الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد العشرون
بعد العنصرة.
لهم عنصرةُ الصّليبِ!...

   هكذا، أتى الرّبُّ خاصّتّهُ، وخاصتُهُ لم تعرفْهُ ولم تقبلْهُ!!.

   أيُّ إلهٍ عظيمٌ مثلُ إلهِنا؟!...

هكذا نعرفُهُ، هكذا نقبلُهُ معلّقًا على صليبِ مجدِهِ ليقلبَ مفاهيمَ الرّؤساءِ والسّلاطينِ والحكّامِ والأغنياءِ والأباطرةِ وعظماءِ هذه الأرضِ...

   اليومَ تندرجُ وصايا الرّبِّ يسوع وكلماتُهُ في إنجيلِهِ، في كتابِهِ الّذي إن لم  يبتلعْهُ  كلُّ صارخٍ أحرفَهُ، فلن يعرفَ ولن يدركَ ولن يرى وجهَ الإلهِ السّاكنِ في حشاه ليصيرَ قصدَهُ...

   أن نؤمنَ به ربًّا وإلهًا، وحيدَ الآبِ، ذاكَ يَعني أن لا نسمعَ إلّا صوتَهُ، ولا نفهمَ إلّا كلماتِهِ، ولا نلقى إلّا وجهَهُ مدمًّى على الصّليبِ.

   لماذا العودةُ دومًا إلى الصّليبِ؟!. لأنّ الآبَ أولدَ الابنَ منذ الأزلِ منه وفيه ليحملَ حبَّهُ في ذاتِهِ إلى الكونِ المصلوبِ بهِ وحدَهُ، وليتجسّدَ الحاملُ عمقَ نورِ الولادةِ والحياةِ المبروءةِ من وعلى الطّاعةِ بثمرةِ الحبِّ ذاكَ، الّذي هو "الألمُ"...

   على الصّليبِ ماهى يسوعُ نفسَهُ مع خليقتِهِ باختيارِهِ آلامَهم سترًا له ليبيّضَها لهم...

   من الصّليبِ يهربُ كلُّ من لا يقبلُ ذاك الحبَّ المجروحَ الموسومَ بختمِ الألوهةِ والموتِ المحيي الّذي يقدّمُهُ الإلهُ لنا...

   في إنجيلِ الرّسولِ لوقا اليومَ، تتمُّ خطبةُ الحياةِ والوداعِ والحبِّ بالوصايا الإنجيليّةِ الصّائرةِ لكلِّ طالبِ حبِّ الرّبِّ لخطبتِهِ، عريسًا لنفسِهِ...

   اليومَ، يُعيّنُ الرّبُّ سبعينَ آخرين ليُطلقَهم مُبشّرين له... المهمُّ أن تتكمّلَ الكلمةُ بالبشارةِ... المهمُّ أن لا تتوقّفَ مسيرةُ الحبِّ الإلهيِّ للبشريّةِ بتغافلِ جماعةٍ أو أفرادٍ لا يريدون حملَ ثقلِ الصّليبِ...

   الرّبُّ يسعى... يمشي... ولا يتوقّفُ حتّى يكمِّلَ دربَ بشارتِهِ... لا وقتَ، فالشّرّيرُ الّذي سقطَ من النّورِ الإلهيِّ يريدُ أن يُسْقِطَ كلَّ آدمَ وكلَّ حواءَ في مَسَرَّةِ ورضى وحبِّ أنفسِهم أكثرَ من الإلهِ وأكثرَ من كلِّ الّذين يحيَون معهم وحولَهم...

هكذا صارَ التّناطحُ واضحًا بين الّذين يريدون والّذين لا يريدون قولَ "النّعمِ" ليسوعَ...

الرّبُّ لا يريدُنا مجزّئين... يريدُنا أن نأتيَهُ بكليّتِنا السّاقطةِ بسببِ إغراءاتِ ملاكِ الشّيطانِ، الّذي يرينا، وما زالَ، سلطةَ الأهواءِ علينا لربحِنا وجرِّنا إليه... يطعمُنا، يُتْخِمُنا حتّى نَعمَى عن خطايانا للاستغراقِ في سُكنى الحفرِ لنرى واقعَنا في مرايا أنفسِنا، لا في مرايا الإلهِ وكلمتِهِ ووصاياهُ وحياتِهِ على الصّليبِ...

