بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
أحد الأرثوذكسيّة.
وجهُ الإلهِ
أيقونةٌ...

أنا هو الّذي هو!!... (خروج ٣: ١٤).

   الكائنُ الّذي كان وهو كائنٌ وسيكونُ... الّذي لا اسمَ له ولا هيئةَ، إلاّ هو!!...

   الّذي تصوّرَ كلمةً من البدءِ الّذي لا بدأةَ له، ليصيرَ ما كان وهو الكائنُ، كلمةً من نُطْقِ الخالقِ، وهو الخالقُ الّذي هو، الّذي كان وهو كائنٌ في الكينونةِ الّتي هي هو... الّذي لا اسمَ له إلاّ هو...

   الّذي وهو الله الخالقُ نطقَ الحياةَ اسمًا له...

   وكانَ الكلمةُ اسمَ الله الآبِ في الابنِ الّذي، وهو الجالسُ في حضنِ الآبِ الإلهِ، كان في الله ومعه منذ بدءِ البداءةِ، وتجسّدَ، في ملءِ الزّمن، من البتولِ وصارَ الإلهَ الإنسانَ يسوعَ المسيحَ، "عمّانوئيلَ"، الله معنا، ليلِدَ بالرّوحِ القدسِ كلَّ من آمنَ به، ليصيرَ بالنّعمةِ والحبِّ الإلهيِّ طاقةَ طاعةٍ وحبٍّ وصيرورةَ حياةٍ للإِلهِ الآبِ في الابنِ!...

*  *  *  *  *  *  *

   هكذا يأتينا صومُنا الأربعينيّ الكبير مَدْرَجًا نتلبَّسُهُ خطوةً خطوةً للوصولِ إلى الرّبِّ يسوعَ... المعلّقِ على صليبِ المجْدِ ليخلِّصَ بآلامِهِ الطّوعيّةِ كلَّ من وَرِثَ أو سمِعَ نُطْقَهُ ليقولَ النّعمَ، متى ارتضى إلهَهُ مشبوحًا عاريًا على الصّليبِ، إلهًا من الإلهِ، الآبِ، ليصيرَ هو بميراثِ النّعمةِ إنسانًا متألِّهًا، إن عَرَفَ بالسّماعِ أنّ عمّانوئيلَ يناديه ليصيرَ له صنوًا وحبيبًا من محبّةِ الله الآبِ، خلوًّا من أيِّ فسادٍ...

   اليومَ يندرجُ هذا الحبُّ العظيمُ مُزَيّحًا في أيقونةٍ... صورةُ الوجهِ المطبوعِ على كفنِ موتِ الحياةِ، ليُصْبِحَ لكلِّ السّاعين إليه هو وجهَهم واسمَهم فيبدأوا النّطْقَ بألسنةٍ غريبةٍ وأفكارَ غريبةٍ وتعابيرَ وأسماءَ غريبةٍ الّتي من الرّوحِ القدسِ...

   واليومَ، تاليًا، يخرجُ يسوعُ الإلهُ من الإلهِ إلى الجليلِ ليجدَ "فيليبُّسَ" فيقولَ له: اتبعْني *

   وقامَ "فيليبُّسَ" الّذي من بيتَ صيدا، من مدينةِ أندراوسَ وبطرسَ، فوجدَ فيليبُّسُ نثنائيلَ فقالَ له: إنّ الّذي كتبَ عنه موسى في النّاموسِ والأنبياءُ قد وجدناه وهو يسوعُ... وضُربَ نثنائيلُ الإسرائيليُّ، الّذي عرفَهُ يسوعُ وهو تحت التّينةِ جالسًا، بالشّكِّ...

   كان ينتظرُ مجيءَ الّذي كان ينتظرُهُ، الّذي لم يعرفْهُ والّذي خبّرَ عنه موسى والأنبياءُ... وإذ رأى يسوعُ نثنائيلَ مُقبلاً إليه، قالَ عنه: "هذا إسرائيليٌّ لا غشَّ فيه"... ارتجّتْ روحُهُ... خافَ... فصرخَ به صامتًا: "من أين تعرفُني؟!"... أي من أنتَ حتّى تعرفَني؟!... أجابَ يسوعُ بهدأةِ الواثقِ، العارفِ، الّذي هو هو الإلهُ الّذي لا يتزعزعُ... "قبلَ أن يدعوكَ فيلبُّسُ وأنت تحتَ التّينةِ رأيتُكَ"... ثمّ عادتْ فارتجّتْ نفسُ وعقلُ وإدراكُ "نثنائيلَ" أمام يقينِ الأُلوهةِ ولمسِه وعمقِ إدراكِ قلبِهِ، فشَهِدَ وقالَ له: "يا معلّمُ أنتَ ابنُ الله، أنتَ ملكُ إسرائيل"!!...

   "من هو الإنسانُ حتّى تذكرَهُ... مَن الإنسانُ حتّى تفتقدَهُ؟؟. أنقصتَهُ قليلاً عن الملائكةِ، بالمجدِ والكرامةِ كلّلتَهُ!!" (مزمور ٨: ٤-٥).

   الرّبُّ الإلهُ إذ يكلّلُ مخلوقَهُ الإنسانَ بالمجدِ والكرامةِ، فإنّهُ بلا وعيِ الإنسانِ ومعرفتِهِ وحتّى استئذانِهِ، يصيّرُهُ وجهَهُ هو!!...  يُدرجُهُ في ترابيّةِ حيوانيّتِه ليصيّرَهُ مشروعَ إلهٍ...

