عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث بعد العنصرة.
ميلادُ الصّوتِ
"والكلمةِ" والإنسانِ الجديد.

   "في ذلك الزّمانِ حَبِلتْ أليصاباتُ امرأةُ زخريّا!!".

   متى كان هذا؟!... كيف ومتى وُلِدَ النّبيُّ يوحنّا المعمدان، كاروزُ المسيحِ وبوقُ كلمتِهِ؟!.

   النبيُّ ابنُ النّبيِّ... كاروزُ القفرِ... سابقُ المسيحِ والرّافعُ يدَهُ ليغسِلَ بها هامةَ الّذي يغسلُ خطايا البشريّةِ برُمَّتِها... ليصرخَ الصّوتُ: "هذا هو ابني الحبيبُ الّذي به سرِرْتُ"... فيُسْمَعَ، تاليًا، صوتُ معلِّمِ القفرِ وكاروزِهِ: "توبوا فقد اقترب ملكوتُ السّموات"...

   وُلدَ "يوحنّا المعمدانُ" في قصدِ الله يومَ كان الصّمتُ، بعدُ، هو كلّمَةَ الآبِ للابنِ بالرّوحِ القدس...

   وكان "يوحنّا"، حبيبُ الله الآبِ في فكرِهِ منذُ أن أوجَدَ اللهُ الكونَ في قصدِهِ، من كلمتِهِ، نفخةً منه، ليحيا في الكلمةِ الإنسانُ مخلوقُهُ، المولودُ على شاكلتِهِ من قلبِهِ، إلى حياةٍ أَبديّةٍ...

   وانتظرَ الله!!. هدّأَ الأزمنةَ والأوقاتَ حتّى تحينَ السّاعةُ الّتي دبّرَها اللهُ في سرِّهِ ليقدِّمَ روحَ كلمتِهِ إلى صفيِّهِ، وشبهِهِ على الأرضِ...

   وكان يوحنّا مولودًا من شكِّ أبيه زخريّا!!...

   من سَبَقَ من؟!... يوحنّا أمِ المسيحُ؟!...

   كانت الولادتان بدءَ عجائبِ التّجسّدِ الإلهيِّ الّذي وَعَدَ فيه الله أبرارَهُ، أنّهم لن يموتوا قبل أن يروا مسيحَ الرّبِّ...

   ولكن كان على النّاسِ والكونِ تاليًا أن يتحضّروا لاستقبالِ العجبِ بواحدٍ من عندِهم... بإنسانٍ من عشيرتِهم حتّى يقبلوا، فيصدّقوا ويمجّدوا!!.

   ووقعَ الصّمتُ على البشريّةِ بتمامِ كمالِها!!.

   اليومَ يولدُ بالتّرتيبِ الإلهيِّ يوحنّا من عقرِ أليصاباتَ وشيخوخةِ زخريّا... في زمنِ قصدِ الله، سابقًا لخروج مسيحِ الرّبِّ من الرّحمِ...

   هكذا بدأتْ "عجائبُ الولاداتِ الإلهيّةِ".... وسُمّيَ المولودُ من العقرِ "يوحنّا"... (حنانَ الله)، قبل أن يولدَ الإلهُ الكلمةُ المسيحُ، الممسوحُ من الله، ليخلّصَ إنسانَ الطّبيعةِ السّاقطةِ من خطاياه، بالموتِ عنه لأجلِها...

   "اسمُهُ يوحنّا!!". وإذْ صَحَّتْ تسميةُ زخريّا لابنِهِ يوحنّا... الّذي ليس من عشيرةٍ أو سلالةِ محتدٍ، أو تاريخِ ولاداتٍ سبقَتْ... "امتلأ أبوه زخريّا من الرّوحِ القدسِ وتنبّأَ قائلاً: مباركٌ الرّبُّ إلهُ إسرائيلَ لأنّه افتقدَ وصنعَ فداءً لشعبِهِ. وأنتَ أيّها الصّبيُّ نبيَّ العليِّ تُدعى لأنّكَ تسبُقُ أمامَ وجهِ الرّبِّ لتُعِدَّ طرقَهُ. أمّا الصّبيُّ فكان ينمو ويتقوّى بالرّوحِ وكان في البراري إلى يومِ ظهورِهِ لإسرائيلَ".

