عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الصّعود
الأحد السّادس لآباء مجمع نيقية...
بانتظار العنصرة...
حجّةُ الخلاصِ!...

ها اليومَ كلُّ شيءٍ "قد تمّ"!!.

   المسيحُ يسوعُ قامَ من بين الأمواتِ ووقفَ في وسطِ تلاميذِهِ وقالَ لهم: "السّلامُ لكم... فارتاعوا وخافوا وظنّوا أنّهم يرَون روحًا"... فقالَ لهم ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكارٌ في قلوبِكم. انظروا يديَّ ورجليّ"...

   "إنّي أنا هو" (لو ٢٤: ٣٦-٣٨). وهذه هي الحقيقةُ الّتي وردَتْ في الكتبِ!!.

   "وقالَ الرّبُّ لتلاميذِه لا تضطربْ قلوبُكم. آمنوا بالله وبي أيضًا آمنوا"!!. (يو ١٤: ١).

   "وفي ذلك الزّمانِ رفعَ يسوعُ عينَيه إلى السّماءِ وقالَ يا أبتِ قد أتتِ السّاعةُ، مجِّدِ ابنَكَ ليُمجِّدَكَ ابنُكَ أيضًا [...]، أنا قد مجّدتُكَ على الأرضِ... قد أتممتُ العملَ الّذي أعطَيتَني لأعملَه والآن مجّدني أنتَ يا أبتِ عندكَ بالمجدِ الّذي كان لي عندكَ من قبلِ كونِ العالمِ"... (يو ١٧: ١، ٧-٩).

   اليومَ تمّ الوعدُ الإلهيُّ للإنسانِ بيسوعَ المسيحِ أنّ كلَّ من آمنَ به لا يموتُ، بل تكونُ له الحياةُ الأبديّةُ...

   هكذا وقفَ الرّبُّ يسوعُ رافعًا صوتَهُ وذاتَهُ إلى الله الآبِ مُعلنًا رجوعَهُ إليه ليستقرَّ في حضنِهِ كإلهٍ متجسّدٍ جالسًا عن يمينِهِ ليأمَنَ أنّه خلَّصَ شعبَهُ الّذي كلّ من آمنَ به مقدِّمَهُ إلى أبيه الآبِ السّماويِّ لا يعودُ الموتُ يقوى عليه ولا اقتدارُ الشّيطانِ...

   اليومَ يقدِّمُ الرّبُّ يسوعُ حجّةَ خلاصِهِ الّتي أَعطاهُ إيّاها الآبُ كي لا يهلكَ كلُّ من يؤمنُ به وبالآبِ بالرّوحِ القدسِ... في هذا الإيمانِ يصيرُ كلُّ ذي جسدٍ واحدًا  بالإلهِ ليحيا بنوّتَه الّتي من أبوّةِ الآبِ، وأبًا من بنوّةِ الابنِ واتّضاعِهِ حتّى غَسْلِ أرجلِ التّلاميذِ بل خادمًا لكلِّ نعمةٍ إلهيّةٍ تظهرُ بالرّوحِ القدسِ، إذ ينكشفُ وجهُ الابنِ في الآبِ وحقيقةُ الآبِ في الابنِ حبًّا، لا امتزاجَ فيه، ولكن وحدةُ وجودٍ كليٍّ تتجلّى في وحدةِ الفعلِ الواحد!. إذ حين يعملُ الآبُ، يكونُ هو المصدرَ والعملُ يكونُ إيّاهُ في الابنِ بالرّوحِ القدسِ، متجليًّا فينا بعد صعودِ الابنِ المتجسّدِ إلى سماءِ السّمواتِ...

   اليومَ بصعودِ يسوعَ المسيحِ الابنِ متجسّدًا إلى الآبِ أبيه، تَتِمُّ حقيقةُ القيامةِ من بين الأمواتِ!!!...

   لماذا أعطى الإلهُ الابنُ كلَّ كليّتِهِ ولاهوتِهِ لأحبّائِهِ، لتلاميذِهِ وهؤلاءِ لم يصدّقوا قيامتَهُ إذ رأوه ظانّين أنّه روحٌ؟!...

