بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
أحد الدّخول مع يسوع
إلى أورشليم!!


     وارتكض الأطفال، خارجين عند صوت صفّارة صديقهم الأكبر!! ذاك كان يدور في الأسواق لخدمة رجال اليهوديّة... يُلْقِمُ نار نارجيلاتهم بعدَ صلاة الغروب أو العِشاء، إذ يجلسون مُتعبين من عزقهم طول النّهار!!.

     ربّما أصابوا بعض القروش دفعها لهم من أوصاهم على قليل من التبغ أو لخراطة قفصٍ لعصفور، أو تصليح دولاب عربة الخضار الّتي يجرّونها حاملين عليها بعض حبيبات البندورة وقرون الفول، وحشائش الحديقة للسّلق!!.

     وحلّ المساء والنّسوة تعبن تاليًا من خَبْزِ الطحين أرغفة للأولاد، وترقيع عباءات رجالهنّ وشطف السّطوح!!.

     أمي ماذا سنأكل اليوم؟!. كما البارحة يا ولدي وأوّل البارحة!!.

     متى يأتي العيد يا أمي؟! متى يطلّ المنتظر؟! متى يُذبح الفصح؟!.

     غدًا نذهب للقائه يا ولدي!! فاركض الآن وأخبر كلّ الرّفقة والجيران أنّ علينا أن نستفيق قبل الفجر غداة من نومنا... نُجَهِّز أنفسنا للقائه... للسّير أمامه طربين معه، فارشين قمصان أجسادنا له، وخلفه ململمين حبيبات البلّوط عن الأغصان المرميّة ليدوس عليها!! فنشوي البلّوط عشاءً!!.

     أسرعوا! أسرعوا! ... ها قد أطلّ راكبًا على أتان وعلى جحش ابن آتان!!.

     اسرجوا البرادع حتى لا ينزلق في ركوبه لصعوده درب هيكل أورشليم، فالطريق ضيّقة وعرة جدًا!! لا بل قمصاننا نفرشها الّتي خِطْتِها يا أمي من أرديتك القديمة المزهّرة الجميلة!!. صارت قمصاننا بقايا فساتينك وخالاتنا أجمل حين خطّها لنا!!.

     غسلتها بصابون زيت الزيتون... بالنّيل كحّلتها ولوّنتها وها هي صارت ثيابًا ناصعة جميلة، تزهو بشمس شروق الصّباح!!.

* * * * * * *

     ها الصّوت يعلو والصّمتُ يغور في الحشا: قولوا لابنة صِهيون هوذا ملكك يأتيك وديعًا راكبًا على أتان وجحش ابن أتان [...] فذهب التلميذان... وأتيا بالأتان والجحش ووضعا ثيابهما عليهما وأجلساه فوقهما. وفرش الجمع الكثير ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصانًا من الشّجر وفرشوها في الطريق!!.

     هوشعنا لابن داود. مبارك الآتي باسم الرّب. هو شعنا في الأعالي!!.

     هذا يسوع النّبيّ الّذي من ناصرة الجليل!!! وغضب رؤساء الكهنة والكتبة!!. وصرخ يسوع أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا (يوحنا 8 :44).

     أنتم لا تقبلون ابن داود، لأنّكم أولاد إبليس!! لماذا لم تركضوا أمام الجحش وراكبه!! خفتم أن تتعرّوا من أرديتكم المطرّزة المفخّمة حتّى لا تظهروا عراة إلاّ من قيح أفكاركم ونواياكم!! قلوبكم انبرصت من دنسكم!! سكبتم زيوت العطور على جلودكم كي لا تفوح منها رائحة القيح!! صرتم أقبية مملوءة بالجرذان تقتات من لحوم أصابع أرجلكم!! تضخّمَتْ بطونكم من ذبح الحمام الزّاجل لترتّلوا هديلها وما أفلحتم!! خفضتم رؤوسكم لا توقيرًا للملك الآتي باسم الرّب!! بل لأنّ شمس الحق أعمت بصائركم فامتلأت عيونكم رمدًا!!.

     وفي الطريق سأل تلاميذه قائلاً لهم من يقول النّاس إنّي هو؟! فأجابوه قائلين يقولون إنّك يوحنّا المعمدان وآخرون إنّك إيليا وآخرون إنّك أحد الأنبياء!! فقال هو لهم، وأنتم من تقولون إنّي هو، أجاب بطرس قائلاً أنت المسيح!! [...] وانتهرهم أن لا يقولوا لأحد عنه!.

     بانتهار يسوع المسيح تلاميذه، أقرّ قبل دخوله آلامه، صلبه وموته لأجل خلاص العالم، أنّه المنتظر، لتصيرَ له القيامة والرّجوع إلى الجلوس عن يمين الآب، حياة أبدية لكلّ نسله المؤمنين به!!.

* * * * * * *

     هكذا فرز يسوع المسيح العالم والسّاكنين فيه إلى عالمين!!! عالم الأطفال وعالم الكبار!! الأوائل ناداهم كلّهم قائلاً لهم: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السّموات!! (متى 18 :3).

     وللكبار الحكماء قال: إنّكم مثل القبور المختفية، والذين يمشون عليها لا يعلمون (لوقا 11 :44).