   همُّ الشّرّيرِ كان وما يزالُ حتّى اليومَ أن يغيِّبَ وجهَ "الألمِ" المحيي مِن على الصّليبِ فلا نسعى إليه... بل يخلقُ لنا كلَّ أنواعِ الصّلبانِ الأخرى الّتي تجرُّنا إلى عبادةِ أنفسِنا وتحقيقِ أطماعِنا حتّى في كنائسِنا، وأديارِنا وبيوتِ عبادتِنا وتعليمِنا وحياتِنا بكليّتِها، ليملأها بالفارغِ المدمِّرِ للبساطةِ والفرحِ بالمسيحِ.

   اليومَ، يختارُ الرّبُّ، بل يُعيِّنُ آخرين ليرسلَهم اثنين اثنين إلى البشارةِ، أمامَ وجهِهِ ليهيّئوا الطّريقَ قدّامَهُ...

   اليومَ، الوقتُ قَصُرَ والنّهاياتُ تقربُ ونحن ما زلنا نعاني البلادةَ وعدمَ الفهمِ وعدمَ السّماعِ لاتّباعِ الإلهِ إلى ما يريدُهُ هو منّا، لا إلى ما نريدُهُ نحن لأنفسِنا منهُ...

   وعادَ "فرجعَ السّبعون بفرحٍ قائلين: يا ربُّ، حتّى الشّياطين تخضعُ لنا باسمِكَ... [...] لا تفرحوا بهذا أنّ الأرواحَ تخضعُ لكم، بل افرحوا بالحري أنّ أسماءَكم كُتبتْ في السّمواتِ"...

*

   الإنسانُ بطبيعةِ ولادتِهِ وحتّى سقوطِهِ ليومِ رجوعِهِ إلى الآبِ والابنِ والرّوحِ القدسِ، تائبًا عن كلِّ ما سقطَ به، لم يفهمْ معنى الفرحِ هذا المنزّهِ عن كلِّ وجوديّةٍ ملموسةٍ لحياتِهِ...

   الإنسانُ في جسدِهِ يريدُ أن يلمسَ مثلَ "توما" جنبَ يسوعَ ليدخلَ داخلَ حجابِ صمتِ الإلهِ الّذي يعاني منه الإنسانُ، الّذي سقطَ من ملوكيّةِ وملكيّةِ الآبِ للابنِ بالرّوحِ القدسِ، تاركًا الّذي تجسّدَ الإلهُ لأجلِهم، بعيدًا عن تلكَ الأقنوميّةِ العائليّةِ الّذي كان يودُّ أن يصيرَ وهو الإنسانُ السّاقطُ رابعَها...

   حجابُ صمتِ الإلهِ لم يخترقْهُ الإنسانُ... سِرُّ التّجسّدِ من حشا عذراءَ، لم تعرفْ رجلاً، معضلةٌ وجوديّةٌ لم يستطعْ أيُّ فردٍ مدّعٍ المعرفةَ أن يفقهَها... كلماتُ البشارةِ الّتي نطقَ بها الصّبيُّ ابنُ مريمَ ليعلِّمَ ويفقّهَ بها شعبَهُ لم تقبلْها لا أذهانُ ولا قلوبُ ولا علمُ فقهاءِ المعرفةِ الّتي للفرّيسيّين والكتبةِ وكلِّ الّذين سطّروا العهدَ القديمَ مترجمين أقوالَ وأفعالَ الإلهِ في العصورِ السّالفةِ، ليأتيَهم إلهًا جديدًا، مولودًا بالبشرةِ وسائرًا بينهم بفقرٍ ووداعةٍ ليؤدِّبَهم على خفايا ونوايا أنفسِهم وقلوبِهم واستنباطاتِ عقولِهم واختراعاتِهم...

   في مواعيدِ اليومِ، كما في كلِّ كلمةٍ منطوقةٍ، يقفُ كلُّ بشريٍّ بكلِّ فكرِه وكلِّ فعلِه وكلِّ معرفتِهِ محتارًا ومسائلاً نفسَهُ والكتبَ... "كيف نعرفُ ونحن لا نفهمُ ما يقولُهُ لنا "المعلّمُ"؟!"...

   فيجيبُهم يسوعُ إذ يسمعُ تسآلَ قلوبِهم شاكرًا الآبَ ربَّ السّماءِ والأرضِ لأنّه أخفى هذه عن الحكماءِ والفهماءِ وأعلَنَها للأطفالِ...

   "مَنِ الحكيمُ، مَنِ الفهيمُ، مَنْ مَباحثُ هذا الدّهرِ؟!"...

