عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّامن عشر
بعد العنصرة.
عنصرة الموت والقيامة!...

 

   يأسُ الإنسان ومخاطبته العدم وجنونه وتحدّيه الكون والله، أنّه لن يموت، كانا وسيبقيان أنشودة واقعه في الحياة...

 

    لذا حقده على ربّه، ومواجهته اقتدار الخالق، وتسييره حياته، جعله يصرخ في وجه الرّب والعالم...

    مات الإله!!... ثمّ ...أنا الإله!!...

    بهذه الطّريقة العقلانيّة المملوءة بالتّحدّي... يحيا البعض اليوم!!...

    أمّا نحن فنحيا للإله، إذ أعطانا هو القيامة والحياة الأبديّة من وفي ذاته بالكنيسة وأسرارها!!...

    هذه كانت أخلاقيّة مواجهة الإنسانيّة لربّها، إذ قرَّرَت أنّها هي تريد أن تقبض على كيانها وقَدَرِها بنفسها... منذ البدء هذا كان... وحتّى الآب يبقى حسُّ التّنازع هذا بين الإنسان وربّه... فالإنسان يعي الحضرة الإلهيّة والرّب يستوعب مخلوقه... ورضيَ الرّب الإله!!. رضي بأن يقارعه ابنه الإنسان كيانه الإلهيّ وخلقه وعظمة إبداعه في ذاته...

    وقال الإنسان أنا أيضًا "هو"!!... وصَمَتَ الإله!!. صمت عن الإجابة!!...

    فالإله لا يَتَكَلَّمْ مع صغائر الانفعالات البشريّة...

    الله يترك الإنسان مريده أن يتحدّاه  حتّى يخسر... فيعود إليه...

    فالمواجهة بالحبّ والصّمت والصّبر، هي عِلْمُ الألوهة للإنسانيّة...

    إذًا ما هي الإنسانيّة المتحدّية ربّها؟!... إنّها السّقوط!!... وتاليًا الفناء بالموت!!. وإفناء الّذين يقاومون فكرها هذا في مقارعة خالقها...

 
 

                                                         وانطلق يسوع... سار في أرضه ليفتقد من وما له... والإله يفتقد أولاده... يمتدّ باتّجاههم... يحيا معهم...

    "هكذا انطلق الرّب إلى مدينة اسمها "ناين" وكان كثيرون من تلاميذه وجمع غفير منطلقين معه...

    فلمّا قرب من باب المدينة إذا ميتٌ محمولٌ وهو ابنٌ وحيدٌ لأمّه وكانت أرملة، وكان معها جمع كثير من المدينة...

    فلمّا رآها الرّب تحنّن عليها وقال لها:"لا تبكي"...

    "عجيب هو الله في قدّيسيه... في المجامع باركوا الرّب"...

    وصرخ الجمع الغفير، من تلاميذه والنّائحين على وحيد امرأة "ناين"، الّتي لا اسم لها ولا لوحيدها الميت المحمول في نعشه، على أكفّ الرّجال والكلّ كان ينوح ويبكي...

    امرأةٌ أرملةٌ وحيدةٌ ولا معيلَ لها... مات زوجها واليوم أَخَذَ الإله القدير القويّ ابنها وحيدها، رجاء عمرها لاستمراريّتها... ليتركها وحيدة، بلا معيل ولا حبّ!... وكانت مع رهط النّسوة يمشين إلى باب المدينة ليدفنَّ الشّاب الوحيد خارجًا... خارج الأسوار.

    فالموت كما الصّلب والدّفن لا يبلغ أرضَ الميعاد الجديدة... فأُورشليم الأرضيّة المعلَّقة على السَّماء، أي أورشليم العلويّة، هي للأحياء بالمسيح!!.

    لكنّ الرّب تحنّن عليهم... على شعبه... أرسل لهم المنَّ ليأكلوا بعد أن عبروا البحر الأَحمر ليهربوا من وجه القوس...

    الإنسان لا يدرك عفونة فكره ولا مصداقيّته في حبّه لإلهه وربّه، إلاّ عندما يمرض أو يشيخ، أو يفقر، أو يُطحن كالقمح ليُطعِمَ كلَّ جائعي الأرض...

    "ويلي... ويلي... من يخلّصني من جسد الموت هذا؟!..."

    أَكانت هذه الصّرخة، لأنّ آلام هذا العمر حَجَّمَتْ إنسانيّة وجودِهِ... أم لأنّه حفر في أرضٍ لا ماء فيها؟!. الإنسان الإلهيّ اليوم أدرك أن لا خلاص له إلاّ بالحبّ والصّمت...

    واليوم يحضر الإله لِيَكْسِرَ، بل لِيُفَتِّتَ الخوف من الموت والوحشة والضّيق والتذمّر وعدم فهم فكر العليّ وإدانة الإنسان مخلوقه المستمرّة له، بأنّه قاسٍ ولا يرحم، بل أنّه يجازي بالقصاص على أفعال الإنسانيّة وشرودها من أمام وجهه.

