إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
تأمّلات في الإنجيل
أحد العنصرة المقدّس


   من أين تأتي الكلمةُ؟! جَرْسُها وموسيقاها من حيث هي واقعٌ لا يُلمسُ، لكنّهُ يُحَسُّ ويُعرفُ حين يتدفّقُ من أغوارِ الكيانِ... من الحسِّ... ومن حيثُ هي، هي واقعُ روحِ القلبِ الحاملِ الحياةَ...

   ما القلبُ؟!. أهوَ عضوُ الحياةِ الّذي تخرجُ منهُ النّجاسةُ، والقتلُ، والبغضاءُ، والحبُّ، والحنينُ إلى سبرِ مضامينِ الحياةِ في قولةِ النّبيِّ، في العهدِ القديم: "هذا القلبُ نجيسٌ من يعرفُهُ؟!"... لكنّهُ حاملٌ جرْسَ روحِ الكلمةِ، لتصيرَ نطقَ كلمةِ الله!!...

   من أينَ يولدُ النّغمُ لينقدحَ الوجدُ في النّفسِ إذْ تلقى أمواجَ الحبِّ تتلقّفُها البحارُ ونسائمُ أشجارِ السّروِ وسهولُ القمحِ وهفيفُ سوامقِ الأرزِ؟!...

   من أينَ؟!. من أين؟!. وإلى أين؟!.

   من أينَ الإنسانُ؟! وإلى أين تصبو نفسُهُ؟!. وتكشّفاتُ الرّوحِ القدسِ تتتالى بخفقِها فيه!!.

   أين البدايةُ وإلى أين المنتهى؟!.

   وكانتِ الحياةُ من غوابرِ الأزمنةِ، وكان السّقوطُ من قبلِ أن يتدحرجَ الإنسانُ إلى الأرضِ الّتي منها أُخذَ، ليموتَ فيها إمّا مخلَّصًا، وإمّا خادمَ نجاساتِ أهوائِهِ!!.

   وكان الموتُ للإنسانِ "عقابًا"، جرَّهُ على نفسّهِ بعد أنْ اصطفاهُ الله صنوًا لنفسِهِ كما في الأنبياءِ!!...

   ولم تكفَّ النّبوّةُ!! إذ لم تسمعِ الأذنُ الدّاخليّةُ فحيحَ الحيّةِ الشيطانِ المتغلغلةِ في مضامينِ روحِ، قلبِ، وذهنِ إدراكِ الإنسانِ المنسلخِ من حشا الرّبِّ ليقيمَ فيه!!...

   وكان التجسُّدُ!! الولادةُ الجديدةُ للإنسانِ المتجدِّدِ بكيانِهِ من حشا الإلهِ المثلّثِ الأقانيمِ!!.

   ولم يعرفِ الإنسانُ إدراكًا أنّهُ وُلدَ مع المسيحِ في المذودِ من حشا مريمِ البتولِ، والدةِ الإلهِ!!. وأمِّ الكونِ!!...

   بقيَ مخفيًا عليهِ أنّ التّجسُّدَ صارَ من أجلِهِ ولأجلِهِ حتّى تتجدّدَ ولادتُهُ، لا من حشا الحوتِ البحريِّ، ولكنْ من المسيحِ الإلهِ متمنطِقًا ضَعْفَ القوّةِ الّتي جعلَتْ مخلوقاتِ الله أن تسكنَ لا في الفردوسِ الّذي كانتْ فيهِ، بل في الإلهِ الإنسانِ، الحاملِ الحياةَ من الإلهِ الحيِّ وَحْدَهُ الّذي تجسّدَ في هيأةِ الإنسانِ متمنطقًا سرَّهُ!!.

   وكان القلبُ مسكنَ الإلهِ المتجسِّدِ!!. وكانتِ العنصرةُ!!... علامةَ وختمَ الولادةِ الجديدةِ المتجدِّدةِ للإنسانِ الّذي رفضَ بدءًا الإلهَ المتجسِّدَ، وتاليًا التألُّهَ، ليصيرَ حيًّا فقط إلهًا من الإلهِ، بحلولِ الرّوحِ القدسِ في جسدِهِ المائتِ!!...

   وكان العيدُ!!. وكان لا بُدَّ أن يحلَّ عيدُ الأعيادِ، إذ، بعدَ التّهيئةِ من الميلادِ وحتّى صعودِ الرّبِّ يسوعَ للجلوسِ عن يمينِ الآب، تتكمَّلُ المسيرةُ الإلهيّةُ الخاصّةُ بالإنسانِ وله!!.

