بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث عشر بعد العنصرة.
من المذبح إلى يمين الآب!.

"أما قرأتم قطُّ في الكتب إنّ الحجر الّذي رذله البنّاؤون هو صار رأسًا للزّاوية"؟!...

    "مِن قِبَلِ الرّبّ كان ذلك وهو عجيب في أَعيننا"...

    هكذا وَقَفَ أَمام المذبح الّذي بُني له، بل الّذي إبتني لأَجله حتّى يبنيه هو بدموع أُمّه مريم، ومريم المجدليّة الّتي أَحبَّته دون أَن تعلم سرَّهُ أَنّ هذا هو هو، وهو لم يقل لها، ولكن، قال لأُمّه، وهو في حشاها، إنّه يتركها تقف أَمام كهّان الهيكل الّذين أَحسّوا أنّها هي هي تلك الّتي كتبتها أَقلام الّذين حبَّروها لهم، وأنّه هو الّذي كتب الإنسانَ بدمائه، وهم باعوها لهم دون أَن يُحسّوا أَو يعرفوا أَنّهم يبيعون ما في خزائن دكاكينهم لكلّ المارّين...

    لكن، في يوم، في طرفة عين، سيمرُّ هو ليبتاع منهم ما أَعطاهم، ويأخذ الزّنّار لأُمّه حتّى متى تزنّرت به فوق أَثوابها، تعرف أَنها ستترك لهم جسدها وأَرديتها وزنّارها، بركات يتعاطاها كلّ الّذين آمنوا، أَنّ الآب أَودع ابنه مرسلاً إلى بطنٍ أَعذَر لتسبح البشريّة في طهر دموع مريم الواقفة تحت صليب ابنها الّذي ولدته من الرّوح القدس الحالّ عليها، لتصير كلُّ أُمٍّ بشريّة جديدة طاهرة لا زيغ ولا سقوط فيها ولا ادّعاء، بل صمت الفلوات والصّحاري الّتي وطئتها أقدام أهل هذا العالم الّذي عاش وهو لا يعرف أَنّ الإله سيأتيهم متجسّدًا من بطن عذراء صارت وحدها أمّ الإله وسيّدة هذا العالم...

   

وكان السّقوط!!...

    وإذ صحا آدم وحوّاء على وقع أقدام الرّب الإله خالق السّماء والأرض، نظرا أحدهما الآخر قائلَين: لنقم نستقبله... ربّما عبر بنا وسألنا عن حالنا إن كنّا نحيا بفرح في سمائه!!.

    "هذا هو إلهنا وآخر سواه لا نعرف وباسمه نسمّى"...

    ونطق الإنسان الرّجل آدم، وصنوه حوّاء المرأة، الّتي عرفت أنّها، وحدها، ستحمل ذريّتها مقدّمة إيّاها مأكلاً لرب السّماء والأرض، ولتبقى وحيدة في جميع مخلوقات السّماء والأرض، باحثةً، أيضًا وأيضًا، عن آدم الّذي سيولدها نفسَه لتصير هي حوّاء وحدها، أمّ الخليقة الّتي انتظرت عمر الكون حتّى تتجسّد!!...

    هكذا استدارت حوّاء إلى وجه آدم، فرأت فيه وجه الإله، "الّذي أفرغ ذاته آخذًا صورة عبدٍ صائرًا في شبه البشر"...

    ووُلدت الحياة الأولى من حشا حوّاء وكيان آدم... وإذ سمع آدم تسآل حوّاء، استدار بكلّيته إليها قائلاً لها:

    يا حوّاء... يا امرأتي، ويا أمّي الّتي أولدتكِ ذاتي فصرتِ زوجتي، لأصير أنا رَجُلَكِ، سيّدَكِ، زوجَكِ وأبَ أولادكِ، الّذين ما زالوا في بطن الكون وفي فكر الإله الآب...

    وصار آدمُ الإنسانُ الأوّل ربَّ البيت الأوّل الّذي سكن فيه مع حوّاء لتلد له الأولاد والذريّة الّتي صارت هي هي بداءة  البشريّة الّتي ولدت من فردوس النّعيم الإلهي لتحيا وتحيي فيه كلّ من وُلِدَ منهما ليموت، لأنّ الآب طردهما فعرفا أحدهما الآخر بالجسد...

    هذا لأنّه أراد لهما أن يكثرا ويتناسلا فيملاءا الأرض...

    وصرخ الإله الآب حين وجد آدم وحوّاء قد تواريا عن وجهه في فردوسه هو... في مكان سيادته...

