عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الأوّل من الصّوم
الأربعينيّ المقدّس
٢٠١٤
”فقال له: اتبعني“!!.

    الله يجدنا!! في خروجه إلى جليلِنا ليقول لنا: اتبعني!!...

     وإذ يجدنا... ينادينا بكلمة واحدة... بأمرِ حبٍّ يُلاقينا... فتتطاير أحاسيس لقياه لنا وبنا... يلفّنا بنور حضوره... يسقينا يقين إلتفاتة عينيه... يمشي أمامنا... نلقاه، نهفُّ إليه، نتبعه، نلقى الآخرين الواجدوننا به ومنه فنقول لهم: هذا هو الحقيقة... نبلغهم البشارة... بشارة اللّقيا... إعلان إيجاد الجوهرة المضيئةِ المسكونة المشعّة حركة نورانيّة!!!. ونمشي وراءه!!.

     وإذ وجد فيليبّس، أصغر الرّسل، الّذي ناداه يسوع أوّلاً آمره... اتبعني صار مختاره تلميذه، ليلقى هو الآخرين... هكذا وجد نثنائيل فقال له: إنّ الّذي كتب عنه موسى في النّاموس والأنبياء قد وجدناه وهو يسوع بن يوسف الّذي من النّاصرة!!!.

     فقال له نثنائيل: أمِن النّاصرة يمكن أن يكون شيء صالح... فقال له فيليبّس: تعال وانظر!!.

     وتبع نثنائيل فيليبّس، فرآه يسوع مقبلاً إليه فقال عنه: هوذا إسرائيليّ حقًا لا غشَّ فيه... فأجابه نثنائيل: من أين تعرفني؟!.

     قبل أن يدعوك فيليبّس وأنتَ تحت التّينة رأيتك!!...

     يا معلّم أنتَ ابن الله!!. أنتَ ملك إسرائيل. أجابه نثنائيل!!...

     وكان هذا هو الوجود الأوّل للقيا الإنسان للإله يقينيًّا!!.

     في هذه اللّقيا، أوضح فيليبّس البساطة، لنثنائيل المعرفة العقليّة، والتمسّك بالتراث، أنّ من كتب عنه موسى، في الشّريعة المدوّنة والأنبياء قد حضر وها هو هنا معنا وفيما بيننا!!. ونحن وجدناه لك ولنا!!. فتعال وانظر!!.

     حتّى بهذا القول، لم يصدِّق نثنائيل الإسرائيليّ الشكّ النّاقص المحبّة، أنّ هذا الواقف أمامه هو ربّه وإلهه!!. يسوع المنتظر!!!.

     وأنتَ تحتَ التّينة رأيتك!!.

     اخترقَ الرّب يسوع بمعرفة ووضوح أُلوهته، شواش عقلِ وعدَمِ تصديق نثنائيل لفيليبّس أنّ هذا هو الرّب، فكان على الرّب تاليًا أن يشير له باختراق حجب عقله ليدرك أنّه المسيّا المنتظر!!... داخَلَهُ، محطِّمًا له أغلاق المعرفة الكذوب الّتي تملّكها من العالم.

     فالألوهة لا تُجادِلُ ولا تُجادَل!!... لأنّ الإنسان، أي إنسان إذا ما وقف أمام الخالق، يتكهرب بالحضرة الإلهيّة، بالحسِّ، بانقطاع النّفَس، بتوقّف العقل عن منطقه!!.

     وأمام الحضرة تلك، يصمت الفكر، يصير بل يتحوّل الإنسان إلى كتلة ناريّة غير محترقة!!. عليقة نور من النّور الّذي لا يُدنى منه!!. يصير الإنسان إلهًا من الإله... يقين معرفة من المعرفة البكر!!. فيصرخ الواقف أمامه، مسمّيه باسمه إذ يراه في إنسانيّته، يناديه يا معلّم!!.

