الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثامن بعد العنصرة
رقاد والدة الإله
وتكثير الخبز للحياة!


     اليوم ترقد الحاملة خبز الحياة الإلهيّة!!.

     اليوم يُمدِّد التلاميذ جسد أمّ الحياة، ليصير المائدة المقدّسة في هيكل الرّب الّذي سيذبح عليها الحمل الّذي منذ الأزل العابر والآخذ جسد الإنسان، ليؤلّهه، صائرًا برقاد أمّه أمّ الكون البريئة من كلّ العيوب، خبز حياةٍ جديدة للّذين أُعتقوا بأخذ جسدها، من خطيئة آدم وحواء الجدّين الأوّلين!!.

     ها مريم والدة الإله تصير بابنها الإله الكلمة المتجّسد وبرقادها اليوم، حياة جديدة لا موت فيها، بل انتقالٌ من الأرض إلى السّماوات.

     اليوم يوافي الابن الإله الكلمة مع الطغمات السّماويّة العلويّة، ليقفوا فوق الجسد البتولي المسجّى، منتظرًا الإله، الّذي حبل به، ليأخذه مرتفعًا به إلى الأخدار السّماويّة، مقدّمة ختمًا ورسمًا لكلّ الأجساد الّتي تقدّست بسكنى الرّب فيها، فلا تعود تنتن، أو تفسد، أو تسقط في دائرة الخطيئة، لأنّ شيطان روح الخطيئة هرب من وجه قوس الحياة المكلّلها، فوقها!!.

     اليوم تُبطَلُ الخطيئة في جسد آدم وحوّاء، إذ يسجّى جسد مريم، الحياة الجديدة، ليجدّد برقاده بين الرّسل تلاميذ المسيح ومجيء ربّ الجسد ابنها، ليقيم الرّوح إلى مدارات الحياة الفردوسيّة الّتي تنظر ورود جسد الموت الّذي حملته مريم البتول وابنها الرّب يسوع، فيصير بهما جسد قيامة البشرية. والّتي آمنت أنّها هي تاليًا مختارة، لتصير جسدًا للابن الإلهي بالرّوح القدس والحقّ، فتنتطق الوعد، وهي البشريّة السّاقطة، أنّها اليوم تسلّم كيانها كلّه إلى ابن العذراء، لتصير كلّ نفس وكلّ جسد به، جسدًا جديدًا للآلهة الجديدة، للبشريّة نسل العذراء، الّتي بابنها تقدّست إذ حبلت به بالرّوح القدس.

     اليوم، إذ تُعيّد الكنيسة رقاد وانتقال مريم والدة الإله، فإنّنا كلّنا تاليًا نركع أمامها لامسين جسد الحياة الّذي نزل الرّب يسوع لينقله بالرّوح، فينقل تاليًا كلّ جسد تجدّد بوعد الإله الآب،  أنّه سيحيا في فردوسه الّذي غادره بسبب المعصية الأولى، وعدم عيش تمام الحبّ، ليعود اليوم بجسد مريم البتول محمولاً بيد الرّب يسوع الإله الأقنوم الثاني الإلهيّ، ليسلّمه إلى الآب، أقنوم الثّالوث الأوّل، ومبدع الحياة، كلّ الحياة، الّتي فيها المعرفة والحبّ لانتزاع شوك الشكّ.

     هكذا يبقى التسليم، مبدأ حياة الفردوس الجديد، الّتي عاد إليها آدم وحوّاء طائعين، إذ لبسا جسد مريم ويسوع الطاهرين ليعبرا الموت المُحيّي الّذي بالصّليب خَلُص آدم بيسوع من لعنة السّقوط، والكون المخلوق كلّه، بمريم تاليًا، من فساد البلى!!.

* * * * * * *

     في ذلك الزمان وافى يسوع كونه فأبصر جمعًا كثيرًا فتحنّن عليهم وأبرأ مرضاهم.

     اليوم ندخل في سرّ اتحاد الطبيعة الإلهيّة بالطبيعة البشريّة!.

     اليوم تقدّم مريم البتول، والدة الإله، كيانها كلّه المسجّى، ليصير مائدة في هيكل، وعلى مذبح صليب الإله يسوع، ليأخذها ابنها بالكليّة، ناقلها وكلّ من أسلمها ذاته، لتسلّمه إلى ابنها وربّها وخالقها، فيعيد جبل الآتين إليه لا من تراب الأرض، بل من جسد مريم وعد الحبّ البشريّ، والتسليم والقبول بالرّوح القدس: ليكن لي بحسب قولك!!.

