من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّابع بعد العنصرة
خذوا نورًا من النّور!!


     اليوم يتجلّى الّذي كان من البدء عند الله... المولود منه، لأنّه فيه، منذ الابتداء!!.

     اليوم يتجسّد طائعًا الحبّ الّذي به صار الإله إنسانًا، ليخلّص الطبيعة السّاقطة الّتي جرّت آدم مخلوق الله، لبْسَ المعصية مع حوّاء بغواية الحيّة الشيطان، ليفنى كلّ ذي جسد، بأهواءِ الخطايا الّتي بصقها الشرّير في حلق آدم وحوّاء يوم فتح فاه ليُسائل الإله: ما أنا منكَ وما أنا من ذاتي!!.

     ولم يُجب الإله تسآل آدم، لأنّه سمع فيه صوت الشيطان، داخلاً في محاكمة الخالق لخلقه والمخلوق لخالقه بلا حبٍّ!!!.

     اليوم يَطلعُ متجلّيًا على البشريّة من هو إلهُ البشريّة، مُبدعها وخادمها!!.

     اليوم يماهي الإله صورة وجه الآب وروح قدسه في شخصه لاهوتًا نورانيًا، لا عتمة فيه ولا ظلمة ولا خفوت نور وحبّ، بل إطلالة سطوع شعاع الآب على الكون، في شخص الإله الإنسان الإبن يسوع للبشريّة، لتتلقّى نعمة النّور الغير المخلوق في شخصِ المتخذِ جسدَ الموت، ليُميت بنوره الموت في الإنسان، ناقلاً إيّاه ليصير نورًا من النّور الإلهيّ!!.

     اليوم أضاء النّور في الظلمة، في عتمات عمى الأعميَين، لأنّ النّور الإلهيّ لا تدركه الظلمة ولا الرّوح الشيطانيّة الّتي في الإنسان!.

     وكان النّور الإلهيّ منذ البدء، من قبل أن كُوِّن الكون من كلمة الله!!.

     فكيف داخلتِ العتمة النّور غير المخلوق لتُفسِد وجهه؟!.

     باللاّحب، بالشكّ، بالسّقوط في أنا القلب المتأجّج بالعطاء الّذي غمر الإله الإنسان به، والأخذ الّذي يطلبه الإنسان ليحقّق ذاته في الإنيّة المستصرخة الوجود!!.

     أنا هو الفاعل في الوجود في الكون!! أنا هو العقل!! أنا هي الإرادة!!.

     أنا هو العلم!! أنا هي جميع الإختراعات!! أنا هو الطبّ!!.

     هكذا توقّف الإنسان عند حدود المنطق العقلاني!! إذ أمات القلب!!.

     أيموت قلبُ الإنسان وحسّه، والإله تجسّد متجلّيًا نورًا من النّور الّذي لا يُدنى منه؟! أمام تلاميذه محتاطًا بموسى وإيليا؟!.

     هكذا أرتسم البدء!! منذ الأزل وإلى الأبد!! مُظهرًا الهيكل الجديد كنيسة العهد!!.

     خذوا نورًا من النّور الّذي لا يُدنى منه ولا يغرب وهكذا مجّدوا المسيح القائم من بين الأموات!!.

     وكانت الولادة الجديدة للإنسان الجديد في الكون الجديد المؤطَّر بالنّور الإلهيّ والمغمّس بدم خالقه!!.

     لتصرخ الشفاه من هو هذا، القادم إلينا من ظلمة وظلال الموت، الآتي لا بأحمر ثيابه المغمَّس باستشهاده لأجل خطايا وجهالات الشعب الّذي أبدعه! حاملاً لنا عصير الكرمة الجديد الّذي هو هو!! هكذا كان على الإله الإنسان أن ينزل إلى بركة دماء كلّ الّذين استشهدوا في العالم لخلاص الّذين لا يعرفون الإله، حتّى يصيرَ الكلُّ فعلةً في كرمه، عاملين في المعصرة لقطف العنب الّذي زرعه يسوع في حَقْل جسد كلّ إنسان، أو جماعة اصطفاها له!!.

     وصار الختم ممهورًا على جبين البشريّة التائقة إلى الحبّ في الحبيب الإله وحده، خروفًا مذبوحًا، ميتًا، قائمًا ومتجلّيًا!!.

     يا إخوة! ما لم تره عينٌ ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشرٍ ما أعدّه الله للّذين يحبّونه (1كور 2: 9).