   هكذا ولهذا حلَّ الرّوحُ القدسُ... عيدُ الأعيادِ للإنسانِ، لا به!!.

   كلُّ الأعيادِ، بإمكانِ الإنسانِ "السّاقطِ" أن يحياها وثنيًّا، إذا لم يدخلْ بوتقةَ الماءِ والنّارِ للانطحانِ تحتَ يدِّ الرّبِّ القديرةِ، لتُجرَى عليه جراحةُ استئصالِ الأدرانِ السّرطانيّةِ من جسدِهِ هذا الأهوائيِّ، ليصلَ بالقلبِ والرّوحِ إلى الاستكانةِ في قلبِ الله!!...

   وصرخَ الرّبُّ للبشريّةِ المائتةِ، الّتي حاولَتْ وما زالتْ تحاولُ إغراءَ الإلهِ بالاختراعاتِ وكأنّها تقولُ له: "انظرْ ما باستطاعتي أنْ أخلقَ أنا أيضًا، أنْ أوجدَ لأجلِ اختراعِ الحياةِ الجديدةِ لي أنا الإنسانَ لأخلِّدَ ذاتي في توقي إلى الخلودِ!!".

   هكذا كان الإنسانُ غبيًّا وما زالَ حتّى يومِنا هذا!!...

   وحضرَ الإلهُ المتجسِّدُ في العالمِ بعد قيامتِهِ ليُقيمَ كلَّ نفسٍ ما زالتْ ميتةً!!.

   "وكان اليومُ الأخيرُ، الآخرُ العظيمُ من العيدِ، وكان يسوعُ واقفًا؛ فصاحَ قائلاً: إنْ عطشَ أحدٌ، فليأتِ إليّ ويشربْ. من آمنَ بي، فكما قال الكتابُ ستجري من بطنِهِ أنهارُ ماءٍ حيٍّ"!!.

   وتبلبَلَتِ الأفكارُ والألسنُ واختلطَتْ مفاهيمُ البشرِ!!.

   وَسُمعَ الصّوتُ وصداهُ في غورِ البحارِ، وامتلأتِ الوديانُ، وتنصّتتِ الجبالُ: من هذا؟! من هو هذا الّذي يحدِّدُ لنا أنّهُ هو وحدَهُ المعطي الماءَ الحيَّ لنا لننضحَ بهِ كلَّ من يأتينا لابسًا حلةَ الضَّعفِ والاتضاعِ؟!. وكانتِ التّساؤلاتُ كلُّها هذه!!. وكان الإلهُ ما زالَ مخفيًّا حتّى الآنَ  عن عيونِ وقلوبِ البشرِ!!. وتاليًا على التلاميذِ؟!...

   هكذا كلُّ حقيقةٍ إلهيّةٍ لا ولن يَعْرفَها الإنسانُ إلاّ "بالرّوحِ القدسِ" الإلهِ المرسَلِ من الإلهِ الآبِ، والإلهِ الابنِ، ليُحييَ الإنسانَ، بل ليسكنَ فيه مُخْرِجَهُ من نجاسةِ قلبِهِ، فيعمِّدَهُ بالغسلِ من عماهُ وتخلّفِهِ، بأناه، ليقومَ كاشفًا الطّريقَ للّذينَ يطلبونَ روحَ الرّبِّ القدّوسَ حياةً يحيوْنَها كلَّ لحظةٍ من حياتِهم على الأرضِ وحتّى يلتقوا النّعمةَ الإلهيّةَ، نازلةً عليهم بقوّةِ ريحٍ شديدةٍ تعصفُ لتقتلعَ أَشواكَ نفوسِهم كلَّها... وإذ يتعمّدون بالدّمِ المهراقِ من جنبِ السّيّدِ ودمِهم، يرتكضونَ إلى الغسلِ الحقيقيِّ بالرّوحِ القدسِ، الّذي يجعلُ كلَّ حشًا بشريٍّ إلهيًّا بالصّليب، الّذي يرتضي الإنسانُ طوعًا أن يصعدَ إليهِ ليتنقّى وينظِّفَ أوساخَ روحِهِ، وشوائبَ فكرِهِ، واستزلاميّةَ جسدِهِ لأهوائِهِ المنجرِّ إليها كلَّ لحظةٍ من نهاراتِهِ ولياليهِ!!...