   لماذا لا يريدُ تلاميذُ الرّبِّ الّذين رافقوهُ ثلاثَ سنين وكلُّ تبّاعِ المسيحِ أن يصدِّقوا أنّ الألوهةَ كانت أمامَهم، بل فيهم ولهم يومَ أقامَ الشّابَ الوحيدَ ميتَ امرأةِ ناين؟!... وكلُّ من تبعَهُ تاليًا؟!...

   لماذا لم يَفطنِ التّلاميذُ أنّ الرّبَّ أقامَ صديقَهُ "لعازرَ" بعد موتِهِ بأربعةِ أيّامٍ، ليقولَ لهم... هذا الّذي عرفتموه بالجسدِ ماتَ وأنا آتي لأُقيمَهُ، حتّى تصدِّقوا أنّي أنا أقمتُهُ من الموتِ باقتدارِ وفعلِ الآبِ فيَّ، لتصيروا أنتم بالنعمةِ، آلهةً من الإلهِ الواحدِ المثلّثِ الأقانيمِ؟!... لماذا رفضتم وما زلتم ترفضون أن تصبحوا آلهةً من الإلهِ الّذي ولدَكم بالرّوحِ والحقِّ؟!...

   لماذا لم تصدِّقوا ما قلتُهُ لكم... "أنا لا أدعوكم عبيدًا بعد، بل إنّكم أنتم آلهةٌ وأبناءَ العليِّ تدعون؟!"...

   أنتم لم تصدّقوني... لأنّكم لا ولم تحبّوني!!...

   ألفُ ألفٍ من السّنين مرّتْ وستمرُّ وأنتم باقون مكانَكم، لأنّكم لا تريدون أن تعطوا أنفسَكم للرّبِّ بالكليّةِ!!. ولأنّكم لا تحبّونَ الآبَ ولا الابنَ الّذي عاشَ بينكم مطعمًا جياعكم وشافيًا مرضاكم وطاردًا الشّياطين من أولادِكم!!... كان لكم أبٌ وابنٌ ومعلّمٌ حاملٌ كلمةَ الحياةِ الأبديةِ الّتي هي هو بالرّوحِ القدسِ لتحيوا به ومنه حياةً أبديةً مجّانًا... إذ قالَ لكم: "مجّانًا أخذتُم... مجّانًا أعطوا"...

   علامَ تشارطونني؟!... حياتي قدّمتُها لكم بالكليّةِ، هديّةً من لدنِ الآبِ، لتصيروا مُسَحاءَ مثلي ولكن بالنّعمةِ!!...

   كلمتي نطقتُها في الكتبِ والكتابِ والهيكلِ وكلِّ القرى الّتي مررْتُ بها، لتتعلّموني وحبّي!!... كياني صلبتُهُ على صليبِ وجودِكم وأنتم ما صدّقتُم فتركتموني ولم تتعرّفوا إليّ!!...

   "أنا لا أعرفُ هذا الرّجلَ!!"... وتركتموني!!...

   جَعَلتُ نفسي لكم وجسدي بيدرَ قمحٍ درستُم عليه قمحَكم... أبقارُكم داستْني وكنتم أنتم الدّارسين فرفعتُكم قمحًا مطحونًا وأَعطيتُكم لتأكلوني خبزَ حياةٍ... قائلاً: "خذوا كُلوا هذا هو جسدي!!"...

   كرومُ العِنَبِ قطفتموها وعصرتموها وشربتموها في أعراسِكم حتّى السّكرِ ففرغَتْ دِنانُكم لأملأها لكم كرامةَ سؤلِ أمّي العذراءِ مريمَ... ثمّ في النّهايةِ قدّمتُ لكم القمحَ خبزَ جسدي والعنبَ خمرَ دمي لتشربوها، شاربينَني، فتصيروا بها وبي فيها حياةً أبديّةً لا تفنى!!... قاومتُم وصاياي وما ارتضَيْتُم أن تقتسموا ما قدمتُهُ لكم مع  كلِّ فقراءِ الأرضِ، لتكبروا بالنّعمةِ والحبِّ والعطاءِ فتصيروا آلهةً من الإلهِ الآبِ ومنّي بالرّوحِ القدسِ والمعموديّةِ!!...

