الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّاني بعد العنصرة.
الاختيارُ والمصلوبيّةِ!...
حكايةُ حبٍّ!...

   "قالَ الرّبُّ لربّي: اجلسْ عن يميني حتّى أجعلَ أعداءَكَ موطئًا لقدمَيك"... (مز ١٠٩: ١).

   هذا كان وعدُ يسوعَ للّذين ناداهم الرّبُّ الإلهُ الآبُ بيسوعَ المسيحِ، حتّى يعودوا إليه من رحيلِهم الطّويلِ وسفرِهم الّذي لم يعودوا يرون فيه نورَ الصّبحِ أو ضياءَ الشّمسِ، وإذ يرون ذلك يرفعون الرّأسَ ليصرخوا في صمتِ ألمِ قلوبِهم: "ما أعظمَ أعمالَكَ يا ربُّ كلَّها بحكمةٍ صنعْتَ"...

   "من رآني فقد رأى الأبَ!!" (يو ١٤: ٩)... لماذا أصرَّ يسوعُ أن يُريَ شخصَهُ لكلِّ النّاسِ الّذين تبعوه؟؟... لأنّهم آمنوا به!... أمّا الّذين لم يعرفوه؟!... فلم يلبّوا النّداءَ... لأنّ عقلَهم كان هو آمرَهم، لا قلبُهم الّذي ناداهم طالبًا بل متوسّلاً إليهم...

   "يا بنيَّ أعطِني قلبَكَ"!!... أليسَ في هذا الطّلبِ تنازلُ الإلهِ للإنسانِ؟!... وكأنّه "شحاذٌ" يقولُ له مستعطيًا: أعطِني قرشَكَ!!.

   ما العقلُ وما القلبُ؟!. كلُّ هذه الخواصِ الّتي للإنسانِ، هي من الله!!. حجّةُ العقلِ تحليليّةٌ نقديّةٌ، أمّا ناموسُ القلبِ فالتّخشّعُ والتواضعُ!!. هذا الّذي لا يرذلُهُ الله!!. لذا نعترفُ نحن، إن سمعْنا صوتَهُ، الّذي قالَ لنا فيه: إن سمعْتُم صوتَه فلا تقسّوا قلوبَكم!!". لأنّ الاعترافَ به هو، أنّه هو يسوعُ، صارَ اسمَنا وعائلتَنا...

    الاعترافُ بالرّبِّ هو خاصيّةُ التّبنّي!!... تبنّي الإلهِ للإنسانِ الّذي سقطَ، مُسْقِطًا معه الحبَّ الّذي أحبَّهُ به الرّبُّ يسوعُ لأجلِ أن لا ينزلَ الإنسانُ إلى الجحيمِ... جحيمِ نفسِه تاليًا، جحيمِ الكبرياءِ بعبادةِ الذّاتِ...

   لذا صارَ "الصّليبُ" عنوانَ الخلاصِ!!... لأنّ الإنسانَ، من دون صليبِ الألمِ، يقعُ تحت سلطةِ الشّيطانِ!!. تحت سلطةِ عقلِهِ الّذي يجرُّه يومًا بعد يومٍ إلى حبِّ ذاتِهِ!!... عشقِ جسدِهِ، لذائذِ حسِّهِ، اجترارِ كلماتِ الشّكرِ والتّغنّي بما يقدِّمُهُ الآخرُ له!!. ليستنبطَ من خمائرِ سُكْرِه بذاتِهِ، بالنّجاحِ الّذي يحرزُه إِن بالمالِ الّذي كسبَهُ، لأنّه غُويَ، فأَغوى تاركًا حسَّهُ يجرُّهُ إلى حسٍّ أدنى، ويجرُّهُ، تاليًا إلى أعمقَ، إلى أكثرَ وأكثر، ليمتلئَ من حياةِ الدّنيا الفانيةِ، طالبًا مزيدًا من العُمرِ ليَبْطَرَ بجمالِهِ الجسديِّ أو بقبحِهِ فيحوِّلَهُ إلى جمالٍ مصطنعٍ، غبيٍّ، يفنى ويذوبُ إذا استخدمَهُ الإنسانُ للموتِ عن حسِّ قلبِهِ، فإلى التّلذُّذِ بالسّلطةِ والغنى والإمرةِ، والعلمِ والفلسفةِ والمالِ، والعملِ والرّبحِ، فيصيرَ بنظرِهِ بإيقاعِ استكبارِهِ، هو السّيّدَ الرّبَّ، لا الإلهُ يسوعُ المسيحُ الكلمةُ السّيَّدُ!!!...