   يُصعدُهُ إلى صليبِهِ هو!!. إلى ملءِ معرفتِهِ بالألمِ!!. لأنّ الألمَ بعد السّقوطِ صارَ للإنسانِ معموديّةَ حبٍّ للإلهِ!!...

   "منذ شبابي آلامٌ كثيرةٌ تحاربُني... لكن أنت يا مخلّصي أُعضدني وخلّصْني"...

   كيف يخلِّصُ الإلهُ الإنسانَ؟!...

   بالانتماءِ... بإقرارِ الإنسانِ واعترافِهِ أنّه وُلدَ من جنبِ وبطنِ الإلهِ المعلّقِ على صليبِ مجدِهِ، إذ لَبِسَ، وهو الإلهُ، الآلامَ البشريّةَ، ليصيرَ للبشريّةِ متألّمًا منها، في حبِّهِ لها ليرفعَها إلى ملءِ قامتِهِ هو... إلى ملءِ الصّليبِ الكريمِ المحيي!!.

   "لأنّه بالصّليبِ أتى الفرحُ لكلِّ العالمِ"...

   والّذين لم يسمعوا باسمِ يسوعَ ولم يُدركوه... كيف لهم الخلاصُ به؟!...

   "إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفالِ فلن تدخلوا ملكوتَ السّمواتِ" (متى ١٨: ٣)...

   بطفولةِ وإيقانِ الرّضيعِ بحبِّ أمِهِ لإرضاعِهِ متى جاعَ... واحتضانِ الأبِ لابنِهِ ليعلّمَهُ فيسيرَ معه مشوارَ الحياةِ، يحيا الإنسانُ حبًّا من حبِّ الإلهِ!!...

   اليومَ نحملُ وجهَ السّيّدِ الإلهِ يسوعَ المسيحِ وأمِّهِ العذراءِ مريمَ وسابقِهِ وبعضِ رسلِهِ وأنبيائِهِ وتلامذتِهِ ونزيّحُهم لنقولَ للعالمِ... هذه هي شهادتُنا أنّنا نحن عرفْنا وأدركْنا أنّ لنا إلهًا واحدًا وربًّا قدّوسًا واحدًا، يسوعَ المسيحَ ابنَ الله الوحيدَ والمعادلَ له في البدأةِ والرّبوبيّةِ والجلسةِ... وأنّ هذه هي عائلتُنا، وإليها نرجعُ بعد الابتعادِ عنها في خبرةِ بحثِنا عن أنانا!!...

   اليومَ نصيرُ، أو نعودُ لنصيرَ أطفالًا حاملين حياتَنا وخلاصَنا مزيّحين حضور الرّبِّ يسوعَ فينا ومعنا... صارخين: "لصليبِكَ يا ربّي نسجدُ ولقيامتِكَ المقدّسةِ نسبِّحُ ونباركُ"... نمشي متعلّقين بالوجهِ والخشبةِ الّتي يسوعُ مصلوبٌ فيها وعليها، متمسّكين بأذيالِهِ وهاتفين بفرحِ اللُّقيا والحبِّ والانتماءِ هذا إلى الملكوتِ الكليِّ على الأرضِ:

   تعالَ يا ربّي تعالَ!!. أيّامُ عمرِنا فنيتْ بالباطلِ، فلا تتركْنا نَبعدُ عنكَ لئلاَ يأكلَنا الذّئبُ العقليُّ، فيجرَّنا وراءَ حبِّ هذا العالمِ والبحثِ عن "أنانا"، فننسى حياتَكَ المعلّقةَ على الصّليبِ، بسببِ جنوحِنا إلى الخطيئةِ...

   اليومَ نحملُكَ "أيقونةً" لوجودِنا على الأرضِ... ها كلَّ سنةٍ تأتينا ونحن غرقَى في محبّتِنا لذواتِنا... علِّمنا أن نراكَ يا إلهَنا في كلِّ وجهٍ... في كلِّ إنسانٍ... فيكَ أنت معنا في أيّامِ حياتِنا ومعلّقًا على الصّليبِ لتَفتديَنا...

   علّمْنا أن نقبلَ سقوطَنا فنخرجَ منه إليكَ، بصليبِكَ...

   علِّمنا أن نسمعَكَ فنقولَ لكَ "النّعمَ" إذ تنادينا... نأتيكَ لنتعلّمَ منكَ بذلَ الحبِّ والصّلاةِ لأجلِ عالمِكَ...

   لقد سقطْنا يا ربّي في جبِّ الحمأةِ وليس لنا خلاصٌ إلاّ بكَ...

   نحن بحاجةِ إليكَ يا أبانا... إليكَ نصرخُ في اللّيلِ والنّهارِ فلا تتركْنا إلى الانقضاءِ، لأنّنا منكَ نرضعُ الحياةَ لنتغذّى بكلمتِكَ وحبِّكَ لنا... فلا تتركْنا... بل تعهّدْنا لأنّه ليس لنا إلّاك...

   استمعْ يا ربّي تنهداتِ قلوبِنا وارحمْنا... سامحْنا وأعدْنا إليكَ يا إلهَنا وسيّدَ حياتِنا... فنراكَ أيقونةً لحبِّكَ لنا... نحملُكَ كلَّ أيّامِ حياتِنا وحتّى نلتقيكَ في مجدِ مُلكِكَ...

   آمين... ثمّ آمين... ثمّ آمين...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

20 أذار 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share