     من يحبّ الله؟!. كلّ الّذين خرجوا من جرن المعموديّة لابسين المسيح الّذي اعتمدوا به، منه وإليه، ليحيوا لا كما كلّ النّاس، بل باستقراءِ وتفسير أسرار الحياة الإلهيّة المزروعة فيهم منذ مولدهم، من تراب الأرض ونفحة الرّوح القدس، أي من روح الإله الكلمة المتجسّد ليُحيي كلّ السّاقطين من ذريّة آدم وحواء، لتصير هذه، رفقة العمر بين الخالق والمخلوق!! بين الحبيب والمحبوب!!.

     لكن الإله أتى لا كملك، بل كإنسانٍ مضروبٍ على وجهه... لا هيأة له ولا منظر فنشتهيه!!.

     لا يمكن!!. بل لمستحيل هو أن يبقى ما بين الولادة والقيامة عبر التجلّي، إنسان واحد جائعًا إلى الإله ولا يذبح الإله نفسه ليأكله، فيصير هو لحمًا من لحمه وعظمًا من عظمه ودمًا مهراقًا من دمه، لخلاص كلّ الّذين أوكل الآبُ الرّب يسوع عليهم ليأتي بهم إليه!!.

     ونادى الإله: تعالوا إليّ يا أيّها المتعبون والثّقيلو الأحمال وأنا أريحكم... احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني... فإنّي وديع ومتواضع القلب، تجدون راحة لنفوسكم!! (مت 11: 28-29).

     وكان على الرّب أن يبقى في التجوال ليلتقي الفقير والأبرص والأخرس والمخلّع والأعمى الجائع للنّور، كما الزّانية والعشّار إلخ...

     ما دمت أنا في العالم فأنا نور العالم (يو 9: 5).

     هكذا رأى الأعميان المسيح النّور بنور قلبيهما.

     وعاد يسوع إلى بداءة خلقه للإنسان ليَجبله الآن... لا من تراب الأرض، ونَفَس روحه القدوس، بل من خبز جسده المتجلّي، القائم إلى الموت ومنه إلى النّور، مغمِّسًا عظامَه بالماء الخارج من جنبه المطعون على الصّليب، ومعمّدًا  إيّاه بدمائه الإلهيّة المستقيها من جسد العذراء مريم أمّه، ليصيرَ بها هي حبًّا معلّقًا على صليب الخلاص، بالطّاعة لكلمة الآب الإلهيّة، الّتي هي حبٌّ وموت حنان وعطاءٍ يُفنيان جسد الموت، ليقومَ الإنسان إلى إنسانية الحبّ الجديد المتجلّي في يسوع المسيح!!.

     هكذا صاح الأعميان تابعينه: ارحمنا يا ابن داود!! فلمّا دخل البيت دنا إليه الأعميان فقال لهما يسوع هل تؤمنان أنّي أقدر أن أفعل ذلك؟! فقالا له نعم يا رب. حينئذ لمس أعينهما قائلاً كإيمانكما فليكن لكما. فانفتحت أعينهما!!.

     لا يفتح الإله الرّب يسوع أيّ عين عميت عن نوره، إلاّ متى آمنت به ربًّا وإلهًا من الإله الآب الضابط الكلّ وواحدًا أحدًا معه منه وفيه، صارخًا: هذا هو الرّجل، الإله الإنسان!!. ابن داود الملك آتيًا ليخلّص ما قد هلك!!!.

     بعد شفاء يسوع الأعميَين في اجتيازه سُبُل هذا العمر، لإيمانهما به، قدّموا إليه أخرس به شيطان... فلمّا أُخرج الشيطان تكلّم الأخرس!!.

     في الكلام تكلّم الكلمة في الأخرس مُسَبِّحًا، مؤمنًا أنّه في حضرة النّور غير المخلوق الّذي لا يموت ولا يُظلم، وكلّ إنسان يقترب منه، بعد صمت المعصية الّتي في نفسه يُسبّح في النّطق إذ يتكلّم كالأخرس حُرًّا من ربقة الشيطان عليه!!.

     تكلّم الأخرس ليقول الكلمة! وإذ يقولها كالابن الشّاطر إلى أبيه عند عودته إلى بيته بعد غيابٍ طويل وتوبة حبٍّ تعذَّب فيها الإنسان بحسِّ جسده، بلحمه ودمه وعناد روحه عن الإقرار، أنّ هذا هو الإله المتجسّد لأجلي أنا!! هذا هو الحبيب الّذي تاقت إليه نفسي!! هذا هو المنتظر!!.

     عندها يصير الإنتظار!! يصير القبول!! يصير الوعد!! تصير الرّجعة إلى الرّوح، إلى الحبّ، إلى النّور، هي هي الحياة البكر لكلٍّ منّا... آمين.


من الأرشيف

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

27 تموز 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share