   هم أولئك الّذين يتكلّمون ليسمعوا صوتَ عقولِهم ونفوسِهم!. الّذين لا إلهَ لهم إلّا ذواتهم العاشقةَ ذاتَها، فيعرفون أنّهم إن تكلّمَوا فسيقولُ النّاسُ عنهم... "هؤلاء هم العارفون"... أمّا الصّامتُ فيقولون عنه إنّه  غبيٌّ لم تَعلقْ عليه كلماتُ  العلمِ وهو لا يحلِّلُ ولا عندَهُ ما يقولُهُ ولا ما يعلّمُ به... وتتّسعُ دوائرُ المعرفةِ لهؤلاءِ الأقوامِ حتّى تمتلئَ السّمواتُ والأرضُ بضجيجٍ يمنعُ شروقَ نورِ الشّمسِ، لأنّ العلماءَ يريدون أن يُثبتوا أنّهم أقوى من خلقِ الله وأنّهم يطالون بعلمِهم رِحابَ الرّبِّ وأنّ باستطاعتِهم إطفاءَ نورِ الحياةِ...

   أمّا البسطاءُ فمن هم وماذا يقولون؟!. هم الّذين يعرفون أنّهم أغبياءُ وأنّ لا معرفةَ عندَهم، فيسعَون إلى الإلهِ الرّحيمِ وحدَه، إلى الإلهِ المصلوبِ، يُماهون أنفسَهم معه على الصّليبِ لأنّ إخوتَهم في العالمِ صلبوهم، لأنّهم لا يُدركون لغاتِ وعلومَ العصرِ ولا مالَ لهم ولا قصورَ ولا مراكزَ ولا مراتبَ ولا قوّةَ الاختراعاتِ لتجعلَهم أباطرةً في عالمِ الموتِ هذا...

   البسطاءُ هم الّذين يصدّقون ما يقالُ لهم، الّذين إنْ سمعوا يسمعون بقلوبِهم، وإنْ رأوا يرَون بعيونِ آبائِهم، وإنْ أخطأوا يُخطئون لأنّهم ضعفاءُ، ولا يلومون أحدًا، لكنّهم يهرعون ليشكوا الشّرّيرَ الّذي فيهم، الّذي جعلَهم، لقلّةِ جهادِهم، يسقطون فيدينون أنفسَهم ولا يبرِّرونها...

   البسطاءُ هم الّذين إذا استخدمَهم النّاسُ وضربوهم، يديرون لهم الخدَّ الآخرَ وإذا لم يكونوا بعدُ قد بلغوا مستوى الرّوحِ هذا، يقبلون، فيبكون وينوحون على خطاياهم...

   البسطاءُ هم الّذين إذا عُيِّروا بمحتدِهم أو بماضيهم أو بلباسِهم، فإنّهم لا يُعاتبون ولا يُدافعون عن أنفسِهم، وإذا سُرقَتْ أرزاقُهم يسامحون، لأنّ لهم غنًى أعظمَ لا يُدركونَه ولا يعرفونَهُ، بل يحسّون أنّهم محمولون بتلكَ النّعمةِ الّتي لا تقدّرُ ولا توصفُ وأنّ قوّةَ الله هي ستجازيهم خيرًا بخيرٍ من الخيرِ الّذي يفقهونه بحسِّ قلوبِهم... وإذا قالَ لهم أسيادُهم: ماذا لكم لتكونوا فرحين هكذا؟!... لا يُجيبون وإن نطقوا يقولون: "معونتي من عندِ الرّبِّ صانعِ السّماءِ والأرضِ!!".

   البسطاءُ هم الأطفالُ بالرّوحِ الّذين سرقَ منهم الشّرّيرُ روحَ التّبجّحِ بما عندَهم لأنّهم عرفوا جيلاً بعدَ جيلٍ أنّ قوّتَهم من عندِ الرّبِّ تُكمَلُ...

   البسطاءُ هم الّذين ليس عندَهم شيءٌ لأنّهم يملكون كلَّ شيءٍ... الحبُّ الّذي أودَعَهم إيّاهُ ربُّهم على خشبةِ صليبِ مجدِه إذْ ماهى نفسَهُ بهم قائلاً: "كنتُ جائعًا فأطعمتموني، عطشانًا فسقيتموني، عريانًا فكسوتموني" إلخ....

   البسطاءُ هم الّذين اختارَهم يسوعُ الرّبُّ فسمعوه وقالوا له: "أنت إلهُنا وآخرَ سواكَ لا نعرفُ واسمكَ نسمّي"... الّذين يحيون في هذا العالمِ وهم ليسوا منه، لأنَّ الرّبَّ كان قد سبقَ وكتبَ أسماءَهم في ملكوتِهِ، في السّمواتِ...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

18 تشرين الأول 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share