   اليومَ تبدأُ المسيرةُ الطّويلةُ مع ووراءَ المسيحِ الرّبِّ الّذي قالَ فيه وعنه سفرُ المزاميرِ... "إذا سمِعْتُم اليومَ صوتَهُ فلا تقسّوا قلوبَكم!!" (مز ٩٤: ٨)...

   أيترجّى الرّبُّ، الإلهُ الآبُ، الإنسانَ في إنسانيّتِهِ السّاقطةِ، أن يُجدِّدَ النّاسُ أسماعَهم، حتّى لا يسفَّ السّماعُ الجديدُ؟!...

   السّماعُ الجديدُ هو بالتّأكيدِ ليس سماعَ صوتِ عَقْلِنا وما يريدُهُ الشّرّيرُ منّا، ليحمِلَنا خارجَ نطاقِ سرِّ البتوليّةِ الإلهيّةِ، المقدِّمةِ عربونَ عرسِ الرّبِّ مع شعبِهِ!!...

   ما تقدمةُ أو هديةُ العرسِ الإلهيِّ الإنسانيِّ مع الإنسانِ؟؟...

   ما البتوليّةُ؟!... مـا الـبـتـولـيّـة؟؟...


   ليس من وصفٍ أو صفةٍ كلاميّةٍ تَنْطقُ ببتوليّةِ العريسِ... لأنّ هذه الحقيقةَ هي واقعُ الألوهةِ الحقّ. والمعرفةُ، الّتي هي "البتولَيّةُ"،هي مسكنُ الإلهِ الإنسانِ... هي "بيتُ إيل"... قالَ الرّبُّ!!...

   "أنتم آلهةٌ وأبناءَ الله تدعون"... أن نعرفَ الحقيقةَ في دواخلِ أنفسِنا أنّنا وُلدْنا لنتألّهَ بالإلهِ الكلمةِ... هي قبولُ لبسِ نعمةِ الرّوحِ القدسِ بالقلبِ، بالحبِّ، بالصّمتِ...

   بهذه القولةِ "الآمرةِ" لأبنائه... أبناءِ الإلهِ، حدّدَ الرّبُّ لإِنسانيّتِهِ صيغةَ وصفةَ وجودِها!!...

   أتانا هذا التّحديدُ، لكلٍّ منّا، هديةً من الإلهِ، لعنصرةِ حياتِنا الكيانيّةِ بعد حلولِ الرّوحِ القدسِ علينا لنحيا، مستفيقين من غفوةِ وكبوةِ سقوطِنا من حضنِ الله، لنسمعَ الصّوتَ: "أنا لا أدعوكم عبيدًا بعدُ... بل أبناءَ الله تُدعون"!!... فتعالوا إليّ!!. عودوا وأنا أعيدَكم إليَّ، أولادي، فيعاديَكم غالبيّةُ النّاسِ، كذلك المجتمعاتُ!!.

   "التّبنّي هو الاختيارُ!!"... و"الاعترافُ" هو خاصيّةُ التّبنّي واختيارُ الرّبِّ لنا!!.

   أما الجوابُ فهو "تـكـلَّـمْ يـا ربُّ إنّ عـبـدَكَ يـسـمـعُ!!!".

   ويبقى التّسآلُ... هل التّبنّي والاعترافُ يربطان الإنسانَ بالرّبِّ الإلهِ؟!...

   لا!!... الاختيارُ الإلهيُّ للإنسانِ السّاقطِ وحدَهُ، وجوابُ الإنسانِ "بالنَّعمِ" هو اتّباعُ الحقِّ الإلهيِّ... وتلبيةُ الدّعوةِ مثلَ والدةِ الإلهِ العذراءِ مريمَ الّتي لمّا قالَتِ "النّعمَ"، سكنَ فيها المسيحُ بالرّوحِ القدس فقدّسَها وعمّدَها بنارِ اللّاهوتِ المحيي!.

