إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الخامس عشر من لوقا
غريغوريوس الثّاولوغوس.
رئيس أساقفة القسطنطينيّة.
"زكّا!!"...

   وامتدّ شعبُ اليهوديّةِ ساعيًا وراءَ يسوعَ ليسمعَ كلمتَهُ!... ليعرفَ من هو؟!. ليأكلَ خبزَ فريضتِهِ من روحِ الله الّذي شهِدَهُ نازلاً على رأسِهِ بهيئةِ حمامةٍ بيضاءَ تلتمعُ من نارِ ونورِ الثّالوثِ الّذي أعلنَ بصوتِهِ الّذي سيبقى هادرًا إلى أبدِ الأبدِ: "هذا هو ابني الحبيبُ الّذي به سُرِرْتُ فلهُ اسمعوا!!!".

   الجميعُ حين يُساقُ بحسِّهِ وراءَ معبودٍ جديدٍ آخرَ من معبوداتِهِ، هلْ يعرفُ إلى من هو ساعٍ؟!... ما مطلبُهُ؟!... ما قصدُهُ من اللّحاقِ؟، مِنْ الاستتباعِ؟، ومن يريدُ هو بالحقيقةِ؟!... عمَّن يبحثُ؟!... لماذا يركضُ خبطًا مجرورًا وراءَ الجماعةِ السّاعيةِ، وإلى أين؟!. هلْ يسمعُ "الصّوتَ" الخاصَّ المناديَهُ في حسِّ كيانِهِ وروحِهِ؟!...

   من يسوقُ أولئِكَ الّذين يجتمعون وما زالوا عبرَ التّاريخِ، كلِّ تاريخِ البشريّةِ وراءَ فكرةٍ، قائدٍ، وَعْدِ حياةٍ جديدةٍ ليصلوا إلى أين، بذاكَ الإنسانِ، أو الجماعةِ، أو الفعلِ، أو القصدِ أو حتّى التّقليعةِ المحتكمةِ في مخطّطاتِ الأنظمةِ الكونيّةِ لتجرَّ الإنسانيّةَ وراءَ معبودٍ جديدٍ من المعبوداتِ الّتي يخلقُها، بل يُفَبْرِكُها عقلُهم المريضُ، لإبعادِ الإنسانيّةِ عن العودةِ إلى مَنازعِها الأولى، إلى من كانت معه وإليه، إلى شطِّ أمانِها، إلى حقيقةِ الزّرعِ الإلهيِّ الّذي فيها والّذي فسدَتْ بذرتُهُ، لأنّها استُقَيتْ من مياهِ جوفِ وبطنِ الإنسانِ الّذي نسيَ أنّه هو قائمٌ ليكشفَ وجهَ خالقِهِ ومبدعِهِ كلَّ يومٍ من أيّامِ حياتِهِ على هذه الأرضِ وقبلَ أن ينضمَّ إلى جيلِ آبائِهِ وأجدادِهِ فيُصفِّدوا رجلَيهِ ويدَيهِ، ليربطوه مسوقًا مثلَ الحملِ إلى الذّبحِ، الّذي لم يفتحْ فاهُ، إلى قبرِهِ؟!...

   من يصرخُ حُجَّةَ الفناءِ، حُجَّةَ موتِهِ، حُجَّةَ ارتحالِهِ عن أرضِهِ، عن أرضِ الأحياءِ الّتي اقتناها بدمِ إلهِهِ معلَّقًا على صليبِ مجدِهِ ولم يبصقْهُ وتعاليمَهُ وشكَّهُ به ولو عشراتِ المرّاتِ في حياتِهِ؟!... ولكنْ إنْ ساقتْهُ يدُ العدوِّ، الغريبِ، فالإنسانُ لا يُسائلُ... بل يمشي مسوقًا مع ووراءَ غرائزِ طبيعتِهِ السّاقطةِ الّتي تجرُّهُ إلى الفناءِ والإفناءِ!!...

