بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
”الـــصّــــلـــيـــب“

       كما الحرفُ الكلمةُ ~ والكلمةُ النّطقُ!!.
           كذا الإنسان الأنا ~ والأنا الأنتَ!!...


     كما النّطقُ الكلمةُ ~ والكلمةُ الكتابُ!!.
           كذا الإنسانُ الأنا ~ والأنا المسيحُ ~ والمسيحُ الخلْقُ!!...


     كما المسيحُ الإنسانُ ~ والإنسانُ المسيحُ ~ والمسيحُ النّورُ!!.
           كذا المسيحُ الصّليبُ ~ والصّليبُ الموتُ للقيامةِ!!...


     كما الموتُ القيامةُ والصّليبُ الموتُ، للقيامةِ!!.
           كذا الشّهقةُ واسمُ المسيحِ الحبُّ!!...


     كما الوَلَهُ، كما التّوقُ، كما الوجدُ، كما اللّقيا!!...
           كذا الصّمتُ، والدّمعةُ، والنّأمةُ للكيانِ!!.


     كما صِرْتَ صليبي بحبِّكَ لي!!.
           كذا عمّدْتَني بغربةِ دَمْعِكَ لسرِّي!!.


     كما اسمُكَ سيّدي إلهي!!. مسيحي!!.
           كذا صِرْتَ صليبي إذ أَنطقتني وَجْدي!!.


     أُحِبُّكَ ربّي حُبَّين!!. حبُّ الهوى وحبُّك لي!!.


     اقتربْ منّي واشفني!!. لأنّكَ وَحْدَكَ مَوْئِلي!!.


     تعالَ... تعالَ وحرِّرْني منّي!!. ضُمَّني واسكنْ فيّ!!.


     يا فَرَحَ حزني ورجائي... يا وَجْدَ صليبِك فيَّ... يا موتي وقيامتي!!...

* * * * * * * *

     اليومَ يخاطبُ المسيحُ الإنسانَ ندًّا لِنَدٍّ!!...

     اليوم يقفُ المسيحُ الإلهُ إلى رتبةِ وقفةِ الإنسانِ مُعليًا الجسدَ وكلَّ الكيانِ، صائرًا صنوَه، مخاطبَهُ بالكلمةِ!!...

     هكذا أطلقَ اليومَ الإلهُ الإنسانَ من عقالاتِ كذبةِ انتمائِهِ إلى العالمِ جاعلًا منه صنوَه... ذاتَه... أخاه في القرارِ، في الوقفةِ أمام الآبِ الرّبِّ ليقولَ له سرَّ ضعفِه واستقوائِه به، وبالحرّيّةِ البكرِ النّقيّةِ الّتي أفرزَها الإلهُ في الخلقِ للإنسانِ ليَصيرَ عديلَه، لا خادمَه!!.

     كيف يولِدُ الإلهُ أقلَّ منَ الإلهِ؟! من ذاتِه؟!... لو خلقَ الإلهُ الإنسانَ أدنى من ذاتِه، لما كان الإنسانُ أبدَعَ الحرفَ، الكلمةَ، والكلمةُ الكتبَ، والكتبُ الشعرَ، والفكرَ، والفلسفةَ والنّغمَ واللّونَ، الّتي بها كلِّها يحكي الإنسانُ وَجَعَ نَقْصِه أمامَ ربِّه وخالقِه، لأنّه لم يبقَ مخبوءًا في سرِّ قلبِ وإبداعِ الخلقِ، بل بنظرِ ذاتِه، في لحظةِ غفلةٍ عن حبِّ الرّبِّ، صيَّرَ نفسَهُ إلهًا بذاتِه لا بذاتِ الخالقِ واقتدارِه!!...

     وقالَ اللهُ: أُعطي ابني هذا بعد سقطتِه فسحةً جديدةً!!. وعيَ إبداعِه أنّه من إبداعِ الإلهِ له!!... أُعطيه فرصةَ النّهاياتِ!!... أُعطيه الصّليبَ والموتَ مسمّرًا عليه، إذ يسلّمُني إليه ليسمِّرَني بحبِّه لذاتِه، لا بحبِّه لي، علّه يعي أنّه بالحبِّ وحدَه يعرفُني، وبالحبِّ عينِه بعد صلبِه وقيامتِه فيَّ على صليبي، يمكنُه أن يقاربَني، أن يحياني قائلاً لي: يا أبّا الآبُ!!.

     أحبَّ الإلهُ الرّبُّ يسوعُ المسيحِ الإنسانَ، أحبَّهُ، حتّى المنتهى، فقالَ له بمطلقِ الوعدِ وحريّةِ العطاءِ والحبِّ، مُطْلِقَه حتّى من التزامِه هذا الوعدَ: مَن أرادَ أن يتبعَني فليكفُرْ بنفسِه ويحملْ صليبَه ويتبعْني؟!. هذا عربونُ حبِّ الإلهِ للإنسانِ بالحريّةِ المطلقةِ!!.

