صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث بعد العنصرة
ميلاد السّابق المجيد
يوحنّا المعمدان


”لماذا أنتم خائفون يا قليلي الإيمان“؟!.. ”أنا قد غلبت العالم“ (يو 16: 33).

   

       هذا، كان... ولا بُدّ أن يكون ما حدّده الرّب لخليقته!!.


    وكان يوحنّا، مولود العقر البشريّ، الّذي كلّله الإله بالنّعمة، باذراً ثمرة الصّلاة المستميتة ”لزخريّا“، الكاهن النّبيّ، في حشا ”أليصابات“، لتثمر ”كاروز القفر“، ”سابق المسيح“ و”النّبيّ ٱبن النّبيّ“... يوحنّا، معمِّد الإله في نهر الأردن، والبشريّة بوعد الخلاص!!.


    ”من صدّق خبرنا ولمن ٱستُعلِنَت ذراع الرّب“؟ (إشعياء 1:53).


    هكذا، ٱرتحل يوحنّا صبيّاً... شاباً... راهباً، ناسكاً، مرسوماً وموسوماً بختم الإله، ليقيم في صحراء قدسه. يتعلّم الكلمة من الإبن ”الكلمة“... ٱبن الآب الوحيد، ومُعْلِناً عنه بالرّوح القدس، كلمةً لا ٱبتداء لها ولا ٱنتهاء، بل حرفُ نُطْقٍ إن خرج من فَمِ الله لايعود إليه خاويًا، فارغًا من معنى العمر والحياة فيه؛ إلى أن تُفرِغَ أحشاءُ البشريّة ذاتها من جحيميّة هذا العالم، وعِشْقِ محبّته أكثر من الخالق، لأنّ الإله الأزلي ماهى نفسَه مع خليقته، بأنبيائه ورسله ومختاريه، مثبّتًا بهم سلّم الحياة بين الأرض والسّماء، حتّى لا يقضيَ الشرّيرُ على أَنوار نجوم سماء المسيح في العالم.


    وعرف ”زخريا“ النّبيُّ وإليصاباتُ زوجُه، بالرّوح القدس، أن ٱبنهما لم يولِداه هما، بل هو نُطْقُ الإله الكلمة، خاتمة الأنبياء إلى مسيح الرّب وبداءة للرّسل، جسرُ حياةٍ لا تموت ولا تنتهي، بل تنبزغ وتتجدّد بحياة من حياة الآب في ٱبنه وروح قدسه، في حركة حب، تغرف من حياة الرّوح القدس، حياة لا بداءة ولا ٱنتهاء لها، بل تبقى تفاعيلُ حياة الرّوح فيها، فإن نَقُصَت تُزادُ وإن زادت تتوزّع!!.


    وٱرتحلَ الصّبيُّ الّذي حمل الإله على كتفيه، عارفه وباحثاً عنه في صمتِ الصّحاري، صحاري هذا العالم، في فسق دنسه وترتيبات قتل الإله في عبادته ربوبيّةِ المال، وإعلاء شأنه أكثر من ربوبيّة الإله، الّذي خلق الإنسان على صورته ومثاله.


    لماذا السّابق؟!...


    لإتمامِ النبوَّة وختمها، بإعلان ٱنبثاق العهد الجديد للإنسان الجديد، الإله من حشا بتولية. لم ولن يُعرَف كُنْهها من البشريّة إلاّ بالإعلان الإلهي.


    هكذا كان ”يوحنّا“ بداءة ما لا يُعْرَف ولا يُدْرك كُنْهه، مقدّمة لاستعلان عمل ”مريم“ الفتاة العذراء، في قبولها كلمة الله لها بالملاك... وبعد التسآل قالت ”النَّعَم“ الّتي بها خلص العالم من ”لاءِ“ الشرّير ومن عناده في عشق ذاته ليتعلّم يومًا فيومًا، ألف باء حياته المتجدّدة... برفضه للحياة الجديدة... ونطقه لا لوعد النّور... لا لقهر الموت!!!.


    وصرخ ”السّابق“ الجواب، لماذا هو؟! ومن الآخر؟. المسيح؟!.


    ينبغي أن ذلك يزيد وأنّي أنا أنقُص. (يوحنّا 30:3).


    بهذه القولة أفرغ يوحنّا ذاته بالكليّة، ”آخذًا صورة عبدٍ“ محتَقَرًا ومرْذولاً من النّاس ليعلو الابن الإله ويحكم!!.


    بهذا الإتضاع- ”صفة الألوهة“، كشف يوحنّا عن وجه خالقه فيه، ليحمل كلمته وصوته ورأس خلاصه بالمسيح، ليحمِلَ رأسَه المقطوع ثمن قَوْلِه كلمة حقّ البشارة والإنجيل ، مسيحًا جديدًا متجدّدًا، حتّى القيامة في ومن حضن الابن، الّذي خلقه وأطلقه ليُعَبّدَ الطريقَ أمامه.


    وأَعلن يوحنّا عن نفسه، أنّه هو ”صديق العريس“!!.


    بالنّعمة الحالّة عليه وبصداقة العريس هذه... مات يوحنّا عن سقطة آدم، ليصلح بذاته، بكلمة حقّ الإنجيل، بعدم الخوف، بنار الحبّ اللّهيبيّة، الّتي تجعل الإنسان يقول ”النّعم“ ”المريميّة“، يُصْلَح آدم أيضًا وأيضًا، ومجددًا ليولد من التوبة، ثم من الموت، ليستعيد كلّ من ألقوا في الجحيم بسبب تجبّره ومعاندته وتركهِ الإله الحيّ، حتّى يولِدَ نفسَه إلهًا للموت... هكذا أمات الشرّيرُ الحياة الحق، بالموت الجبان وبالقتل... بقطع رأسه وبصليب خالقه ومعلّمه يسوع المسيح.


