صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
عطيّةُ النّعمة.

   إنّ "عطيّةَ النّعمةِ" هي الكلمةُ المسموعةُ، الّتي تدخلُ القلبَ، وتتحوّلُ إلى عاصفِ حسٍّ يحرّكُ ركودَ الكيانِ وموتَه، ليخرجَه إلى فعلِ إرادةٍ يقيمُ فيه "إنسانَنا العتيق" من تخلّعِه وقبوعِه في ذاتِه إلى حركةِ وعيٍ تأتينا من عند الرّبِّ، فتصبحُ فينا مهمازَ الخيّالِ على جنبِ حصانه، لكي يهبَّ ويقومَ مسرعًا في الجريِ إلى إتمامِ عملِ سيّدِه دون أن يوقعَهُ، إذا لم يستكبرْ عليه صاحبُه... إذ ذاك، يتلقّى العقلُ شحنةَ الحسِّ القلبيِّ والإرادةِ النّاطقة فعلًا، فيحوّلُها إلى مسيرةٍ جديدة، يأخذُ هو فيها المبادرةَ لكي يسقطَها على كلِّ الكيان؛ فتصبحَ حياةً ناطقةً في المسيح...

   وإذ يعي الواحدُ منّا أنّه عاجزٌ عن إتمامِ كلِّ ما يريد، وإذ يعرفُ أنّه قاصرٌ عن إنجازِ عملِ الله فيه بما يرضي إلهَه؛ يلجأُ إلى مرشدٍ، إلى ملاكٍ يقفُ عن يمينِه، مُرْسَلًا له؛ لكي يدرّبَه، ويعلّمَه، ويمدَّ إليه يدَه، في أوانِ السّقطةِ، ويفقّهَه، ويحبَّه، ويؤدّبَه، ويضبطَه، بالحريّ ليعودَ للسّيرِِ على طريقِ الله، على طريقِ البرّ، على طريقِ الحبّ، والفرحِ، والصّلاح؛ لكي لا يُخزيَ الله بما أعطاه، ولا يجرّبَه الشّياطينُ بفعلِ إرادتِه الذّاتية. لذلك، يبقى الحسُّ الوحيدُ المرضيُّ، قدّامَ الله، هو حسَّ العقرِ، والفقرِ الطّويل الأمد والكامل: لا شيءَ عندَنا، يا ربّ... أمّا الّذي لنا، فتمسُّكُنا بما عندنا منك حتّى لا يؤخَذَ منّا... وذلك لا لأنّ الرّبَّ قاسٍ؛ بل لأنّه يريدُ أن يجعلَنا نفهمُ، بالتّأديبِ، والقطعِ، والتّرك، والابتعاد، والتّخلّي... أنّ كلَّ ما لنا هو من عندِه... لذلك، نقولُ في آخرِ القدّاس الإلهيّ: "الّتي لكَ ممّا لكَ نقدّمُها لك، على كلِّ شيء، ومن جهةِ كلِّ شيء"...

   هكذا، نقفُ قدّامَ خالقِنا، الله الآب، والمفتدينا بالابن، بابنِه الكلمة، أقنومِ الحياة الثّاني، وبالرّوحِ القدس المحيينا، عراةً، مقطوعي المشيئة... لنسمعَ القولَ: "أنتَ صنعتي، أنت جبلةُ يديّ!. لقد أعطيتُكَ سرّي ونفحةً من روحي؛ فكنْ مثلي، على شاكلتي، لأنّكَ منّي خرجتَ"... وإذ غرَّبْنا أَنْفُسَنا، منذ السّقوطِ وعبرَ الآباءِ والأنبياء والرّسلِ القدّيسين، أرسلَ ابنَه الوحيد، كلمتَه، ذاتَه؛ ليفتديَنا مجدّدًا؛ لنخرجَ من دمِ جنبِه ومائِه، فنولدَ من جسدِه غاسلاً إيّانا بمشيئتِهِ، ليُصعدَنا معه إلى أبيه وأبينا، إلى فردوسِ الرّوح القدس لنحيا في الخدرِ الإلهيِّ... في فردوسِ نعيمِهِ الأبديِّ...

