عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّادس عشر بعد العنصرة.
بركة وتعزية للجائعين والمتعبين!.

       بدأت قراءة اليوم هكذا: " كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله".!...

    من ينطق بكلمة الله إلاّ العارف الإله بالسّماع؟!...والسّماع هو حسُّ القلب المتخشِّع المتواضع!!...

    أمّا القلب أصلًا فيرفض كلَّ إقصاءٍ له عن كيان الإله، لأنّ الحياة في الإنسان هي رابط الحبّ وخاتم العهد ما بين الإله والإنسان مخلوق الله!!... ليحيا به إلى الأَبد...

    وكان الإله، وكانت الكلمة الّتي زُرِعَتْ في الإنسان، في القلب المتخشِّعِ المتواضع... فكان الوعي أَنّ السّماع الأوّل يتأتّى من لدِن الإله، متنزَّلاً على ابن الإنسان ليحيا...

    على هذا، وقف يسوع عند بحيرة جَنّيسارَتْ، لأنّه كان ينتظر السّفينتين الآتيَتين إليه ليملأهما سَمَكًا، صيد إِطعام للأعمى والفقير والجائع إلى كلمة الإله وإلى التأكّد من حبّه وحنانه على النّاس...

    كلّ شعب اليهوديّة وفلسطين وقف، بل ربض منتظرًا أن يسمع ما لا يعرفه وما يعرفه من الكلمة الإلهيّة، أي من الفعل الإلهيّ!!. من عطيّة الخالق لخلقه ومن سعي الإنسان، إِذا أنعم عليه ربُّه بالسّماع  وخيريّات بركاته، لأن يعرف بأنّ الهديّة الإلهيّة للإنسان تسبق تغيير القلب في محبّة الواحد لخالقه...

    هنا تتبلور للإنسان الحقيقة الأولى والثّانية في علاقته مع ربِّه وخالقه وفي محبّته لأَخيه الإنسان...

    "إن لم يبنِ الرّبّ بيت القلب بالحبّ فباطلاً يتعب البنّاؤون"!!... هذا البنيان الحبّ، لا ينقدح إلاّ بلمسة الرّب لابنه الإنسان الرّافع قلبه وحسّه إلى سماء السّموات... إليه!!...

    هكذا يبدأ الحوار بين الخالق والمخلوق... بين الخالق وذاته في المخلوق... في القلب   ... لذا طلب السيّد القلبَ... هذا مِلكُه وبيتُه وحِمى حياة ابنه الإنسان، ليحيا فيه ومن ذاك، من هناك، ينطلق، بعد شبع الإنسان من كيانه، ليعود إلى ربِّه، خارجًا من ربقة ترابيّته، ليحيا في جسده وحياته الجديدة الّتي، ما بينه وبين خاتم الوعد، الّذي أَلبَسَه إيّاه مسيح الرّب ليكون هو ذاك المختار في بيته... في مسيحه... في حياته!!.

    لذلك إذا قرأنا فكر ربِّنا وقصدَه في مَثَلِ اليوم... نجد أنّ إلهنا يتركنا نفرغ من القوت والغنى وحبِّ القنية والنّجاحات المادّية لنسمعه... يريدنا أن نسمع صوتَه فنلتزم السّماع بدءًا، ثمّ نخرج تلقائيًّا من خطيئتنا... نجوع إلى الأكل... إلى القوت الّذي لا يفنى، فلا نجده إلاّ في "الكلمة" النّازلة علينا من العلى...

    "آمن... تبرأ..." مرضُ الإنسان الجسداني النّفساني يحمله تلقائيًّا على الصّراخ، على طرح الصّوت..."أعنّي يا ربّي ولا تبطىء"!!.

    عندها يبدأ جوعنا إلى الامتلاء!!. لا من اللّقمة المعروفة الّتي عندنا، حولنا... الخبز... المآكل الشّهيّة... وكلّ ما ينتجه السّوق والمطاعم... بل ما خلقه الشّرّير في حياة الإنسان ليُبعده عن خالقه...

    بعد عودة السّفن فارغة وغسل الشّباك والانتظار، دخل يسوع إِحدى السّفينتين وكانت "لسمعان" وسأله أن يبتعد قليلاً عن البرّ. ثمّ جعل يعلّم الجموع من السّفينة... وفرغ يسوع من الكلام... فطلب من سمعان، صاحب السّفينة، "أن يتقدّم إلى العمق"، وأمره:"ألقوا شباككم للصّيد"... فاعترض سمعان موضحًا أنّهم تعبوا "اللّيل كلّه"... أي "العمر كلّه" ولم يأتوا بصيد..."ولكن بكلمتك أُلقي الشّبكة"...!!...