   هكذا وبمرورِ أيّامِ الولادةِ والغطسِ والحصادِ والعيشِ ما قبلَ الصّليبِ وفيه، بل معه، يحيا "إنسانُ الكتابِ" وما زالَ منذ آلافِ السّنين المؤلّفة دون أن يعرفَ من يتبع هو؟!. ولا من روحُ قائدِهِ الّذي أولدَهُ حياتَهُ وفكرَهُ ومنطقَهُ وقلبَهُ؟!...

   أمّا اليومَ فصارَ الحكمُ، لا للجماهيرِ ولا للقادةِ الّذين يختارُهم البشرُ من بينِهم ويُعلّوهم لمآربِهِم الخاصّةِ حتّى يحكموا هم بهم ومن خلالِهم... بل للخطأةِ والزّناةِ و العشّارين... لحثالةِ أرضِ الأحياءِ الكذبةِ الّذين يتعالى عنهم وعليهم شعبُ الله الحسنو العبادةِ...

   اليومَ يبدأُ رشحُ، روحُ وريحُ حُكْمِ الّذين تتفتّحُ في قلوبِهم كلمةُ إنجيلِ الخلاصِ من خطيئتِهم لخطاياهم حتّى يتوبوا عنها بوعيٍ إليه هو... يسوعَ الرّبِّ والمخلِّصِ وحدَه.

   اليومَ الجموعُ الغوغائيّةُ الزاحفةُ وراءَ سيّدِ الكلمةِ الإنجيليّةِ النّطقِ تُقاضي سيِّدَها لالتزامِه إنزالَ الخاطئِ من اشرئبابِ خطيئتِهِ من العُلى ليبقى فيها خاطئًا!!...

   اليومَ يُنزَلُ حبُّ يسوعُ وقلبُهُ المدمّى عن الصّليبِ لكلِّ خاطئٍ ولكبيرِ العشّارين "زكّا"... القزمِ الأرضيِّ، ليشفيَهُ وشعبَهُ الّذي أنكرَ إلهَهُ وحاجَّ سيّدَهُ منتقدَهُ منذُ ولادتِهِ، وما زالَ حتّى اليومِ يُسائلُهُ... لماذا يدخلُ هذا "القائدُ المعلّمُ" بيتَ عشّارٍ؟!. ونحن، أولياءَ البرِّ والحكمِ والهيكلِ والشّريعةِ، نكرهُ العشّارين باصقين عليهم، لأنّهم سرقوا أموالَ أراملِنا... وارتدَّ الصّوتُ إلى قلوبِهم من فكرِ يسوعَ:

   وأنتم أتعطونَ الأراملَ فريضةَ يومِهم حتّى تُلغوا دورَ العشّارين؟!. أنتم أتطعمونهم ذبائحَ مآدبِكم ليشبعوا، لا من الفتاتِ السّاقطةِ من موائدِكم بل من غنى ما ملكَتْ وتملكُ أيمانُكم؟!. أتتقاسمون ميراثَ الرّبِّ بينَكم وبينهم؟!...

   وبقيَ كبيرُ العشّارين "زكّا"، الغنيُّ بالموتِ والسّقوطِ المُعْلَنِ بعملِهِ، بوظيفتِهِ، معلِّقًا نفسَهُ على شجرةِ خلاصِهِ، الجمّيزةِ، على الصّليبِ الّذي اختارَهُ هو، فصعدَ إليهِ بإرادتِهِ... بمشيئةِ المعرفةِ، للتعرّفِ إلى ذاكَ المعلّمِ، قائدِ جماهيرِ إسرائيلَ الغوغائيّةِ التّابعتِهِ... إلى أين؟!...

   "زكّا" كان اسمَ رجلٍ، "رئيسِ العشّارين"... وكان غنيًّا... وكان يلتمسُ أن يرى يسوعَ... من هو؟!...

