من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
الفكرُ ما بين النّعمةِ واللّعنة!.

   الفكرُ غبارٌ ورماد؛ مَن يقبضُ عليه؟!. الفكرُ سمٌّ ينسابُ في كيانِ الإنسان؛ مَن يخلّصُه منه؟!. الفكرُ حياةُ العقل؛ كيف لا نحيا به؟!... إذًا، "فليكنْ فيكم فكرُ المسيح"... (في ٢: ٥).

   أنّا أُفكِّرُ؛ إذًا، أنا حيٌّ، أنا موجودٌ... فالفكرُ يحرّكُ الإنسانَ إلى فعلٍ إراديٍّ تسري به أيّامُه، وتتراكضُ انفعالاتُه، من خلالِه؛ فيستجيبَ (الإنسانُ) له!. الفكرُ هو البوصلةُ الّتي تهدي الفردَ إلى عملانيّةِ حياتِه، أي إلى إتقانِ يوميّاتِه!. من هنا، "الفكرُ النَّيِّرُ"، هو هدايةُ الإنسانِ إلى الحياةِ الحقِّ، بينما "الفكرُ المظلمُ"، فهو نهايةُ الفرحِ عند البشرِ!!. الفكرُ هو ما يدفعُنا إلى الأمام، وهو ما يؤخّرُنا ويشدُّنا إلى الوراء. الفكرُ مُفاعلُ حياتِنا، به نكونُ، ونوجدُ، ونتحرّكُ، وبه تنشلُّ إرادتُنا؛ به نتّضعُ، وبه نستكبرُ؛ به نباركُ، وبه نلعنُ ونشتمُ؛ به نحبُّ، وبه نكرهُ؛ به نحيا، وبه نموتُ؛ به نخرجُ من ذواتِنا، وبه نتقوقعُ ونموتُ في ذواتِنا... فيا أيّها الفكرُ، تعالَ وخبِّرْنا عن حالِكَ فينا، وحدِّثْنا عن حالِنا فيكَ!...

   يا أحبّةُ، فلْيكُنْ فينا فكرُ المسيح، الّذي به أحبَّ الابنُ الآبَ حتّى بذلَ نفسَه، بالطّاعة، لأجلِ كلمةِ حبّه. وإذ نتبنّى نحن الحبَّ، نأخذُ على أنفسِنا فكرَ المسيح، وفكرَ الّذين سبقونا في محبّةِ المسيح، ونتعلّمُ من الإلهِ كيف نقولُ: "لتكُن، يا ربُّ، مشيئتُك، لا مشيئتَنا"!!. ومشيئةُ الرّبِّ القدّوسِ أن نصيرَ رهبانًا. هذا ما أتى بنا إلى الدّيرِ، حيث تبدأُ حياتُنا الجديدة، وحربُنا مع التّجاربِ، الّتي هي مدخلُنا إلى الملكوت الإلهيّ... ونحن نعرفُ، من الآباءِ القدّيسين، أنّ لا خلاصَ لنا إلّا بالتّجارب... واليوم، أنا أكتبُ في هذا الموضوعِ من خلالِ حياتي الّتي عشتُها طويلًا في العالم، ومن خلال هذه السّنوات الّتي عشتُها في الدّير. الفكرُ نعمةٌ، أعرفُ بها أنّي أحيا، وأنّي أُفكّرُ بالله مخلِّصي، في كلِّ لحظاتِ حياتي... بالفكرِ أُسبِّح الاسمَ القدّوس، وبه أقرأُ كلمةَ الحقّ في الإنجيل، وبه أُعلِّم وأُفتِّقُ معاني الألفاظ، وأفهمُ الأفعالَ المنسوبةَ إلى تلك الأفكارِ... فالفكرُ يُخرجُ من القلبِ تسبيحًا، إن كان الله قد مدَّ إصبعَه، ولمسَ القلبَ حتّى أعرفَه، وأعرفَ اسمَه وحياتَه في حياتي، وأرسمَ صليبَه على كلِّ كياني؛ فأعرفَه ويعرفَني، وأحيا به، كلَّ لحظةٍ من ليلي ونهاري... به أنا إنسانٌ، ومن دونه أصير كالبهيمةِ الّتي لا روحَ لها...

   لكنّ الفكرَ النّجسَ، إذ ينزلُ إلى البطنِ، إلى الجسدِ، إلى أعضاءِ الشّهوة؛ يولّدُ فينا حسًّا، ويغشّي أذهانَنا بغبارِ النّجاسة، والفسقِ، والطّمعِ، والحسدِ، والحقدِ، والشّهوةِ الرّديئةِ، والاستكبارِ، والغضبِ، والحنقِ، وطلبِ المشيئةِ الذّاتية!!!.