   قالَ الرّبُّ: "أنا اخترتُكم لستم أنتم الّذين اخترتموني"!!...

   واليومَ، بل الآنَ وفي كلِّ أوانٍ يتكرّرُ الاختيارُ الدّعوةُ للمصلوبيّةِ بقولةِ النّعمِ!!... لكلِّ الّذين اختارَهم يسوعُ كي يتبعوه... الّذين هو اختارَهم وأحبَّهم بدءًا!!.... لأنّهم قبلوه في عمقِ سرِّهم بالصّمتِ!!... بالنّعمِ!... وبقبولِ حملِ الصّليبِ في أحشائِهم!!.


   ويبقى التّسآلُ أيضًا وأيضًا... لماذا اختارَ يسوعُ، بدءًا وأوّلاً، الأخوَين اللّذَين بكرُهما سيتبعُهُ من دون شكٍّ، إذ تتنزّلُ عليه النّعمةُ من عندِ الإلهِ الآبِ بالرّوحِ القدسِ حين سألَ الرّبُّ تلاميذَهُ... "من يقولُ النّاس إنّي أنا؟!... فأجابَهُ "بطرسُ" بسرعةِ التّلقّي وسماعِ الرّوحِ القدس... "أنتَ يسوعُ ابنُ الله الحيّ!!"... وصفعَهُ الرّبُّ بالحقيقةِ... أنتَ أجبْتَ هكذا، لا من عندِكَ، بل بنعمةِ وحلولِ الرّوحِ القدسِ عليكَ!!.

   ولم يَقُلْ له: "يا ربُّ إنّكَ أنتَ الّذي "تُسلّمُني"، لأنّكَ "تركتَني" في سقوطي الدّنيءِ حين أنكرتُكَ"...

   وأنتَ قلتَ يا بطرسُ حين أشارتِ المرأةُ الجاريةُ... "هذا منهم وقد رأيتُه معهم!!"... فأَجَبْتَ يا "بطرسُ" منكِرًا إلهَكَ!!...

   "أنا لا أعرفُ هذا الرّجلَ"...  أنتَ أنتَ يا بطرسُ بحقيقةِ ضعفِ سقوطِكَ أنكرتَهُ...

   مـن يُـنـكـرُ إلهَـهُ، سيّـدَهُ وحـبـيـبَـهُ يُـنـكـرُ ذاتَـهُ!!...

   "من هو الإنسانُ حتّى تذكرَهُ؟؟!!. من هو الإنسانُ حتّى تفتقدَهُ؟!... أنقصتَهُ قليلاً عن الملائكةِ... بالمجدِ والكرامةِ كلَّلْتَهُ؟!... وعلى أعمالِ يدَيكَ أقمتَهُ" (مز ٨: ٤-٦)...


   في هذا الأحدِ الثّاني بعد العنصرةِ تحلُّ على البشريّةِ حقيقةٌ جديدةٌ لم يُدركْها الإنسانُ قبلَ صليبِ الإلهِ، وموتِهِ وقيامتِهِ!!. أن يبقى في العالمِ حبيبًا ومرافقًا الضّعفاءَ، ومنتظرًا حتّى يحلَّ عليه "الرّوحُ القدسُ" كما نزلَ حالًّا على التّلاميذِ... إذ نزلَتْ نعمةُ الحياةِ الجديدةِ على كلٍّ منهم!!...

   أمّا بعدُ !! . فلماذا إذًا يبقى الكونُ بعدُ، في الشّكِّ؟!... بعدمِ السّماعِ؟!... باللّامعرفةِ للإلهِ... بعدمِ الطّاعةِ له والّتي هي نبراسُ وناموسُ الحبِّ الحقِّ للعيشِ مع الإلهِ العريسِ للدّخولِ إلى الخدرِ الإلهيِّ الملوكيِّ، الّذي للإنسانِ الجديدِ لآدمَ الجديدِ بالرّبِّ يسوعَ عريسِ المسكونةِ، وحوّاءَ الجديدةِ الّتي هي البشريّةُ؟!...


