ الإطِّمارُ في ترابِ الأرضِ، لسماعِ صوتِ الهاويةِ الّتي أنتم فيها تناديكم: "توبوا يا معشرَ الأممِ ويا جميعَ قوّاتِ الأرضِ وقادتِها وحكّامِها"... لتتوبوا!!... توبوا عن أنفسِكم... توبوا فالوقوعُ بين يدَي الله القدّوسِ مخوفٌ جدًا"...

   هكذا تصرخُ جميعُ شعوبِ الأرضِ مُعْوِلَةً... أين إلهُنا؟!...

ألا يأتي ليُخلِّصَنا، ونحن الّذين أحببناه من كلِّ القدرةِ والنّفسِ ليطحَنَ أعداءَنا تحت أقدامِنا؟!...

   أيُّ إلهٍ قديرٍ مثلُ إلهِنا؟!. وارتكضَ كُهّانُ الهيكلِ حاملين أثوابَهم وعصائِبَهم ليصلوا أوقاتَ الصّلاةِ فيرفعوا الأصواتَ بالتّرتيلِ، والمباخرِ بالرّوائحِ الطّيّبةِ مادّين أيديَهم ليُقبِّلَها الشّعبُ الفقيرُ الحسنُ العبادةِ!!... أمّا الأَغنياءُ!!.

   "ويلي ويلي... مَن يخلّصُني من جسدِ الموتِ هذا؟!"... ومن كذبِ الشّيطانِ؟!...

*  *  *  *  *  *  *

   واعتلى الرّبُّ الخالقُ يسوعُ المسيحُ الصّليبَ طوعًا!!...

   اعتلى عرشَهُ الّذي لا ولن يسابِقَهُ إليه أيُّ مخلوقٍ ولا أيّةُ آلهةٍ من كلِّ الأرضِ، لأنّهم كلَّهم عبدوا أوثانَ نفوسِهم...

   وقفَ الرّبُّ مُسَمَّرًا طوعًا على صليبِ حبِّهِ، وأمُّهُ تحت رجلَيه رافعةٌ رأسَها إليه وغاصّةٌ: "يا حبيبي، يا ولدي... يا ختني!!"...

   وكان حبيبُه يوحنّا يناجيه بصمتٍ... أتقومُ يا سيّدي لتحكمَ في الأرضِ؟!...

   وصرخَ الابنُ الإلهَ الآبَ: "يا أبتِ مَجِّدِ اسمكَ... فجاءَ صوتٌ من السّماءِ أن قد مجّدْتُ وسأمجِّدُ أيضًا"... وصارَ المجدُ!!!...

   اختنقَ صوتُ صراخِ يسوعَ إلى أبيهِ الآبِ السّماويِّ...

   أبَتِ... يا أبتِ... لماذا تركْتَني؟!... أتخلَّيْتَ عنّي؟!!...

   وأجهَشتْ مريمُ وحدَها وجِعَةً في ميلادِها منه فاحتضنتْهُ بصراخٍ: حبيبي... لا تَمُتْ... لا تَمُتْ يا ختَني... يا ولدي... ويا حياتي!!...

   ويوحنّا الحبيبُ بكى نبضَ سرِّ إلهِه المعلّقِ على قيامةِ حبِّهِ بالاختناقِ، بوَلَهِ الحبِّ، للاتّحادِ بذاتِهِ الإلهيّةِ في خوفِهِ!!...

   "إلهي... إلهي... لماذا تركتَني... لا تتركْني... لا، لا تتخلَّ عنّي!!".

   "مجّدْتُ وسأمَجّدُ أيضًا"...

   وامتدَتِ اليدانِ على الصّليبِ... سُمِّرَتا!!... وشَهَقَ الرّبُّ حياةَ حبِّهِ... نَشَجَ روحَهُ وتَمجَّدَ!!.

   "لم يصْعَدْ إلى السّماءِ إلاّ الّذي نزلَ من السّماءِ ابنُ البشرِ الّذي هو في السّماءِ"...

   وسكنَ الكونُ... صارَ كلُّ شيءٍ جديدًا... كلُّ ما في السّماءِ وما على الأرضِ وقعَ تحتَ نورِ التّجلّي... وارتفعَ كلُّ حبِّ الحياةِ بمريمَ على صليبِ المجدِ إلى الآبِ والتّلمذةِ بالحبيبِ يوحنّا، ليبقى الصّليبُ وحدَه... بالحبِّ... والانتظار!!...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

14 أيلول 2015

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share