    أين أنتما يا بِكرا الحياة الإنسانيّة؟!. لماذا تختبئان منّي أنا خالقكما، ربّكما وإلهكما؟... لماذا فعلتما ما لا يليق بوضح النّهار؟!... بل صيّرتما النّهار ليلاً والضّوء عتمةً والحبّ لعنةً؟!...

    وأثمرت الأَرض من الزّرع الإلهيّ وفعلِ آدم...

    حصى ورملاً وحرائق شواء الحيوانات البريّة والبحريّة ليأكل منها أَولاد البيعة الجديدة المولودة من بطن الحيّة الّتي تدبُّ على الأَرضِ منسلّة في أَرض الأَحياء الّذين صاروا أَولاد السّقوط الجديد القديم، الّذي سَيُميت ربّه بعد تجسُّده وعمر بشارته وحياته على الأَرض واختياره لملائكته ورسله وكلّ الّذين صاروا بشارة ووعد خلاص للآتي...

    وكان على الإله الآب أَن يَغْضَبَ على بني البشر بجملتهم!!. وسأل كونه: ماذا بعد؟!...

    وأَتاه الجواب: ماذا بعدَ السّقوط وذرّيّة آدم وحوّاء والحيّة؟!... ما الحياة الجديدة؟!...

    الإنسان الجديد المتجدّد ميلاده من حشا عذراء الوعد الأَوّل مريم البتول أُمّ الكون الّذي كان ولكن لم يُطِع خالقه ومبدعه وربّه الإله الآب...

    وخلق الله الأَنبياء وأَرسلهم وعد تجديد التّربة الجديدة الّتي سيبدعها من إزدواجيّة الطّبيعة البشريّة الّتي كانت من آدم وحوّاء، فيولِدَ باسم الله، الإنسانَ الابنَ، المولود من بطن عذراء الّذي ولد من سرّ الإله، من طبيعته الإلهيّة، ولكن بدمغة الّذي كان وهو كائن وسيكون ما دامت الدّنيا!!.

    هكذا أَولد الرّبّ الإله إمرأة الوعد، مشكاة الإله، منزل الحبّ والطّاعة الّتي إذ سمعت صوت ملاك الرّبّ جبرائيل يحيّيها، تذكّرت، بل إسترجعت ماضيها، أنّ النّعمة تعمل الآن لتوجد الحياة الجديدة للإنسان الجديد من وعد الإله، أنّه سيولد، اليوم، لا كما وُلدت العذراء مريم من عقم يواكيم وحنّة، بل من الإله بذاته، إذ أَرسل الرّوح القدس بكلمة رئيس الملائكة جبرائيل ليبشّر العذراء مريم أنّها ستحبل وتلد الإله وتسمّيه عمّانوئيل كما ورد في الكتب والأَنبياء...

    الإله الآب أَحبَّ الإنسان!!... أَحبَّهُ حتّى المنتهى... فلم يحرق الأَرض، بل زاوج ما بين القديم والجديد وأَولد من قصده ونفحة روحه القدّوس، بواسطة يواكيم وحنّة، الإنسانة، المرأة الجديدة الّتي بها سيفتدي البشريّة...

    ووُلدت مريم المرأة السّيّدة، أُمّ هذا الكون!!... وحبلت مريم العذراء البتول من الرّوح القدس الإلهيّ. وإذ حبلت، انطلقت وهي حامل لتزور نسيبتها أليصابات، أُمّ يوحنّا المعمدان، بعدما قالت "النّعم" لإلهها لتفتدي البشريّة بذاتها فتلد للكون، بإيعاز الآب السّماويّ، خالق السّماء والأَرض، الابن البكر، آدم الجديد الّذي سيتجسّد لخلاص البشريّة، لأنّه ابن الآب السّماويّ المعادل له في الأَزليّة، حياةً لا زيغ فيها، بل حنان الحبّ الإلهيّ الممهور بختم الثّالوث، ليعرفه العالم أجمع...

    هكذا ترك الآب الابن علامة للغلبة الإلهيّة، ومحطَّ حبٍّ لا يتزعزع... إذ، وهو الإبن المساوي للآب في الجوهر، إرتضى أَن تشاركه إمرأة الوعد الجديد، أمّه مريم، الحياة الجديدة الخارجة كلَّها من سرّ الإله الآب بالابن والرّوح القدس...

    "أما قرأتم قطُّ في الكتب إنّ الحجر الّذي رذله البنّاؤون هو صار رأسًا للزّاوية؟!... مِن قِبَلِ الرّبّ كان ذلك وهو عجيب في أَعيننا"... آمين.

   


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

3 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share