   ولكن، ما هي إرادتُنا نحن، بالنّسبة لكلِّ هذا؟!... ما هو اقتدارُنا؟!... فقط، أن "نريد"!!. أن نقولَ له: نحن من دونِك "لا نستطيعُ شيئًا"، فتعالَ وتمّمْ عملَ اقتدارِك العظيم فينا!!.

   لقد عشْنا ومَرْمَرَتْنا دموعُ تخلّيكَ عنا... ماتتْ حياتُنا، إذ أَشَحْتَ وجهكَ عنّا... ونحن نعلمُ أنّكَ تفعلُ ذلك حبًّا بنا، حتّى نعودَ إليك بكلِّ كيانِنا... ونصرخَ آنّين، في كلِّ لحظة: "أنت ربُّنا وإلهنا"... وإذ نأتي إليك، أوّلًا، بالوجعِ والتّخلّي... تبدأُ بتنديةِ جراحاتِنا بندى روحِك القدّوس، وبعذوبةِ حنان والدةِ الإله... ترسلها إلينا أمًّا رؤومًا(*) متشفّعةً بنا قدّامَك؛ فتنقلُنا إلى ميناءِ خلاصِك. وإذ نكرّرُ النّداءَ، إذ نصرخُ اسمَكَ القدّوس، زمانًا طويلًا في التّحرّق، – إذ تحسُّ حقيقةَ التجائِنا إليك – خوفَنا، وضعفَنا، وإرادتَنا المُحِبَّةَ للموتِ والرّجوعِ إلى إنسانِنا العتيق؛ تحيي فينا السّلامَ العميق الّذي لا يُنتَزَع منّا، لأنّكَ تكونُ قد أتيتَ والآبَ السّماويَّ، وصنعتَ عندنا منزلًا... تكون قد حفرتَ فينا الآبارَ المُنبِعَةَ لمائِكَ الحيّ، فنصيرُ لا نحيا إلّا بمائِكَ، ولا نأكلُ إلّا خُبْزَكَ، ولا نستقي إلّا من دمِكَ المحيي حتّى نتقوّى... فنصيرَ نحن كتلةً تستصرخُ حنانَكَ الّذي لا يوصفُ، لنهدأَ في حضنِكَ...

   هذه هي "حكايةُ النّعمة" وعطيّتُها لنا: أن نستريحَ بالاسم القدّوس، وأن نحيا منه، وبه، وفيه، وألّا نفارقَ ذكرَه، لحظةً واحدة، إذ هو وحدَه كلمةُ الحياة؛ يولِدُنا مجدّدًا...

   هذه هي حياتُنا الّتي لا موتَ فيها، بل انتقالٌ من فرحِ إلى فرح، ومن تعزيةٍ إلى تعزية، ومن حبٍّ إلى حبّ، ومن حنانٍ إلى حنان، ومن صَفْحٍ إلى صفح، ومن قيامةٍ إلى قيامة!!. إذ ذاك، نكسرُ، كصغيرِ الدّجاجة، البيضةَ الّتي وُضِعْنا فيها، إلى عيشِنا ولادةً جديدةَ في الرّوحِ والحقّ، إلى فصح الحبّ الّذي لا يغربُ نورُه، منتظرين فصحَ إلهِنا الأبديّ في حياتِنا معه، في عيشِنا كلَّ ثانيةٍ معه حتّى نلقاه، بعد موتِنا، في الفردوس، منتظرَنا ليقولَ لنا: ادخُلْ إلى فرحِ ربِّكَ... لأنّكَ كنتَ أمينًا في القليلِ... فأُقيمُكَ على الكثير...


* الرّؤوم: العطوف.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

9 تشرين الأول 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share