   لن يفهمَ الإنسانُ صمتَ الإلهِ، إلاّ إذا مَحَتْهُ الحياةُ من بين عُظمائِها وبحثِهم عن المعالي والتّوقِ السّاكنِ في نزعاتِ كلِّ فردٍ بعد السّقوطِ...

   "حبُّ الرّئاسةِ" هو الّذي أسقطَ الخليقةَ الحاضنةَ الإلهَ والمحتضَنَةَ منه إلى الجحيمِ...

   و"السّلطةُ" ابتَنَتْ عِشْقَ حبِّ الرّئاسةِ... والإلهُ الرّبُّ يسوعُ الابنُ وسابقُهُ يوحنّا أدرجا عشقَ الوداعةِ والاتّضاعِ والظهورِ بهيئةِ الّذين لا حُسنَ ولا جمالَ ولا معرفةَ لهم ليكسبا الرّضى الإلهيَّ وحنانَ الحبِّ الّذي يُغْدقُهُ الإلهُ مجّانًا على خلائقِهِ...

   في ميلادِ يسوعَ المسيحِ مُبْدِعِ حياةِ الكونِ والآبِ والرّوح، تساءلَتِ القفرانُ وقطعانُ الغنمِ والأشجارُ ومجاري المياه: "من يكونُ هذا الصّبيُّ؟!"... "وبما عساه يأتينا؟!"...

   عن أيِّ صبيٍّ يتكلّمُ الكتابُ الإلهيُّ؟!. أعن كاروزِ القفرِ أم، بالمعيّةِ، عن خالقِهِ الرّبِّ يسوع، أيضًا؟!...

   والجوابُ، ضِمنًا: "أنّ كلَّ صبيٍّ فاتحِ رحمٍ يُدعى قدّوسًا لله"...

   ليبقى التّسآلُ: والبقيّةُ ماذا تُدعى؟!... كلُّ البقيّةِ من صبيانٍ وبناتٍ؟!. كلُّ الكونِ الّذي أوجدَهُ ابنُ الإنسانِ قائلاً: فيّ، بعدُ، لا رجلٌ ولا امرأةٌ... لا عبدٌ ولا حُرُّ... لا سكيثيٌّ ولا رومانيّ...

   وسكنَ الرّوحُ القدسُ في بطنِ أَليصاباتَ العاقرِ... وفي يوحنّا، ليصيِّرَهُ الصّوتَ الصّارخَ في بريّةِ العمرِ بأكملِهِ، الّذي حملَ الإلهَ الرّوحَ في حشا العاقرِ...

   وكان لا بدَّ أن يَعْقُرَ حشا أليصاباتَ حتّى تحلَّ عليها نعمةُ الحياةِ من الرّبِّ الإلهِ فتُخْصِبَ لا من السّقوطِ البشريِّ، رغم كهانةِ زوجِها زخريّا، بل كان على "الصّمتِ الإلهيِّ" أن يغلِّفَها وتوقَها في الانتظارِ والدّموعِ المسكوبةِ من بحرِ أحزانِها، إلى أن تأتيَها "قريبتُها" مريمُ البتولُ وتسائلَها خبرَ الملاكِ لها!... "أأنتِ أيضًا تحملين الإِنباءَ الإلهيَّ؟!. أأنتِ أيضًا تحملين الوعدَ؟!"... إذ ذاك ارتكضَ الجنينُ بالرّوحِ في بطنِ أليصاباتَ!.

   وطربَ "يوحنّا" في الحشا لسماعِ صوتِ أمِّ إلهِهِ... عرفَهُ من البطنِ!!. من هفيفِ روحِ الحياةِ لهما وفيهما!!. فارتقصَ، تاليًا، جنينُ مريمَ... يسوعُ الإلهُ، إذ لاقى سابقَهُ مخبوءًا، جمرةَ نارٍ وقَبَسَ نورٍ وحياةً ونداءً له ليعمِّدَهُ، فيقدِّمَهُ ذبيحةَ الإلهِ الآبِ عن البشريّةِ!!.