     ودخل السّيّد الرّب تابوت قدسه، أورشليمه الأرضية ليَسْقيها مطهرّها بدمه، فيصيّرها بصلبه فيها وعنها لإيمان البشريّة به معلّقًا، مرذولاً، مطعونًا، مبصوقًا عليه، إله القائمين من سقوط آدم وحوّاء بمدّه يديه على الصّليب لاستعادة آدم المجبول أوّلاً إلى حياة أبديّة!!.

* * * * * * *

     فأرسلت الأختان إليه تقولان يا سيّد ها إنّ الّذي تحبّه مريض. فلمّا سمع يسوع قال ليس هذا المرض للموت بل لأجل مجد الله لكي يمجّد ابن الله به [...] ثم قال لهم إن لعازر حبيبنا قد رقد لكنّي أنطلق لأوقظه [...] لعازر قد مات وأنا أفرح من أجلكم أنّي لم أكن هناك لتؤمنوا!!.

     وصارت قيامة لعازر العجيبة العجب قبل صلب، موت وقيامة يسوع! مشيرًا للملأ أنّ الإنسان في الإيمان به وإن مات فسيقوم في اليوم الأخير، يوم رقاده، إلى السّماء حيث الثّالوث!!.

     يا سيّد لو كنت ههنا لم يمت أخي...

     فقال لها يسوع سيقوم أخوك...

     فقالت له مرتا أنا أعلم أنّه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير فقال لها يسوع... أنا القيامة والحياة. من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكلّ من كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد!! أتؤمنين بهذا؟!.

     قالت نعم يا سيّد أنا مؤمنة أنّك المسيح ابن الله الآتي إلى العالم!!.

* * * * * * *

     اليوم، العالم كلّه يقف منتصبًا برعدة، بوجيفٍ قلبٍ، بإنجبال حسّه بدمائه، يستقيها دموع الحياة، دموع ينابيع النّور المنصبّ على جبينه، حاملاً معه وجه سيّده يسوع مغمّسًا بألم نكران شعبه له!! بألم حبّه المنعصر من حشا مريم الّتي ولدته من كلمة الآب لها بصوت جبرائيل رئيس الملائكة: إنكِ ستحبلين بالرّوح القدس وتلدين كلمة الآب الإله إلهًا متجسّدًا منك لكونه، الّذي عرفوه والّذين لم يعرفوه، الآتي إليه بإنشلاع إرادته الميتة فيه لغسلها بآلام ربّه على صليب موته عنه وانتزاعه من عبوديته لأهواء جسده حتّى يخلص منها بدم حبّه لمسيحه!!.

* * * * * * *

     يا أورشليم، يا أورشليم ! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها (متى 23 :37).

     مدينتُكَ يا الله صارت مدينةً متسلّطة على إرادات الشعوب لتُميت العالم كلّه ممتصّة دماءه ولا تشبع!!.

     بدمك المهراق على مذابح مدائنك الصغيرة في أديارك وكنائسك، أنت حيّ يا يسوع!!.

     بموت حبيبك لعازر وابن امرأة ناين اللّذين أقمتهما، وابنة يايرس رئيس المجمع أيضًا الّذي آمن بك أكثر من تلاميذك، الّذين ما عرفوك إلهًا لهم وأنت تطعمهم من ترجيّات صلاتك إلى أبيك ليثبُتَ صُلْب إيمانهم في قلبهم الصّلد، لتطعنه بحربة حبّك، بتوسّلاتك إلى الآب أن يعرّفهم ونحن معهم، من أنت؟! وأنت أنت قلتَ لهم ولنا، بنور ضياء وجهك وبكلمتك في قلب موائد عشارتهم وعشاراتنا في هياكل صلواتهم وصلواتنا، حيث مازالوا يحيون ليجبلوا دمك، يا ربّي، الّذي يشربونه في كلّ احتفال عرسٍ لكَ بأفكارِ قلوبِهم النّجسة المحبّة للدّنس والمال والسّلطة، الّذي يبنون بها قباب هياكلهم ولا يلتفتون للأطفال والرّضع المحمولين على أثداء أمّهاتهم برفقة رجالهم، ليلاقوك أنتَ الّذي مازلنا كلّنا نحن الّذين لَمَسْتنا بعين قلبك في ناظريك، نبكيك ربّنا، مستغيثين بكَ، حتى لا تُميتَ أورشليم الكاذبة بحبّ عشق قلبنا إليك!! لأنّك صيّرتنا نحنُ أورشليمَكَ... مدينتك!!.

     يا يسوع وَجْدَنا وانتظارنا في وجوه من سكبتَ عليهم نورك!! نناديك تعال يا ربّي تعال!! فقد فنيت ثم قامت أحشاؤنا في كلّ يوم نساهمك به، ليصير جسدك ودمك مأكلنا، الّذي فيه طعم موتك وقيامتك لأجلنا ولنا!! .

     كلّنا نحن اليوم إليك سيّدي مسرعين بلهثٍ مع أطفال دخولك أورشليمك لتطهّرها وتسامحها بسكبك دماءك وماء جنبك عليها!! وعلينا!!.

     يا إلهنا!! يا مسيحنا!! يا ربّنا وسيّدنا سامحنا، أطلقنا من ضعفنا، إليكَ حبًّا من حبِّك، وشركةً من شركتكَ معنا وباركنا!! آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

28 نيسان 2013
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share