   يا شعبي... يا شعبي!!... ماذا فعلتُ لكم؟!... لماذا نسيتُم أنّكم انتظرتُم "المسيّا" حياتَكم، وإذ خالطتُكم، قبضتُم عليّ وأَسلمتموني لليهودِ والرّومانِ، فعلّقتموني على الصّليبِ ولم تنزلوني... "إذا كان هذا ابنَ الله فليَنْزِلْ ويخلِّصْ نفسَهُ كما خلّصَ كثيرين!!"...

   مُشكلتُكم أنّكم شككتُم بي!!. وأنّكم من البدءِ لم تحبّوني!!...

   انتظرتموني ملِكًا يملكُ عليكم ويملِّكُكم بالسّيفِ والذّهبِ وكذبةِ الغنى، فأتيتُكم يتيمَ الأبِ وابنَ عذراءَ فلم تفقهوا كيف، كيف ولدَتْني وبقيتْ هي عذراءَ بالرّوحِ القدسِ!!...

   النّسوةُ "حاملاتُ الطّيبِ" آكلنَني وأنتم بصقتموني ولم تصرخوا... "هذا إلهُنا وآخرَ سواه لا نعرفُ واسمَهُ نسمّي!!"...

   جمّلتُم بيوتَكم وصدورَكم بي، معلّقًا على صليبِ مجدي الّذي صعدْتُ عائدًا به إلى أبي وأبيكم... إلى إلهي وإلهِكم"...

   جسدي أَعطيتُكموه... روحي... قلبي... سرُّ ثالوثيّةِ حياتي وأَنتم وقفتُم قدّامي بعد قيامتي، كأنّكم لم تروني قبل، وكأنّكم لستم مولودين منّي بالرّوحِ القدس!!...

   هل تمزّقَتْ حجبُ الكذبةِ الكبرى بأنّكم تحبّونني يا شعبي؟!... لماذا تُمالقونني وتتملّقونني... حتّى الآن؟!...

*  *  *  *  *  *  *

   لم تروني؟!... فصرختِ النّسوةُ: "أعطونا هذا الغريبَ!!"...

   أنتم أنكرتموني والنّسوةُ الحاملاتُ حنانَ الطّيبِ نادينَني لأعودَ إليهنَّ... والآنَ قد تمّ وبات عليّ أن أتركَكم في الجسدِ... أن أصعدَ إلى أبي!!...

*  *  *  *  *  *  *

   وصارَ الصّعودُ، فوعدَ يسوعُ المسيحُ تلاميذَهُ أن يكرزوا باسمِهِ في جميعِ الأممِ ابتداءً من أورشليمَ وأن يلبثوا فيها حتى يُلبسَهم قوّةً من العلاءِ من عندِ الآبِ...

   "إلهي أَنا قد مجّدتُكَ على الأرضِ!!"...

   "قد أتممتُ العملَ الّذي أعطيتَني لأعملَهُ... والآنَ مجّدني أنتَ يا أبتِ عندَكَ بالمجدِ الّذي كان لي عندَكَ من قبلِ كونِ العالمِ... قد أعلنْتُ اسمَكَ للنّاسِ الّذين أعطيتَهم لي من العالمِ [...] حين كنتُ معهم في العالمِ كنتُ أَحفظُهم باسمِكَ... إنّ الّذين أعطيتَهم لي قد حفظتُهم ولم يهلكْ منهم أحدٌ إلّا ابنُ الهلاكِ ليتمَّ الكتابُ... أما الآنَ فإنّي آتي إليكَ. وأنا أتكلّمُ بهذا في العالمِ ليكونَ فرحي كاملاً فيهم" (يو ١٧: ٤-١٣).