   وكان اللّقاءُ بعدَ الإِنباءِ مُظلَّلاً برحمَي أليصاباتَ ومريمَ!!.

   وكان هذا تدبيرَ يمينِ العليِّ وبدءَ الخليقةِ الجديدةِ من عُقرِ السّقوطِ والإِنعاماتِ الإلهيّةِ الّتي تُباركُ وتحفظُ وتسامحُ كلَّ من ينكسرُ بعد لحيظةِ غضبٍ ويصرخُ للإلهِ: سامحني يا ربُّ!!...

   وكانت  في هذا الموقفِ الحيرةُ، ما لا يعرفُهُ البشرُ ولا خطرَ على بالِ إنسانٍ، أن تنفتحَ السّماءُ ليتردّدَ صوتُ الرّبِّ بالإعلانِ الإلهيِّ: "هذا هو ابني الحبيبُ الّذي به سُرِرْتُ!!"...

   وخافَ يوحنّا!!. خافَ الآتي بالإعلانِ الإلهيِّ...

   وعادَ فسمعَ صوتَ هفيفِ الرّوحِ القدسِ في حشاه هو الآن... أنّ: "هذا هو المسيحُ المنتظرُ!!"... فخافَ رَفْعَ يدِهِ بمياهِ الأردنِّ ليعمِّدَهُ... خافَ... ولكنّه أَطاعَ... أطاعَ حتّى الموتِ، موتِ الشّهادةِ...

   وخافَ يوحنّا... خافَ صوتَ الله والإنباءَ أنّه هو سيكونُ صوتَ الرّبِّ المعلِنِ: "أنّ هذا هو حملُ الله الرّافعُ خطايا العالمِ بأسرِهِ"... خافَ يوحنّا أن يصيرَ بوقَ صوتِ الله الآبِ في الابنِ يسوعَ المسيحِ... وخافَ، خافَ  يوحنّا أن يصيرَ هو حاملَ الرّوحِ القدسِ وباثَّهُ في العالمِ، في الكونِ، وفي كلِّ من أُعطيَ له سَماعُ القلبِ، أوّلاً، ليُطيعَ هو والّذين يسمعونَهُ صوتَ الرّبِّ، مشيئتَهُ وفكرَهُ الّذي كان منذ بدءِ الأزمنةِ والّذي أُعطيَ لنا نجازُهُ، إذ بعد اختيارِ الرّبِّ ليوحنّا، اختارَ كلَّ من سمعَ صوتَ يوحنّا، صارخًا: "هذا هو حملُ الله فلهُ اسمعوا"...

   بولادةِ يوحنّا يُسمعُ الصّوتُ الدالُّ على المسيحِ، للمرّةِ الأولى في تاريخِ الإنباءِ في الكنيسةِ البكرِ أُمِّ المسيحيّةِ...

   بحركةِ الرّوحِ القدسِ في حشا أليصاباتَ، مُعلنًا أنّ الآتيَ، برحمِ مريمَ، هو ابنُها يسوعُ المسيحُ إلهُ الكونِ، ربُّهُ وخالقُهُ.. وأنّ الابنَ الّذي في حشا أليصاباتَ هو بوقُ وإعلانُ هذا "الكلمةِ" الإلهِ!!.