    هكذا تكثر الحياة... يكثر القوت... يأكل الإنسان ولا يبقيه ربُّه جائعًا حتّى يأكل جسده ويشرب دمه، فيشبع من الأكلة الواحدة الّتي تتهافت روحه لتتعزّى بها، يومًا بعد يوم!!.

    وتستضيء النّفس، ليبدأ العقل بمخاطبة القلب... وإذ تكثر إبداعات الحبّ الإلهيّ هذه... يتفجّر النّور من الكيان ليضيء القلب والحسّ، فيقرب من نار ونور الحبّ الإلهيّ... يهزأ الإنسان بذاته... لا يعود يسمع إلاّ نبض قلب معطي الحياة في قلبه... يصرخ من حرقة وجده...

    "تكلّم يا ربّ فإنّ عبدك يسمع"!!...

    هذا هو الصّوت الّذي سمعه "القدّيس سلوان" والّذي نعيّد لعيد رقاده هذا الأحد مع القدّيسة الأولى المعادلة الرّسل، "تقلا"...

    ويبقى السّؤال لماذا يتقدّس بعض البشر وآخرون يبقون بعيدين عن حياة الرّوح؟!... عن الرّب الخالق يسوع المسيح؟!...

    وهو الصّارخ نداءه:"تعالوا إليّ يا أيّها المتعبون والثّقيلو الأحمال وأنا أريحكم"...

    سمع "السّتاريتز سلوان" صوت ونداء الرّب في قلبه، بل في ملء كيانه، بعد أن أودعه "ذاته الخاطئة" كما كان يسمّيها...

    وعاش في ديره، يحمل الدّقيق من المطحنة بعد طحنه القمح... كان يقول في سرّه..."الرّب يحبّني لذا جعلني أحمل القمح المطحون إلى إخوتي في الدّير ليأكلوا الخبز ويشبعوا بعد جوعهم ويُطعموا كلَّ الّذين يحيون في الدّير ويقصدونه للتبرّك وتلقّي الإعانات منه"...

    وكان بإمكاننا أن نرى، لدى السّتاريتز، على مثال المسيح، محبّة الله ومحبّة القريب، في وحدتهما العضويّة، كما في تنوّعهما،أنّ الحبّ، إذ ينتصر في الأبديّة، يبقى مصلوبًا في عالم الخطيئة هذا...

    لقد سمح الله لنا، جزئيًّا، بان نرى كيف كان السّتاريتز يبكي لأجل العالم كلِّه، حتّى لا يُحرَمَ من نعمة الرّوح القدس، الّتي مُنِحَ معرفتها. لقد كان مضنى بحمل ذاك الحبّ أو تلك "الرّأفة" العميقة للبشر، وكان يسأل الله الرّحمة "لجميع شعوب الأرض".

    إنّ الحبّ الحقيقيّ للإنسان لا يشقُّ طريقه إلاّ بحبٍّ حقيقيٍّ لله. لقد كان السّتاريتز يؤكّد، باستمرار، أنّ الحبّ الإلهيّ لا يسكن في من لا يحبّون أعداءهم.

    هذه الحياة أُعطيت، تاليًا، للقدّيسة العظيمة المعادلة الرّسل "تقلا"... هذه قرّبت حياتها في الرّب مقاربةً بلغت حدّ تحدّي كلّ عائلتها، لتصل إلى حبيب قلبها وعريس روحها، الرّب يسوع المسيح، بالصّلاة الّتي كانت تبدأ ولا تعرف هي متى كانت تنتهي...

    "إنّ العالم ما زال قائمًا بفضل الصّلاة. لكن عندما تضعف حدّة الصّلاة، يفنى العالم"... كان السّتاريتز يحتسب الصّلاة، لأجل الأعداء ولأجل العالم أجمع، حياةً أبديّة، وفعلًا إلهيًّا في روح الإنسان ونعمةً غير مخلوقة وعطيّة من الرّوح القدس".

    تعالوا... تعالوا يا أحبّة كلّنا نسعى واقفين تحت صليب يسوع القياميّ لنحبّه من كلّ القلب والقدرة والعالم كنفسنا... آمين...



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

24 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share