    "تعالَوا إليّ يا أيّها المتعبون والثّقيلو الأحمال وأنا أريحكم"...

    واليوم ينقض الرّب يسوع كلماته!!... لا ينتظر مجيء مِلءِ الموت هذا إليه... بل يأخذ هو خاصّته منطلقًا بهم لملاقاة قسوة وربقة الموت على أبنائه، وعلى الإنسان الّذي هو أبدعه...

    ذهب إلى "ناين" آخذًا معه، من يطلب منهم أن يذهبوا ليبشّروا الكون، إذ أطلقهم يسوع وهو معهم وبعده ليكونوا شهودًا له قائلًا لهم:"اذهبوا وبشّروا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الاب والابن والرّوح القدس"...

    والمعموديّة الحقّ، الّتي أمامنا اليوم، ليست هي بالغطس بالماء للغسل من العتاقة والدّخول في النّقاوة، بل بانهزام الموت أمام عزّة القيامة!!...

    "أين شوكتك يا موت؟!...أين غلبتك يا أيّها الجحيم؟!...

    المسيح قام!!..."

    اليوم أمام اقتدارالموت بإبليس، أمير هذا العالم... يصرخ الرّب يسوع هامسًا للمرأة من قلبه وألوهيّة إنسانه:"لا تبكي"...!!.

    اليوم يقيم يسوع البشريّة الكؤود من موتها إلى قيامتها بحنانه، بامرأة "ناين" وابنها وكلّ المحيطين بهم...

    تلك الجموع الغفيرة انطلقت إلى الموت... وراء الشّاب المسجّى في كفنه... وحيد أمّه... وصرخ بجبروت عظمة حبّه للبشريّة، "لا تبكي"!!. ثمّ تقدّم الصّمت والانتظار... دنا ولمس النّعش(فوقف الحاملون). فقال للشّاب الميت النّائم في نعشه، في حضنِ وسرّ يسوع تاليًا... وكلمته إليه... واجهه عارفًا أن الموت يأكل المعرفة والحقَّ مميتًا معه نعمة الاستجابة والتّجارب... "لكَ أقول قم!!... "أيّها الشّاب، لك أقول قم!!."

    تلقائيًّا تفتّحَتْ أبوابُ الجحيم... انفتح معها غطاءُ الموت... قام الشّاب من النّسيان، وموت النّفس والحسّ والرّوح... قام من حبس جسده له... قام!!. استرجع صوتَ ربِّهِ وإلهه الّذي يعرفه... والإله الرّب يسوع الّذي أَبدعه كان يعرفه... لأنّ يسوع يعرف كلًّا منّا... "من البطن عرفتك"!!. لتبقى المشكلة أنّ الإنسان المؤمن وحده هو الّذي يعرف ربَّه في قلبه!!.

    في قلب الإله تسكن الحياة... والمعرفة الحقّ له... والمعرفة للإله تجعلنا عارفين، بل ناظرين وجهه في وجه كلّ إنسان يستضيء بنوره:..."لك أقول قم"!!.

    استوى الميت في نعشه... خرج من موته... تكلّم مع يسوع قائلًا له..."ربّي وإلهي"!!...

    أَخرَجَ الإله يسوع الشّاب الميت من نعشه، من جحيم الشّيطان الملاحِقِهِ، ليسحق بالحزن كلّ من يعرفه الإله...

    لم يقل يسوع له ولا كلمة... فقط رأى وجهه... عرفه... هذا هو الرّب الإله... خالقي ومبدعي وأبي...

    أقامه وسَلّمه إلى أمّه!!...

    لم نسمع كلمات يسوع لا للشّاب ولا لأمّه ولا للجماهير الغفيرة المحيطة بهم... فقط نظر يسوع الشّاب في العين... أَدْخَله عمق أعماق روحه القدّوس، بعد أن كان ساكنًا جحيم موته... أعطاه قلبه ورأفات خلاصه بنوره.

    سلّمه إلى أُمّه... وكانت أمٌّه تعرف الإله...

    الأمّ يكاد يكون اسمها"مريم"... وكاد الشّاب ابنها، أن يكون اسمه "يسوع"!!!...

    هكذا كان!!... وبغيره لم يكن شيء ممّا كان!!.

    كان هو الحياة!!... والحياة هي فيه ومنه ولا عتمة فيها، بل نور من النّور الّذي لا يعتريه أيّ مساء!!.

    هكذا كان الخلق!!. وهكذا كانت الخليقة!!. وستبقى منتظرةً ملاقاة وجه ربّها...

    فالّذين يؤمنون بهذا... لهم الحياة الأبديّة... والحياة الأبديّة هي نور وحياة الإنسانيّة...

    اليوم صار اسم البشريّة... "عمّانوئيل"... أَي "الله معنا"...

 

 

آمين

 


 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

8 تشرين الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share