   هكذا بدأ مخطّطُ الآبِ في الابنِ وزرعُ الرّوحِ القدسِ الحياةَ في حشا المرأةِ العاقرِ، أليصاباتَ، وفي اختيارِ الله للمرأةِ كي تحملَ في حشاها وفي مريمَ الفتاةِ المختارةِ من الأزلِ، لتصيرَ ونسيبتَها أليصاباتَ عنوانَ الإيلادِ الحقِّ والرّؤيةِ الحقِّ والصّوتِ الحقِّ لصورةِ المرأةِ الحقِّ، عطيّةً من الألوهةِ البكرِ للإنسانيّةِ السّاقطةِ، الّتي بقولِها "النّعمْ" في أليصاباتَ وفي مريمَ، تصيرُ فعلَ الكلمةِ المكلِّلَةِ كلَّ أُنثى في الكونِ، إن عرفَتِ الإلهَ قائلةً له: "النّعمْ" وطالبةً قولتَهُ: "تكلّمْ يا ربُّ فإنّ أمتَكَ تسمعُ" عنوانَ الحياةِ الجديدةِ والسّماعِ الجديدِ والحبِّ الجديدِ في عذريّةِ القلبِ والكيانِ الجديدِ، للعقلِ والحسِّ والجسدِ...

   وغادرَ يوحنّا حشا أليصاباتَ أمِّهِ إلى القفرِ!!. كما غادرَ يسوعُ حشا مريمَ أمِّهِ إلى قفرِهِ، إلى البشارةِ!!.

   وبدأَ الانتظارُ؟!. متى تتكمّلُ السّاعةُ؟!... متى الإعلانُ؟!...

   وصارَ الإعلانُ من رئاساتِ هذا الكونِ بسماحٍ من الإلهِ!!.

   وقالَ "يوحنّا" النّطقَ الأوّلَ... "توبوا".. لتصيرَ التّوبةُ وحدَها عنوانَ واسمَ الحبِّ الإلهيِّ والرّجعةَ من جحيمِ التّخلّي الإنسانيِّ عن الإلهِ في  عمرِ الكونِ!!.

   اليومَ يومُ ولادةِ "يوحنّا" من حشا العقرِ البشريِّ وإعلانِ الرّوحِ القدسِ "لمريمَ" أنّها ستصيرُ بطنًا وحاملةً للإلهِ... اليومَ نجازُ القصدِ الإلهيِّ ومسامحةُ الله لإنسانِ السّقوطِ... لكنّ الإنسانَ لم يصدِّقْ لا الإعلانَ ولا صوتَ يوحنّا... فقطعوا رأسَهُ لأنّه نطقَ "بالكلمةِ"... "بالحقِّ"... علّهم يُخرسون الصّوتَ الصّارخَ... وما صمتَ!!...

   واهتزَّتِ الأرضُ لقطعِ رأسِ بوقِ الكلمةِ... فنادى الرّبُّ يسوعُ بقدرةِ الإلهِ تاليًا: "توبوا فقد اقتربَ ملكوتُ السّمواتِ"!!. كان على يسوعَ أن يقولَ الكلمةَ الفصلَ... أنْ ينطقَ، وهو الإلهُ، بكلمةِ السّابقِ الّتي هو قالَها فيهِ، متجسِّدًا  لأجلِها حتّى يَخلُصَ حبيبُهُ الإنسانُ... "توبوا"... وعندَ سماعِ الكلمةِ ارتجّتْ أساساتُ الهيكلِ النّاموسيِّ وانشقَتْ نواميسُ أصحابِ الشّريعةِ... فصرخوا..."اصلبه اصلبه!!"... "أأصلبُ مسيحَكم، إلهَكم، ملكَكم؟!".

   ليس لنا ملكٌ إلاّ قيصرَ!!.

   وكانت غلبةُ الشّيطانِ لحين إنزالِ الرّبِّ يسوعَ عن صليبِهِ، ليقومَ في اليومِ الثّالثِ!!...

   وصارَ الحكمُ ليسوعَ الإلهِ الحيِّ وللباكين على أنفسِهم... صارتِ "الكلمةُ" التّوبةُ، للّذين اختاروا أن يُسمَّروا على صليبِ دَعَتِه  وحبِّهِ لهم وحبِّهم له ولجميعِ الآتين إليهم، وللّذين ينطقونَ بثقّةٍ إعلانَ الصّوتِ الصّارخِ... "أنا لا أحيا بعدُ، بل المسيحُ يحيا فيّ"...

آمين.


قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share