     والإسرائليّون لا يقبلون التّعليم إلاّ من أسياد الشّريعة!!. لكن إذ اخترقه وسرّ قلبه والخباء المتقوقع فيه والّذي لا يعرفه إلاّ الله، أعلن: أنت ابن الله!!.

     هذا كان النّور الإلهيّ المشعّ من كيان يسوع الإله، ابن الإنسان!!. ليراه الإنسان فيؤمن به... إلهًا ربًّا وسيّدًا لحياته!!. في المعرفة، يصير ابن الإنسان إلهًا ونحن تاليًا إذا عرفناه هكذا!!...

     هكذا يصير كلّ من يسمع النّداء الإلهيّ ويقول: الـ نعم المريميّة، عُلّيقة ملتهبة وغير محترقة!!!.

     هكذا تتطاول قامات البشر الإنسانيّة المجبولة بالخوف والشكّ واللاّيقين لتتصيّر أيقونات إنسانيّة حاملة السّرّ الإلهيّ الّذي يخافه الّذين ينظرون أولئك البشر فيعادونهم، لأنّهم يُحِسّون أنّهم ليسوا لهم أو هم ليسوا منهم!!. فتقع الغربة بين البشر لانعدام المحبّة واجتراء الحكم والدينونة!!.

     ويبقى أولئك المرفوضون بشرًا، آلهة... مِنْ صِنع وجبلة الإله، قريبين ولكنّهم لا يحيون سرّهم بشريًّا، بل إلهيًا!!... وغير مفهومين!!... وبسطاء، لكنّهم معقّدون!!. عنفاء مع رقّة ومسكنة لا تشابه معرفتهم!!... محبوبين ومكروهين من غالبيّة النّاس الّذين حولهم!!. يصيرون هم جمهرة قريبة، لكن لا تُخترق حميميّة وجودهم!! لا يُفسِّرون، ولا يُبرّرون أنفسهم!!. فقط يقفون منتظرين خلاصهم من حبِّ الإله في الآخرين لهم!!!...

     هؤلاء هم الرّسل والأنبياء وخدّام المسيح الّذين خلقهم يسوع على صورته ومثاله للعهد الجديد!!. هؤلاء الّذين لن يُحنوا ركبة لبعل بعد أن ذاقوا طيب الحبّ الإلهيّ من الإله بالبشر الّذين أرسلهم لهم ليُنطقوهم السرّ الإلهيّ... سِرَّ المعرفة البكر... سرَّ الرّوح المتمركزة في جسد المجد الأرضي الّذي للإله في الإنسان بخفوت وصمت!!...

     هؤلاء هم الّذين يخفظون العشر الوزنات ويكثِّرونها تكثيرًا تلقائيًا إذ هم يستقون من مياه البئر الحيّة، بئر الكلمة، بئر الوجود الإلهي، بئر الحبّ المعلّق على الصّليب!!...

     هكذا يولد هؤلاء!!. أيقونات لحمية، عظمية، بشريّة، إلهيّة!!.

     عوالم أرضيّة وسموات إنسانيّة!!.

* * * * * * * *

     اليوم أحد الأرثوذكسيّة!!!. اليوم تعي حفنة من النّاس الّذين أحبّهم الرّب يسوع فصيّرهم له تُبّاع حياة، أنّهم بحاجة إلى فرح اللّقيا به، فاخترقوا حجب صمت الرّوح مُعْتلين مركبة فضيلة الكتابة باللون فكتبوا تقاريظ ومدائح وأناشيد لونيّة ليحملوها اليوم له في دخوله بدءًا إسرائيل، ليصير عليها ملكًا بالحبّ، فيَطرده قيافا وهيرودس وبيلاطس، أولئك الّذين صاروا تماثيلَ لا ضوء ولا لون ولا شعاع روح فيها، بل قسوة تباريج وقناعات على الوجوه وفي الألبسة تاليًا في النّفس والجسد والعقل والحكم والملك!!...

