عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّامن بعد العنصرة
تقريظ "النّبيّ إيليا"!!...

* لكي نبقى في تذكارِ النّبيِّ إيليا وذكرى الأب "إيلياس" (مرقص)!!.


غيرةً غِرتُ للإلهِ على "إيليا".


   "وقامَ إيليَّا النَّبِيُّ كالنَّارِ وتَوقَّدَ كَلامُه كالمِشعَل.

   وهو الَّذي جَلَبَ علَيهمِ الجوع وبِغَيَرته جَعَلَهم نَفرَا قَليلاً .

   بِكَلامِ الرَّبِّ أَغلَقَ السَّماءَ وأَنزَلَ نارًا ثلاثَ مرَات .

   ما أَعظَمَ مَجدَكَ يا إيليَّا بِعَجائِبِكَ ! ومَن لَه فَخرٌ كفَخرِكَ؟.

   أَنتَ الَّذي أَقَمتَ مَيتًا مِنَ المَوت ومِن مَثْوى الأَمْواتِ بِكَلامِ إلهِكَ،

   وأَهبَطتَ المُلوكَ إِلى الهَلاك والعُظَماءَ مِن أَسِرَّتِهم،

   وسَمِعتَ في سيناءَ عِتابًا وفي حوريبَ أَحْكامَ اْنتِقام،

   ومَسَحتَ مُلوكًا لِلمُجازاة وأنبِياءَ خُلفاءَ لَكَ،

   وخُطِفتَ في عاصِفَةٍ مِن نارٍ مرتقيًا في مَركَبةِ خَيلٍ نارِيّة،

   واَكتُتِبتَ في إنْذاراتِ الأيَّام الآتِيَة لِتُسَكِّنَ الغَضَبَ قَبلَ اْنفِجارِهِ وتردَّ قَلبَ الأبِ إلى الاْبن وتُصلِحَ أَسْباطَ يَعْقوب.

   طوبى لمَن عايَنَكَ ولمن رَقَدَ في المَحبَة فإنَّنا نحنُ أيضًا نَحْيا حَياةً."

   يشوع بن سيراخ (1:48-11)

   "قم يا رب واحكم في الأرض" !!...

   "وقام إيليّا النبيُّ كالنّار وتوقّد كلامُه كالمِشْعَل"...

   غارَ غيرةَ رجالِ الله الّذين حاكَ الإلهُ لهم كلماتِهم من سيفِ كلمتِهِ ونور هيأتِه، ضياءً يضرِبُ بها عتماتِ سراديبِ نفوسهم البشريّةِ.

   "من صدّقَ خبرَنا ولِمَنِ استُعلِنَتْ ذراعُ الرّبِّ"؟!..

   لا يملكُ قدرةَ نطقِ كلمةِ الحقِّ، إلاّ الّذي يقبلُ تأديبَ الرّبِّ، مُحْنيًا رأسَه عند قدميهِ.. فالكلمةُ الإلهيّةُ تطلُعُ من أديمِ الأرضِ الّتي أوجدَها الإلهُ وألبسَها رداءً، يُلقيه على كتفَي مختاريه، ليحملَهم إلى أعالي سماءِ السّموات، الّتي يسكنُ هو وحدَه فيها مع الّذين أحبّوه، وأَطاعوه فرفعَهم إلى صليبِ قيامتِه بتجاربَ وضيقاتٍ وضرباتٍ وجلداتٍ، لا يحتملُها إلاّ الّذين أُعطوا منه النّارَ لِتُذيبَ كلَّ شبهِ عفنٍ من طحلبيّةِ النّفسِ الّتي تلطَّخَتْ بعشْقِ عمارةِ هذا العمرِ والعالمِ، الّتي ورثوها وهم لا يعرفون، ليُفاجئهم نتنُهم فيصوموا ويجلِسوا في المسوحِ والرّماد، يُعولون.

   وقام "إيليّا" نبيُّ الله لينقّيَ بيادرَ شعبِهِ المترامي الأطراف في الأرض... فوجدَهم يخلطون القمح بالزؤانِ ويبيعونه خبزَ تقدمةٍ على مذبحِ الرّبِ، وطعامًا للأراملِ والأطفالِ وفقراءِ الأرضِ الّذين لا يشترون من مخازنِ الأغنياءِ، لأنَّ الطرقاتِ إليها مقطوعةٌ بحُرّاسِها، الكلابِ المسعورةِ بأكلِ اللحومِ وشربِ دمائِها!!.

   وصرخَ إيليّا: "ويلي لقد صارَ شعبي طعامًا للدّودِ من اختلاطِ ذبائِحهم بذبائِحِ أوثانِ الأممِ... فجلَبَ عليهم الجوعَ، وماتَ من أَفسَدَ طعامَ شعبِهِ وبغيرتِه جعلَهم نفرًا قليلاً حتّى لا يكثُروا فيستكبروا."