   من أنتَ؟!... "يا زكّا"؟!... لتُسائِلَ: من يسوعُ؟!... سَمِعْتَ عن يسوعَ من النّاسِ الّذين التقيْتَهم وأنت تمشي في الطّرقاتِ سِراعًا لتلتهمَ أرزاقَ وبيوتَ النّاسِ، كلِّ النّاسِ: الأغنياءِ والفقراءِ والأراملِ والعجزةِ والأيتامِ، لتوقدَ بها بطونَ وجيوبَ الحكّامِ والأنظمةِ والنّفوسِ الملتهبةِ بعشقِ السّلطةِ والمالِ وحبِّ الرّئاسةِ... أرأيْتَ رجلاً إذْ دخلْتَ منزلَهُ يعاقرُ الخمرَ سرًا ويأكلُ اللّحومَ ويذبحُ لأوثانِ السّلطاتِ والأغنياءِ وأصدقائِه؟...

   وافَيْتَ "يا زكّا" كلَّ أولئِكَ وما وافوكَ إلاّ باستغيابِكَ بعد خروجِكَ، تاركًا أصحابَ المالِ مثلَكَ قرفى مِنْكَ والفقراءَ يبكونَ فقرَهم عنكَ ويستجيرون بربِّ الصّباؤوتِ... "إلى متى يا ربّ نناديكَ ولا تستمعُنا"؟!...

   وصارَ السّماعُ اليومَ بالعبورِ!!...

   لا بدَّ من أن يعبرَ الملكُ حتّى يتبعَهُ الخدّامُ والحكّامُ وأولياءُ الشّريعةِ.

   اليومَ وحدَهُ "زكّا" أرادَ، بل طلبَ "أن يرى يسوعَ من هو؟!"...

   لِم؟!... ألأنّهُ وحدَهُ كان غيرَ مؤمنٍ إلاّ بمالِهِ ووظيفتِهِ وما عليه أن يعدَّهُ ليسكبَهُ في خزائنِ المتموِّلين مثلَهُ، وفي خزائنِهِ هو؟!...

   ألم يكن "إسرائيليٌّ" لا غِشَّ فيه مثل "نثانائيلَ" الّذي رآهُ يسوعُ وهو تحت التّينةِ؟!. ليصرخَهُ الحقيقةَ: أنتَ؟؟... بل "هوذا إسرائيلي حقًّا لا غشَّ فيه"... "قبلَ أن دعاك فيلبّسُ وأنت تحتَ التّينةِ، رأيتُكَ، فأجابَ نثنائيلُ وقالَ له: يا معلّمُ، أنتَ ابنُ الله أنتَ ملكُ إسرائيلَ"... أم مثل "توما" الّذي شدّتْهُ غيرةُ حبِّهِ "ليسوعِهِ" هو وحدَهُ... فأتاهُ يسوعُ باذلاً جرحَ جسدِهِ له: "تعالَ "وأدخِلْ يدَكَ" وإصبَعَكَ في جنبي ولا تكن غيرَ مؤمنٍ بل مؤمنًا"... أم مثلَ "بطرسَ" الّذي أجابَ بيقينيّةٍ: "أنا لا أعرفُ الرّجلَ"!!...

   ويلي... ويلي... مَنْ يُخلِّصُني من إنسانِ وجسدِ الموتِ هذا؟!... مِنْ ضميرِ الشّرِّ المحتكمِ في أعضاءِ قلبي، في حسّي وفي هذا الكيانِ المضروبِ، المصروعِ، المأفونِ؟!...

   وحدَهُ "زكّا" الغنيُّ، رئيسُ العشّارين، تابَ إلى معرفةِ ربِّهِ، فصرخَهُ: من أنتَ يا مسيحَ شعبي؟!. أُريدُ أن أعرفَكَ من أنتَ؟!...

   وصعِدَ "زكّا" العشّارُ بإرادتِهِ، بطوعيّةِ اختيارِهِ إلى شجرةِ الجمَّيزِ... إلى صليبِهِ!! ليُصلَبَ مع يسوعَ!! بل ليُصلَبَ على يسوعَ بكليّتِهِ!!.