     اليوم ينشقُّ الكون كَوْنَين!!... والصّوم صومَين!!... فتصير الحقيقة الإلهيّة أيقونة أرثوذكسيّة يحملها أطفال الوعد الإلهي ليحيوا فيها!!!. ويذبحونها مرتّلين سجودهم لها ليحيوا!!.

     اليوم كبار القامة الرّوحية والأطفال يحملون الرّب والقدّيسين ليدخلوهم أورشليم الأرضية الّتي من صوم إلى صوم، تحيا في التهيئة، في قطع المشيئة، في معاركة نواشذ الجسد وتضرّسات النّفس وتلوّنات الفكر الحامل الكلّ إلى الانجذاب، في عيش الخطيئة المموّهة باللّذة، والحريّة في عيش الأطماع كلّها!!.

     ويصرخ الرّسول بولس في كلّ من وعى هشاشته وضعف خطيئته، قائلاً في كلّ حنجرة تآكلت فيها الكذبة... من يُنقذني من جسد الموت هذا؟!... إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإيّاه أفعل!! (رو ٧: ٢٤، ١٥/١٩).

     في جحيميّة التجاذب اليوميّ للمشيئة البشريّة الّتي يمتلكها الإنسان فينا وتوقنا إلى الخروج من هذا التّضاد الممزِّق الرّوح والسّماع للّحاق بالرّب واتباعه، تبقى البشريّة معلّقة على الأنواط!!. والملائكة حولها يدخلون ويخرجون من أرض إلى سماء الإله، ليجتذبوا جميع المتعبين المرضى المختصّين الجوعى العطشى إلى رحمات ربّهم وعون الإله!!.

     اليوم تتّكئُ البشريّة بأطفالها، شيبها وشبابها، عرائسها، عذاراها والرُّضّع المحمولين على أيدي أهلهم والمخلّعين يُجرّون بأيدي رفقاء آلامهم ليصفِّقوا بالأيدي الّتي لا أصابع لها، وبالأفواه الّتي لا تنطق الأسماء، لأنّها ولدت خرساء إذ أصابها شلل الطبيعة المضروبة بحسدِ الحيّة الشيطان!!. فأسقطت الإنسانيّة في سقوط آدم وحوّاء، ولتبرّر فعلتها عاشت في العهر والتفلّت والاستكبار والتضاد الدّائم لأحكام الرّب يسوع ووصاياه!!.

     اليوم تتنادى كلّ نغمات الكون من أقصى الأرض إلى أقاصيها، حاملة مرضى السّقوط إلى الإله الإنسان، لتدخل معه أورشليمه الأرضيّة، فيأوي فيها كلّ الكلّ السّائرين معه، في ركبه، المصوِّتين اسمه، الممتدّين إليه حتّى يحملهم على كتفيه، حتّى لا تعثر بحجرٍ مسنّن مؤذٍ أرجلهم!!...

     اليوم نغمات الحبِّ الّتي اختبأت في صدور الأمّهات الواجفات قلوبهنّ، المترجيّات رحمات حبِّ الله حتّى يبلِّغ من أخطأ إليه في أي كان مسامحة مرضهنّ ليُقيمهنّ معه على صليب ألمه وحبّه وتوبته عن كلّ من وعى ومن لم يعِ خطيئيّته، أنّه قتل إله الحبِّ، إله اقتدار وغلبة الخير، والفرح والرّضى والحنان، على كلّ ما ضرب به الشيطان ودمّره في هذا الكون الّذي سقط إليه قبل الإنسان!!.

     اليوم يعمِّد يسوع الإله الملك، كلّ السّائرين قدّامه حاملين أيقونات عرسه مع البشريّة، ليجعلهم أيقوناتٍ تتوالد من أرحام العذارى الأمّهات ليُخطَبْنَ له حياة تستضيء بنور وجهه هاتفين له: أنتَ، أنتَ وحدك رجاؤنا يا إلهنا، ونحن إليكَ، فنادِنا لنتبعك فنصير أيقونات حبّكَ من الآن وإلى أبد الآبدين... آمين...



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

9 أذار 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share