     اليوم يعود الإله في إبداع الإنسان الجديد، جسد مريم من الأرض الجديدة ناقله إلى السّماء!!.

     اليوم يصير جسد مريم أرضًا وجسدًا وحشا لأمّ الإله المقدّم مجّانًا لخلاصنا!!.

     اليوم، وفي زمان الحياة الجديدة، يوافينا يسوع ليحمل كلّ مولود في كوننا إلى السّكنى في الفردوس.

     اليوم صار إتمام الوعد للحياة، في سرّ تكثير الخبز وإطعام الجمع الكثير من الكلمة يوم رقاد مريم.

     في هذا الإنجيل اليوم ساءل يسوع تلاميذه، وهو العارف بهم واحدًا واحدًا، لأنّهم كلّهم ولدوا من أرحام أمّهاتهم الحاملة بذرة السّقوط والموت!! أعطوهم أنتم ليأكلوا. فقالوا له ما عندنا ههنا إلاّ خمسة أرغفة وسمكتان. فقال لهم هلّم بها إليّ إلى ههنا.

     هكذا يتحدّانا إلهنا لنعرف أيضًا وأيضًا أنّه ليس باستطاعتنا أن نعمل شيئًا من دونه، بل كلّ الكلّ صار قائمًا عليه ومنه نعمل، لتعود الوزنة إليه مضاعفة!!!.

     اليوم قرُبت الأيام والأوقات وأزمنة الرّدّة!!.

     من بدء تاريخ الأيّام!! منذ الخلق الأوّل!!.

     من يوم سار الرّب الإله الآب مُبدئ الثّالوث، في فردوسه، رأى أنّ كلّ شيء صار حسنًا!! لكنّه نظر مفتقدًا العينين في الوجه، والوجه في الجسد والقلب المؤطِّر كلّ الكلّ فقال:

     أريد وجهًا من وجهي، في وجهي!! أريد قلبًا من قلبي، عديلاً لقلبي!!. أريد عقلاً لا يترفّع على نعمة معرفة عقلي ليخلق لذاته عقلاً لا قلب فيه وعينان منّي!! أريد وعي حبٍّ لا يسائل ولا يشكّ ولا يقنط، بل يغفو على صدري يستنشقني، فيزداد بسؤل روحه عنّي ليتّخذني، يصير أناي الممتدّة إليه مني ليعيدها امتداد نداء لي: أبّا يا أب الآب!!.

     هذا قول حياةِ عقل، قلب وذهن الإنسان.

     اليوم: يا إلهنا، يا ربّنا، يا أبانا!! كُن لنا معنا!!.

     لم نستصرخ إلهنا قبل فسقطت طبيعتنا الأولى في بطن الحيّة الشيطان!!

     اليوم انتُشلنا برقاد مريم والدة الإله وحَمْلها جسد خطيئتنا إليكَ، يا إلهنا، كي تعيد ترتيبنا وتدبيرنا ساعين إليك مسرعين وهاربين من لعنة السّقوط، منّا، من التزامنا أنانا، لنقول لكَ أنت ربّنا، أبانا، أنت أنانا!!!.

     هلمّ إلينا وكثّرنا خبزك ودمك فينا، يا رجوة حبّنا التائقَ إليكَ لتعرفنا أنّنا تُبنا إليك. نحن قنطنا من موتنا اليوميّ، في نتننا!!!.

     اليوم سمعنا إلهنا!!.

     اليوم طيبُ رقادِ والدة الإله أفاضَ زيتَ حبّها الّذي فيكَ علينا!!. هي الآن صارت وعد ملء خوابي الخمر والزيت والحبّ، فأعدنا إليك بغفران حنانك.

     أعدنا كلّنا... بكليّتنا إليكَ يا أب الآب!! يا ربّنا!! يا مسيحنا!! يا كلمة الآب ويا روح قدس الآب!!.

     تعال وعمّدنا بدموع توبتنا يا الله!! وارحمنا!!.

     ارحمنا بتوقنا وشوقنا ورجوعنا، بردتنا إليك!! وارحمنا!! ارحمنا!! ارحمنا!! واستجب لنا!!

     آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

18 أب 2013
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share