     اليومَ يُنطِقُ الإلهُ هذا الخيارَ للإنسانِ، فيجعلُه إرادةً من إرادتِهِ هو إذ اختارَه إلهًا، سيّدًا، ربًّا له... حُبًّا، حبيبًا، لا من حبِّ التملُّكِ، بل من حبِّ الإطلاقِ، لاقتناءِ وعدِ الألوهةِ له، أنّه صنوٌ في الخلقِ الإلهيِّ إذا أرادَ اتّباعَ المعلّمِ... الرّبِّ يسوعَ المسيحِ!!، بملءِ حريّتِه!!.

     في المسيحيّةِ الحقِّ!!... في المسيحيّةِ البكرِ!!. في المسيحيّةِ الحبِّ، تبقى الولادةُ هي الحياةَ!!... والحياةُ النّورَ الّذي لا يعروه مساءٌ!!.

     هكذا وَلَدَ الآبُ الابنَ مُنذ ما كان البدءُ بدءًا!!.

     وبالابنِ وُلِدَ الإنسانُ ابنًا أخًا، صِنوًا، حُبًّا، عديلاً من وَجْدِهِ للآبِ وكانتِ الولادةُ الإطلاقَ بالرّوحِ القدسِ المحيي!!.

     وكان على الكونِ تاليًا أن يكونَ له وفيه ومنه عذراءُ، امرأةُ الحبِّ الإلهيِّ للإنسانِ، صنوُه في حبِّ الإلهِ له، واحدةٌ من الإلهِ فيه ومعه لا أقلَّ منه ولا أكْثَرَ!!. بل هي من الإلهِ ذاتِه في ملئِهِ معطيًا ذاتَه للرّجلِ كما المرأةِ، واحدًا فواحدًا!!...ليس ذكرٌ وأنثى، لأنّكم جميعًا واحدٌ في المسيحِ يسوعَ (غلا ٣: ۲٨)!!.

     اليومَ بالصّليبِ يتكشّفُ إبداعُ الإلهِ للإنسانِ، بتثبيتِه في وعيِ اختيارِه اتّباعَ إرادةِ الإلهِ له، بالصّليب، لأنّه سقطَ عن مصلوبيّةِ حبِّهِ للإلهِ، بغوايةِ الحيّةِ الشيطانِ الّتي رفضتْ إطلاقيّةَ ملءِ الحبِّ وإرادةِ الخلاصِ: فكان الصّليبُ وجعَ الإنسانِ للإله، والتزامَ الإلهِ بمعطوبيّةِ الإنسانِ، ليُعيدَ خلقَه للحياةِ الأَبديةِ والقيامَةِ على الصّليبِ الّذي هو أبدَعَه من حشا قلبِه، حُبًّا وطاعةً من حبِّه وطاعتِهِ للآبِ أبيه!!.

     ماذا ينتفعُ الإنسانُ لو رَبِحَ العالمَ كلَّه وخسرَ نفسَه؟!...

     أيحيدُ الإنسانُ مرّةً أخرى عن وجهِ خالقِهِ لينظرَ مثل نرسيسَ ذاتَه، وهيئتَه في المياهِ فيتغنّى بذاتِه، عابدًا الفانيَ، لأنّه هربَ على وجهِهِ من وجهِ الخالقِ؟!. وحبِّهِ له وارتباطِهِ به ولو طوعًا!!.

     خسارةُ النّفسِ بعد الولادةِ، هي خسارةُ الإلهِ الكلمةِ النّطقِ، الرّبِّ يسوعَ المسيحِ وضربُه بالسّياطِ، ولطمُه، والبصقُ عليه، لأنّه أخلى ذاتَه آخذًا صورةَ عبدٍ لأجلِنا، حتّى يشتركَ معنا بأخذِ جريمةِ صلْبِنا له على ذاتِه، وحملِنا أيضًا وأيضًا، بضمِّنا إلى قلبِه، على صليبِ الألمِ والهوانِ ذاتِه، الّذي صلبناه عليه، ليمنحَنا النّورَ والقيامةَ وفرحَ معرفتِه، بأنّه هو هو وحدَه البدايةُ والنّهايةُ والحياةُ والغلبةُ على أنفسِنا المائتةِ بالتزامِ موتِ الصّليبِ للقيامةِ به ربِّنا وإلهِنا ومسيحِنا، ميتًا عنّا وفينا ومعنا، ليقيمَنا به إلى القيامةِ العامَّةِ ~ إلى الحياةِ الأبديّةِ ~ إليهِ هو!!.

آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

23 أذار 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share