   المشكلةُ المأساةُ ألاّ يتعرّفَ الإنسانُ على الرّوحِ القدسِ، إذ وحينَ يحلُّ في الآخرِ الّذي يحيا معنا النّعمةَ في الكنيسةِ الواحدةِ الجامعةِ المقدّسةِ الرّسوليّةِ!!...

   لأنّ الرّبَّ قال: "قد أعمى عيونَهم، وأغلظَ قلوبَهم، لئلاّ يبصروا بعيونِهم، ويشعروا بقلوبِهم، ويرجعوا فأشفيَهم"!!. (يو 12: 40).

   "هذا هو اليومُ الّذي صنَعَهُ الرّبُّ!! فلنفرَحْ ونتهلَّلْ به!!"...

   "هذا هو اليومَ الآخرُ العظيمُ من العيدِ بعد "الفصحِ"!!".

   وكان على الرّبِّ أن يتجسّدَ كإنسانٍ مثلَنا، حاملَنا من ضحلِ خطيئَتِنا، ماشيًا فينا ومعنا إلى الجلجلةِ، إلى بستانِ الجثسمانيّةِ، ليقدِّمَ نفسَهُ ذبيحةً حيّةً للآبِ ومذبوحًا، لا بيدِ أبيهِ إبراهيمَ ليخلِّصَهُ الملاكُ بالخروفِ، ولكنْ لينذبِحَ هو خروفًا نقيًا، حملاً حوليًا، لا عيبَ فيهِ، ويموتَ لأجلِنا كلِّنا، نحنُ مخلوقاتِهِ!!... تاركًا لنا حرّيةَ الموتِ معهُ ولأجلِهِ مساويًا روحَهُ بالرّوحِ القدس الحالِ فينا منهُ!!...

   كانَ على الرّبِّ الإلهِ، الابنِ، أقنومِ الثّالوثِ الثّاني، أن يبذلَ تعليمَهُ، ليملأَ حياتَنا بروحِهِ القدّوسِ فنسمعَ ونفهمَ ونعي به، فنعودَ إليهِ حتّى يشفيَنا!!.

   واليومَ، بعدَ أنْ أُعطيَ الرّبُّ فأعطى نفسَهُ باذلَها حتّى المنتهى ولم نسمعْ، أرسلَ لنا ملءَ الإلهِ، الرّوحَ، لنغتسلَ فيهِ وبه من خطايانا!! وإذ نغتسلُ بالنّزولِ إلى عمقِ بحارِ الرّوحِ فينا، مختنقين مرّاتٍ ومرّاتٍ قبلَ أن تنتهيَ حياتُنا، نهدأُ إليهِ إذ نيأسُ من خلاصِنا بأنفسِنا!!.

   وإذْ نهدأُ نعي، وإذْ نعي ننظرُهُ فجرَنا الآتيَنا ليلفَّنا بالنّورِ الّذي هو هو، وبالفرحِ الّذي اختنقَ في خطيئتِنا، لنعودَ وندركَهُ أنّه هو وحدَه ختمُ ورسمُ وعلامةُ الحياةِ فينا، لأنّنا بالمسيحِ اعتمدْنا، المسيحَ لبسْنا!!.

   في توقِنا هذا إلى الاتّحادِ به، يُدْنينا الرّوحُ القدسُ منهُ، يَلْبَسُنا فلنلبسُهُ نحن ونحيا فيهِ ومعهُ ولهُ، حياةً تتجدّدُ كلَّ لحيظةِ نهارٍ وليلٍ، لنوافِقَهُ "بالنّعم" الكيانيّةِ الكليّةِ، فلا يعودَ أيُّ فكرٍ مُضلٍّ يتخلّلُ مسالكَ وشرايينَ قلوبِنا، أحاسيسِنا، لنصرخَ:

   "إنْ عشتُ فللرّبِّ أعيشُ، وإنْ متُّ فللرّبِّ أموتُ... إنْ عشْتُ وإنْ متُّ... فأنا للرّبِّ"...

   أنا لكَ... نحنُ لكَ يا ربَّنا وإلهَـنا، كنيسةً، شعبًا، خرافًا حاملةً سرَّكَ واسمَكَ، وهاتفةً: المجدُ والسُّبحُ لكَ، من الآنَ وإلى أبدِ الآبدينَ.

آمين!!.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

8 حزيران 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share