   "ويَبقى سبعةُ آلافٍ لم يُحنوا ركبةً لبعل"!!.

   ها وَثَنُ المالِ في هذا العالمِ يُطلُّ مُخضَّبًا بدمِ وثنِ السّلطةِ وحبِّ الرّئاسةِ، وامتهانِ الكذبِ والحلفانِ بربِّ الأربابِ، إلهًا وخادمًا لهم، وفي جعلِ خطايا وجهالات الشعبِ مسكِنًا يسكنون فيه وحدهم.

   واجترأ "إيليّا" نبيُّ الله على شعبِه فأنْزَلَ نارًا ثلاثَ مرّاتٍ فأحرَقَتْ حجارةَ هياكِلِهم وقصورِهم والحيّاتِ الذّهبيةَ المرقطةَ بالحجارةِ الكريمةِ، حاملةً زُعافَ السُّمِّ ليموتَ من يُنادِمُها. فارعَوَى بعضُ من عاينوا... ثم نَسوا أنّ لهيبَ النّارِ سيطالُهم هم أيضًا... ونظرَهم "إيليّا" بعد انقضاءِ أيّامِ نبوَّتِه لهم، فصرخوا ليُرجِعوه إليهم، إذ أَحسّوا أنّهم أذنبوه وأطاعوه كَذِبًا، ليبقى بينهم مُعيلاً فتيانهم وفتاياتهم! وما طفِقَ شعبُه يحيا ويكذِبُ حتّى تشتّتوا في أرضِ الأحياءِ كلِّها... فرماهم الإلهُ الغيورُ من قبضةِ يدِهِ...

   أخلاهم من بينِ أصابِعِه، فصاروا حبّاتِ رملٍ إذا ديسَتْ تُخْرِجُ سُمَّها من أفواهِها لِتُميتَ كلَّ من يقربُها.

   وصمَتَ كلُّ أهلِ الأرضِ... ثم رفعوا هاماتِهم وأصواتَ حلوقِهم... "ما أعظمَ مجدَكَ يا إيليّا بعجائِبِكَ!. من له فخرٌ كفخرِكَ؟!. أنت الّذي أقمْتَ ميتًا من الموتِ، ومن مثوَى الأمواتِ بكلامِ العليِّ. وأهبَطْتَ الملوكَ إلى الهلاكِ والعظماءَ من أسرّتِهم".

*  *  *  *  *  *  *

   وبَقيَتْ نارُ حبِّكَ للإلهِ يا إيليا تأكُلُ هشيمَ الأرضِ وقشَّها!!.

   نظرْتَ حولَكَ... فأفاقَكَ ربُّكَ أنّ في الحياةِ موتًا وفي الرّقاد قيامةً!!. فسكّنْتَ عتوَّ مسيرَتِكَ متمتمًا: "ارحمْني يا الله كعظيمِ رحمتِكَ"... وخفْتَ يا "إيليّا" من تسلّطِ وحدةِ رأيِكَ، فدخلْتَ مغارةَ دفنِكَ، مُجرِّبًا سماعَ حركةِ الموتِ في أعضاءِ جسدِكَ وحسِّكَ. وقلتَ: هأنذا ابتعدْتُ عن سيّدي لأنّي سمِعْتُ قولةَ حسّي وانتفاضةَ جسدي ونسيتُ أنّي أشيخُ وحدي.

   فاخترْتَ "إلياسَ" لكَ "أليشَعَ" جديدًا... قارَبْتَه بقلبِكَ هامسًا في أذنِ قلبِه ... "هل تحملُ سيفَ حبّي لكَ إرثًا لإلهِكَ... ولا تقتلُ كهنةَ البَعْلِ، كي لا تختبئَ من مبغضيكَ مثلي؟!... بل احملْ رداءَ إلهِكَ إذ أُلقيه عليكَ مُخضّبًا بالدّمِ، وحوِّلْه إلى ميراثٍ لكَ ولكلِّ الّذين أُرسلُهم إليكَ، لتعلّمَهم طرقَ الرّبِّ فلا تعثرَ رجلُهم بخطيئةِ كبرياءَ، أو بتهاونٍ لأنّي أنا فيهم، ربُّهم فيَّ اصطفى مُقامَه!"...