    وٱستضاء وجهُ يوحنّا نورًا من النّور بوجه إلهه ”التّابِعَهُ والّذي هو أقوى منه“، والّذي ليس هو مستأهلاً أن يحلّ سيور حذائه.


    من أين بشرية يوحنّا هذه؟!... من أين إفراغُه الكليّ لذاته هذا؟!... من أين عزوفه عن العالم وٱمتشاقه رمالَ الصّحاري والكلمةَ الحقّ، الموبِّخةَ عروش الملوك والنّاقضة أُسسها؟! ليستضيء الإنسان بالنّور الإلهي، بكلمة الحق وبالتوبة.


بهذا أخذ يوحنّا على نفسه سقطة آدم، ولبسها حتّى بدأ وهو العبد، وصديق العريس، حياته بالحبّ للألوهة وعشق مضامينها!. أدار رأسه عن العالم، حاملاً وجه الإله في كيانه وارتحل.


    أكمل يوحنّا فكر الثّالوث، بأن صار هو وعدًا مُتَمّماً فعل الثّالوث وحياته في العالم، بقوله: ”فرحي هذا قد كمل“ (يوحنّا 29:3).


    ونطق بالقولة البكر:”توبوا فقد ٱقترب ملكوت السّماوات“...


    هكذا تم الإعلان الحيّ الوحيد، مخبرًا الأنام أنّ حفلَ الدّخول لاستقبال ملكوت السماوات، (الرّب يسوع المسيح)، هو لبس حلّة ”التوبة“، دالاً شعبَ اليهودية وأورشليم وجوار صور وصيدا، أنّ صديق العريس بدأ يتمّم قصده بالرّحيل من هذا العالم، بعد إتمام قصد الآب فيه بالتّجسّد لخلاص البشريّة.


    لهذا وُلدَ يوحنّا، وعاش بالنّعمة ومات حياً في الإله.


    خفت صوته عن نداء التوبة مستعيضاً عنه بصلاة العبد لسيّده والتلميذ لمعلّمه: "ربّي ٱرحمني أنا الخاطئ"...


    اليوم، يوم ميلاد يوحنّا، يتكمّل سرّ ”العرس“ بين الإله والبشريّة، بالكنيسة المبنيّة على جسد الرّب ودمه... الخروف الذبيح منذ الأزل!.


    وكان على يوحنّا أن يصير بالكليّة الشهيد الأوّل والشهادة للإله المتجسّد.


    اليوم تتنزّل كلمة ”التوبة“ في بنيان جسد يوحنّا وكيانه النّاطق واعيًا سرّ الحياة الجديدة، بالتبتّل الكامل للإله الرّب يسوع، المتجسّد لأجل خلاصنا في أسرار كنيسته العروس.


    اليوم تنتشر كلمة ”توبوا“ على جَلَدِ السّماء، على وجه البحار والأرض في زقّة عصافير الصّباح، وغمر حيتان البحار المالحة وأسماكها، وفي الأشجار الخضر والأزاهير لإِعلان حضور الرّبيع.


    اليوم يرتفع تاج العرس فوق رأس العريس والعروس، شهادة للحبّ الإلهي، وللحبيب وصليبه!...


    اليوم يجمع يوحنّا في نفسه كلّ أنبياء العهد العتيق مُعلناً للآتين بعده أنّهم كلّهم ولدوا من كلمة الإله بالرّوح القدس؛ وأنّه من الرّب يحيا وفيه يموت لتحيا البشرية الجديدة بالمسيح، العريس.


    اليوم يتقاسم سرَّ العرس ومعناه الأسراريّ، الإله العريس، كلُّ عريس وعروس، ”وجهَ يوحنّا“، المطبوع على وجه كلّ من أحبّ ويحبّ الرّبّ يسوع المسيح ليقول له ”النّعم“... للموت على صليبه المحيي، وللحياة القائمة إلى أبد الآبدين...


    اليوم تتصيّر لغةُ البشارة والشهادة فرح كلّ المؤمنين الّذين عاينوا آلامَ سقوطهم وبُرْءَ توبتهم بالحبّ ”للصديق“ ليقودهم إلى العريس!!. فمن يُحبُّ صديق العريس، لا بُدّ له أن يَصْدُقَ العريسَ بالقولِ والفعلِ والنيّةِ للخلاص بحبّ التوبة، هدية عرسه من خالقه ولعروسه الكنيسة البكر، المعمدة بالرّوح القدس والنّار!!.


    اليوم تتكمّل مسيرة ”يوحنّا المعمدان“ صديق وحبيب العريس الإله وأولاده، الّذين ٱختاروا إكليل الشوك الّذي ألبسوه لإلههم، ختماً لموت الأهواء والتنقية، وليتمجّد ٱسمُ الرّب ويكتملَ فرحه بالمولودين من كلمته بفرح الشهادة له.


    اليوم يموت صمت الموت وحزن الخسارة، لتصير الأرضُ، كلُّ الأرض، نَعَمًا للولادة وشهادة للحبّ الّذي أُعطي مجانًا لكلّ السّالكين دروب الحبّ وجهادات التنقية والتوبة للخلاص والقيامة. آمين.

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

25 حزيران 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share