   لكنَّ يسوعَ، في تلكَ اللّحظةِ بالذّاتِ وإذ ارتفعَ "زكّا" إلى الجمَّيزةِ الصّليبِ، من دونِ توبةٍ... من دون الخلاصِ بيسوعَ!... جعلَ يسوعُ يمرُّ به بسرعةٍ حتّى لا تختلطَ على "زكّا" الرّؤيا ما بين سقوطِ المصلوبِ الّذي هو هو كإنسانٍ عليه باختيارِهِ أي بالصّليبِ الّذي يأتيه المرءُ، بل كلُّ إنسانٍ تائبٍ بمعونةِ ربِّهِ وإلهِهِ، بعد الإيمانِ به بالكليّةِ وعيشِ حياتِهِ على طريقِ الخلاصِ الإلهيِّ، ليُنهيَ حياتَهُ عليه... وصليبِ الرّبِّ لكلِّ إنسانٍ منّا، علامةِ عرسِنا مع إلهِنا!!...

   اليوم يُنزلُ يسوعُ "زكّا" عن صليبِهِ الإنيِّ ليرفعَهُ على صليبِهِ هو أي على صليبِ الرّبِّ يسوعَ، لا على الصليبِ الّذي اختارَهُ هو ليبرأَ به من آلامِهِ من دون المعلّمِ، الرّبِّ الإلهِ، الفادي وحدَهُ.

   وناداه يسوعُ: "زكّا"... أسرعْ وانزلْ فاليومَ ينبغي لي أن أمكُثَ في بيتِكَ!!.

   وصرخَ الشّعبُ شاجبًا حُكْمَ يسوعَ!!.

   وطاردَتْ حقارةُ الإنسانِ الإنسانَ ليُدفِعَهُ ثمنَ خطيئتِهِ!!... بل اقتصاصِهِ من ناموسِهِ هو، المريضِ، لا بالتّوبةِ، بل بالقصاصِ إذ كرِهَ الإنسانُ أخاهُ ولم ينعطِفْ عليه ليُحبَّهُ...

   في تلكَ اللّحظةِ، انسكَبَ كلُّ زيغِ وقيءِ مرضيّةِ "زكّا" العشّارِ الغنيِّ أمام ربِّهِ!!. ردَّ المُلكَ المالَ، لأصحابِ المالِ والعشارةِ وعدمِ المحبّةِ والدّونيّةِ فقبلوا به!!... سامَحوه!!...

   لا... ليسوا هم الّذين قبلوا "زكّا" بسقوطِ حقارتِهم عليه، بل الإنسانُ الإلهُ، الرّبُّ يسوعُ المسيحُ المعلّمُ الّذي طوَّبَهُ قائلاً بعد ردِّهِ دينَ هذه الدّنيا لأصحابِها لا بطلبٍ منهُ، لكن لدفعِ فديةِ الّذين يدينون: "فقال له يسوع: اليوم حصلَ الخلاصُ لهذا البيتِ. لأنّهُ هو أيضًا ابنُ إبراهيمَ. لأنّ ابنَ البشرِ إنّما أتى ليطلبَ ويخلِّصَ ما قد هلكَ"...

   وخلُصَ "زكّا" بيسوعَ!!... إذ ضمَّهُ إلى مائدتِهِ، كما الابنُ الأصغرُ في مَثَلِ الابنِ الشّاطرِ... وأحبَّهُ!!.

   وها نحن واقفون الآن كلُّنا بلا وجلٍ... نحن الّذين نحبُّ يسوعَ، لنصيرَ كلُّنا طوعًا "زكّا" الطّالبَ المعرفةَ بالصّليبِ الحقيقيِّ للخلاصِ بيسوعَ المسيحِ وحدَهُ... آمين...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

25 كانون الثاني 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share