   يأتينا فكرُ المحتالِ، إذ نكونُ في سلامٍ، ثمّ يخرجُ منّا آخذًا سلامَنا، وتاركًا إيّانا في اضطرابٍ؛ فنصبحَ كموجِ البحر، لا قرارَ لنا، ولا حتّى في صلاتِنا... ولقد قيلَ عن القدّيسِ "الأنبا مقاريوس" قولَه عن فكرِه إنّه لم يكن صافيًا، في يومٍ من الأيّام، مثل كلِّ يوم؛ لأنّ الرّبَّ سلّمَه لتجربةِ الأفكار؛ فبدأَ الشّياطينُ الأشرارُ يزحمون قلبَه بأفكارٍ متنوّعةٍ، كمائدةٍ مملوءةٍ من شتّى الأغذية. هكذا، بدأتِ الأفكارُ الأولى، أفكارُ الزّنى، والافتخارِ، وضغطِ القلب بالعظمة، والمجدِ الباطل، والخوف، والكسل، والتّجديف، وعدمِ الإيمان، وقطعِ الرّجاء الّذي يُبعد الإنسانَ عن الله... لم يدعِ الشّيطانُ نوعًا من أنواعِ القتال، إلّا جلَبه على الأنبا مقاريوس بالأفكارِ الغريبة عنه، كما عرّفَه بهذه الأمورِ كلِّها "الأبُ الكبيرُ أنطونيوس" أبو الرّهبان. لكن الرّبَّ – من أجلِ استقامةِ قلبِه – أعانَه في جميعِ التّجارب تلك، حتّى تخلَّصَ منها كلِّها، وصارَ غالبًا لها.

   كيف نغلبُ نحن إذًا؟!. كيف نهدّئُ اضطرابَ أفكارِنا وآلامِنا؟!. كيف نسكّنُ الفكرَ؟!. قالَ القدّيسُ "يوحنّا القصير" في "سكونِ الفكر": "السّكونُ أفضلُ من جميعِ الأعمال؛ إذ، بدَوامِه، تهدأُ الأفكارُ؛ وتموتُ المشيئةُ؛ وينقطعُ تذكّرُ الأمورِ الباطلة، وحركةُ الأوجاعِ القاتلة، الجسدانيّةُ منها والنّفسانية... أمّا الأوجاعُ الجسدانية، فهي:  لذّةُ الفهم، شراهةُ البطن، شهوةُ الطّبع، تنزّهُ الحواسّ، الاسترخاءُ، النّوم، الزّنى... وأمّا الأوجاعُ النّفسانيةُ، فهي: الجهلُ، النّسيانُ، البلادةُ، قلّةُ الأمانةِ، الحسدُ، الشّرُّ، السُّبحُ الباطل، العُجب، الكبرياءُ، وقلّة القناعة"...

   كيف نغلبُ إذًا كلَّ هذه الأفكارِ، بل زحمتَها؟!...

   بالاسم القدّوس!. ردّدوا اسمَ ربِّنا وإلهِنا، في كلِّ لحظة!. صلّبوا على كلِّ ما تفعلونه!. نادوا الرّبَّ الإله، وهو المجيرُ المستجيب!!.. فإذ نلجأُ إليه، بكلِّ قلوبِنا، وأفكارِنا، ونوازعِنا، ومخاوفِنا؛ يعطينا سلاحَ الغلبةِ والظّفر، ويمنحُنا الاقتدارَ على أفكارِنا، إذ يمدُّ يدَهُ إلينا ويمسحُنا بزيتِ البهجةِ، أي بالفكرِ السّلاميِّ... الرّبُّ الإلهُ يريدُنا أن نقاتلَ، بل أن نتعلّمَ القتال؛ حتّى يغلبَ هو بنا أعداءَنا، شياطينَ الظّلمة، الّذين يسعون للسّيطرةِ علينا، وليسطّروا نجاساتِهم على أجسادِنا ونفوسِنا، بل على كلِّ كيانِنا... فلْنطردِ الأفكارَ بالاسمِ القدّوسِ!. ومتى رضيَ الرّبُّ عن شدّةِ مواجهةِ قتالاتِنا مع العدوِّ، فإنّه يأتي إلينا، ويريحُنا من كلِّ ضغطةِ خوفٍ، وتشوّشٍ، وحزنٍ ونسمعُه قائلاً لنا: لا تخافوا... أنا غلبْتُ العالمَ بكم يا أحبّائي... له المجدُ والكرامةُ، في كلّ آنٍ ومكان.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

2 تشرين الأول 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share