   وارتحلَ "إيليّا" النّاريَُ الهيئةِ والفعلِ والكلمةِ. صعِدَ تاركًا عباءةَ مُلكِه الحمراءَ، المخضّبَةَ بدمِ الشهادةِ "لإلياس"، حتّى يلتحفَها جبّةً سوداءَ في الهيكلِ، وغطاءً في ليلِه، وجواربَ حمراءَ يدورُ بها مثلَ "اسبيريدونسَ العجائبيّ" ليُطعمَ الجوعى، ويُبلسِمَ الجراحَ، ويُهدّئَ روعَ الخطأةِ، ويعودَ سائلاً: أهيأتي النّحيلةُ الحجمِ ستحملُ "إيليّا" نبيَّ الله نبوءةَ مُلْكٍ وإرثًا له ولأولادِه الرّوحيّين، الّذين قطّعوه مأكلاً لحياتِهم، إرْبًا إرْبًا، قُربانًا للاستمرارِ؟!.

   "عجيبٌ هو الله في قدّيسيه!!".

   يا أبانا إلياس، يا ابنَ الأنبياءِ وخليفتَهم في قولِ كلمةِ الحقِّ. يا من نعيّدُ له اليومَ طالبينَ منه أن يَشْلَحَ علينا عباءةَ شفيعِه النبيِّ إيليّا ويأخُذَنا معه، لا في مركبةِ خيلٍ حمراء، بل في دموعِ صلاتِه المتفجّرةِ من عمقِ أعماقِ الحشا.

   يا من أخذتَنا، لتُكتَتَبَ معنا في دفاترِ الملائكةِ السّماويين عند ملكِ الملوكِ وربِّ الأربابِ، في جلسةِ الثالوثِ القدّوسِ.

   وإذ سجّلْتَنا في دفاترِ روحِ الثالوثِ، أعدْتَنا إلى الأرضِ الّتي منها وفيها خُلِقْنا قائلاً: "احرصوا أن تبقوا أنقياءَ القلبِ والقصدِ والثباتِ".

   "كونوا أمناءَ للمواعيدِ الّتي أمّنَنا الرّبُّ يسوع عليها.

   الأيّامُ تُقَصَّرُ والإنذارتُ الإلهيّةُ تتتالى، فلنُسكِّنِ الغضبَ الآتيَ علينا وعلى كلِّ ذي روحٍ في جسدٍ..."

   وسجَدْتَ... ورأسُكَ ملامِسٌ ترابَ كنيستِكَ ونحن وراءَكَ نعيدُ بصوتِكَ الصّلاة:

   "يا أبانا لا تصرفْ وجهَكَ عنّا، بل انظرْنا بعينَين ساهرتَين.

   ردَّ دموعَ الشوقِ لكَ إلينا... أنتَ كنتَ مجيرَنا من غضبِ بليعال، أدخَلْتَنا خيمةَ عهدِ حُبِّكَ لنا... أنقذْتَنا من الأيدي الأثيمةِ الّتي تحتالُ علينا ومِنَ الأغنياءِ والحكّامِ الظالمين... أطعَمْتَنا خبزَ العبراتِ نادمينَ على تركِنا خِباءَ عهدِنا معكَ...

   نحن خطئْنا وأثِمْنا وأنتَ أقفلْتَ عينَكَ بكفّكَ حتّى لا ترى احتيالَ شهواتِنا تدمّرُنا والشيطانَ يقهقِهُ علينا.

   يا أبانا ردَّنا إليكَ فأنتَ وحدَكَ المعينُ المجيرُ، الّذي يجبُرُ ضغفَنا، ليسربلَنا حلّةَ خلاصِنا، لأنّكَ هكذا وعدْتَنا في مبرّاتِ رحمتِكَ!...

   لِذا صُلِبْنا معكَ عن خطايانا وعنكَ لأنّكَ أحببتَنا، نحن حُثالةَ الأرضِ الّتي لم تحضّرْ تربتَها لاستقبالِكَ وزرعِ كلمةِ حقِّ الإنجيلِ فينا.

   لا تحاسبْنا يا الله لأنّكَ أنت الأبُ الكليُّ الرّحمةِ والرّأفةِ والغفرانِ لزلاّتِنا... ردَّ قلبَكَ إلينا مسمِّرًا خطايانا على جبينِكَ، فنستضيءَ يا أيّها النّورُ بنورِكَ أنت، لا بِذُلِّنا...

   نحن قاوَمْناكَ وتُبنا... أبعدناكَ لنعبُدَ أهواءَنا... والآنَ نحن سُجَّدٌ وراء الّذي أنت اخترْتَه أبًا لنا... فعلِّمنا أن نحبَّكَ في أبينا وأن يحمِلَنا إليكَ في كلِّ عيدٍ من أعيادِ شفيعِه وصفيِّكَ ونبيِّك "إيليّا الغيور"!!...

   "فطوبى لمن عاينَكَ ولِمَنْ رَقَدَ (قبلَنا) في التّوبةِ إليكَ وفي المحبَّةِ!!. فإنّنا نحن أيضًا نحيا حياتَكَ، الآن فينا ولنا"...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

26 تموز 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share