   هذه حجّةُ الوداعِ للابنِ كي "يُقدِّمَ إنسانيّتَه" لأبيه السّماويِّ، التماسَ أن يسمعَهُ تلاميذُه وكلُّ من أتى بعدَهُ ليحيا حنانَهُ في العالمِ باسمِه...

   كلُّنا اليومَ سمعَ أنّ الإلهَ الابنَ، يسوعَ المسيحَ ورهطَ التّلاميذِ وتبّاعَهم أتوا إلى ردِّ العهدةِ للمُعطي الحياةَ، للإله الآبِ الكليِّ الاقتدارِ كي يقولَ الآبُ بصوتِ الابنِ والّذين كتبوا:

   "اليومَ قد تمّ"... خلاصُ حياةِ الإنسانِ المولودِ من ترابِ الأرضِ ولهثِ نَفَسِ الألوهةِ، بعد قيامِه من بين الأمواتِ وصعودِهِ للجلوسِ عن يمينِ الآبِ...

   "اليومَ قد تمّ" الخلاصُ للبشريّةِ وخاصّةً لشعبِ الله... إذ نرى مريمَ العذراءَ الأمَّ البتولَ جالسةً عن يمينِ ابنِها وسيّدِها، لتحضُنَ فيها ومعها جميعَ نساءِ الأرضِ ورجالِها!!.

   اليومَ تصيرُ العذراءُ مريمُ الأمُّ المخلوقةُ، خالقةً لأجيالِ المؤمنين بابنِها يسوعَ!!...

   اليومَ يتمُّ الخلاصُ إذ دورةُ الوجودِ تتكمّلُ!!...

   اليومَ يولدُ الكونُ المتجدِّدُ من جديدِ الإلهِ الّذي لا بدأةَ له!!...

   اليومَ يُنهي "التّجسّدُ الإلهيُّ" دورتَهُ... ويُرخي التّاريخُ أثقالَهُ إلى وجودٍ جديدٍ.

   اليومَ يولدُ آدمُ الأوّلُ من آدمَ الجديدِ المتجسِّدِ من قلبِ وكيانِ وفعلِ الإلهِ الآبِ بالابنِ والرّوحِ القدسِ!!...

   اليومَ تُيْنِعُ المرأةُ الأمُّ... عذراءَ من قلبِ الوجودِ الإلهيِّ!!.

   اليومَ يصرخُ الطّفلُ الوليدُ وهو يخرجُ من الحشا البتوليِّ:

   "يا إلهي... يا يسوعي... يا مسيحي... يا سيّدي"...

   اليومَ ينألمُ الألمُ، فيفرحُ الكونُ بأنّ الإنسانَ الجديدَ وعى عِظَمَ خطيئتِهِ الّتي تفجّرَتْ حتّى أماتتْ صالبةً إلهَها!!...

   اليومَ يبطلُ الكذبُ والحسدُ وحبُّ المالِ والغنى والبخلُ والقتلُ والعداوةُ!!...

   اليومَ يصيرُ كلُّ شيءٍ مشتركًا بين كلِّ ناسِ الأرضِ!!...

   اليومَ تنبلجُ وعودُ السّمواتِ رذاذَ مياهٍ تسقي حرَّ القيظِ في الكونِ، فتتفجّرُ ينابيعُ الأرضِ ماءً زلالاً تستقي منها كلُّ قطعانِ الحيواناتِ البريّةِ فتتدجّنُ ساكنةً إلى طبيعتِها الأولى!!...

   اليومَ يسكنُ الحبُّ بيوتَ ونفوسَ وقلوبَ كلِّ أهلِ الأرضِ!!.

   اليومَ ينظرُ الإنسانُ الآخرَ فيرى وجهَهُ وَلَهَ وسلامَةَ حبِّ الإلهِ للإنسانِ، الّذي بحبِّهِ يفهمُ فعلَ الخلاصِ فيتمتمُ... "قد تمّ!!"...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

12 حزيران 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share