   لماذا كان على الصّلبِ، صلبِ الإلهِ، أن يبقى هو وحدَهُ الحقيقةَ والمعبرَ الّذي كان على الرّبِّ الإلهِ يسوعَ أن يمرَّ به للخلاصِ؟!... ألأنّه كان له أن يموتَ هو الإلهُ وحدَه لفداءِ البشريّةِ؟!... وعن البشريّةِ السّاقطةِ الّتي لبسَها من الإِنسانِ السّاقطِ؟!...

   لا!!. ثمّ لا!!. الموتُ على الصّليبِ كان وسيبقى عمليّةَ "القتلِ" الوحيدِ الّذي سمحَ بها الإلهُ الرّبُّ لمسيحِه أن يأخذَها على ذاتِهِ، ليحرِّرَ الإنسانَ من جسدِ القتلِ والموتِ، لكي يبقى "جسدُ الرّوحِ" وحدَهُ المحيي هو للحياةِ الجديدةِ، الّتي لا خطيئةَ فيها، ولا موتَ، بل تطهُّرٌ وإطلاقٌ للرّوحِ القدسِ على الإنسانِ بشكلِ ألسنةٍ ناريّةٍ يومَ العنصرةِ لتحرقَ فيه ومنه كلَّ شبهِ خطيئةٍ، فتعودَ المسكونةُ إلى الحياةِ الجديدةِ المتجدِّدَةِ بالنّعمةِ...

   بالصّليبِ أتى الفرحُ لكلِّ العالم!!...

   أيُّ صليبٍ؟!... صليبُ الحبِّ والطّاعةِ بعد السّماعِ!!.

   أتحبُّني يا بطرسُ؟؟... هكذا ناداه الربُّ ثلاثًا ليحرِّرَهُ من "ذاتِه الكاذبةِ" والادّعاءِ أنّه هو المهمُّ والعارفُ لتبقى هذه هي علامةَ السّقوطِ الوحيدةَ!!.

   هكذا، الشّيطانُ، بعدَ سقوطِ آدمَ وحوّاءَ من الفردوسِ لسماعِهم صوتَهُ، صارَ عليه أن يموتَ!!!... الموتُ للشّيطانِ في الجسدِ الّذي ألبسَهُ للإنسانِ وهو فَرِحٌ به، ويبقيهِ كمطلبِ ورجاءٍ لكلِّ الّذين يسعون إلى السّماعِ، لطاعةِ صوتِ الرّوحِ القدسِ الّذي يناديهم...

   "توبوا فقد اقتربَ ملكوتُ السّمواتُ!!"...

   التّوبةُ البكرُ هي في الإدراكِ التَّوقيِّ، لأنْ يَصْلُبَ الإنسانُ ذاتَهُ العتيقةَ على صليبِ الحبِّ الإلهيِّ المعزّي والمحرّرِ من دنسِ الخطيئةِ الّتي هي حبُّ الأنا!!..

   لذا كانتِ الوصيّةُ الأولى هي: "أحببِ الرّبَّ إلهَكَ من كلِّ قلبِكَ ونفسِكَ وقدرتِكَ... وقريبَكَ كنفسِكَ"...

   "من قريبي؟!"... يا ربّي؟!... أنتَ يا إلهي المزروعُ في عصبِ كلِّ إنسانٍ جبلتَهُ بيدِكَ من ترابِ موتِهِ، نافخًا فيه روحَ قدسِكَ ليحيا بكَ ومعكَ إلى الأبدِ!!...

   هذا يا ربّي هو "النّداءُ" الّذي سمعناه وصليبُكَ الّذي نسعى لحملِهِ، لا على أكتافِنا وحدَنا بل لنصيرَه نحن، لنتبنّاه بكلِّ وملءِ إرادتِنا، لأنّنا رأيناكَ معلَّقًا عليه!!.

   "نعم"... لصليبِ الحبِّ لكَ، لنبقى مصلوبين عليه، فيه معكَ!!... إذ تحملُنا والّذين كلّفْتَنا أن نصلِبَهم معنا وعلينا فينا، فنُقدِّمَهم لكَ قربانًا لعُرسِنا معكَ لكَ وفيكَ...

آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

3 تموز 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share