<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الرّابع عشر بعد العنصرة.
ميلاد ”مريم“... والدة الإله
سيّدتنا الكليّة القداسة...

    مريم، والدة الإله، البتول، أَدخلت حقيقة ”الحبّ المريميّ“ الإلهي إلى البشريّة، لتصيرَ، بها، بشريّةً جديدة لا عُقْمَ فيها ولا جفاف، بل خصبٌ من رأفاتِ القلب الإلهي المُعْتلي عرشَ الشّيروبيم، الحاملة معه القلب البشري، ليُغيّره من قلبٍ عاشَ، أجيالًا، كِذْبَةِ حُبِّه الفاسد للإله، واستحال، بقبول مريم، و”نَعَمِها“، قلبًا إلهيًا مزروعًا في هيكلِ الإنسان، قلبًا لَحميًّا، لكنّه ينبض باسم الإله ويحيا من والدته مريم بحبّه، ليُسْكِنَه الإلهُ عينَه وقلبَه، وينقله تاليًا، إلى حياة أبديّة...

    ”وجهكَ يا ربّي أنا ألتمس“...

     فيجيب الإله:

     ”يا بنيّ أَعطني قلبك“...

      لذا كان على مريم أن تولد في بريّة هذا العمر، لتُهيّئ لشعبها حشاها حتّى تولد البشريّةُ السّاقطة منها هي وحدها، بعد أن صارت ترابَ الحبّ الإلهي وهيكله، المزروع فيها بالرّوح القدس، لتتقدّس البشريّة بأكملها بها، وتولد منها هي والدة الإله أمّ الكون وحوّاء الجديدة...

    اليوم مريم تولد لتصيرَ الوعد الإلهيّ الّذي لا بداية ولا ٱنتهاء له!!.

    لن تفنى البشريّة بعد مريم والدة الإله ولن يَحلَّ أو يأتي المجيء الثاني للرّب خِلْسةً، كما وُلِدَ الإله الرّب يسوع من بطنها، في مغارة، وجلس كلبٌ عند باب المغارة، مانعًا السّرّاق من أن يخطفوا الطفل الإلهي الّذي هو أجملُ أطفالِ أهلِ الأرض، لأنّه بكرُ الخليقة الجديدة النّازِلُ من السّماوات، حامِلاً في ذاته البداية والنّهاية، الأبديّة الّتي هي الألف والياء!!.

    هكذا من بطن مريم ولدت الحياة الأبديّة لكلّ المؤمنين ... فلنفرح ونتهلّل بالعجب الإلهيّ هذا...

    لذلك صارَ قولُ الرّبِّ عن نفسه، ”أنا هو الألف والياء، البداية والنّهاية“! (رؤيا 8:1)، الّذي كان، ومنه سيكون كلّ شيء وعدًا أبديًّا، لأنّه ”بمريم“تحقّقّ!!.

    وارتحلت بميلاد مريم الحيّة الشّيطان، إذ أبطلت بابنها الحياة الفانية...

    اليوم نعرف أنّه حتّى لو نَجِسَ الإنسان ساقطًا في حمأة أَعمالِهِ الأولى، متمرِّغًا في قيح تربته ونتنه، الّذي لا يستطيع الخروج منه...فإنّه سيبطل التّجديف على الرّب وعلى جميع أنبيائه ورسله وقدّيسيه، لأنّ مريم باقية بدء البشريّة العفيفة الجديدة!! اليوم تولد الّتي هي بدء الحياة في المسيح...

    وبدء الّذين يولدون حاملين ألم سقوطهم ودافنيه في جرن المعمودية... لكنّ ذاك الموت سيكون الموتَ الأوّل لهم، ولكلّ خليقة الأرض، الّتي عاشت في رذيلتها وسقوطها بعد خروجها من مغطس الحبّ الإلهي ... لأنّ الرّوح القدس سكن في بطن مريم مانحًا إيّاها الخلاص الأبدي، بحبلها بيسوع ٱبنها بكر الخليقة وفاديها... لكنّ كثيرين سيبقون، وهُم على التراث، منكرين عطيّة الآبِ والابن والرّوح القدس للبشريّة، وتاليًا، لهم...

    العالم أنكر الإله بعد أن عرفه وذاقه رحمةً وحبًّا بمريم شفيعةً له... أمّا الّذين كاذبوه الوعد، فلحسوا بعض شَهْدِ العسل، وٱنكفأوا إلى أغوار سقوطِهِم كالحيوانات، ليزاوجوا بين ما أُعطي لهم من بركات وما أصرّوا عليه من نزوات، ليصيروا هم، أيضًا وأيضًا، المجدِّفين عليها وعلى الرّوح القدس السّاكن في مريم وعلى الرّب يسوع المسيح مُبْدِئها!!.

    فلماذا نبقى، نحنُ، في هذه الكذبة؟!.

    في كنيستنا الأرثوذكسيّة الجامعة المقدّسة الرّسوليّة نقول إنه ليس من بشر طاهر، مهما تقدّس وهو في البشرة!!.

    لكنَّ الكنيسة تعلّم، أيضًا، إنّ الإله الابن تنازل وصار بشرًا، لأنّه أحبّ خاصَّتَه حتّى المُنتهى، فأوْلَدَ لكونه ٱمرأة طاهرة نقيّة ”طيبة“ الأحشاء الواعدة ربَّها وإلهَ الكون، أنّها باقية حاملةً عطيّته ليكون دورُها في الخلاص هو دورَ من حمل الخلاص، ليقدّمه لكلّ نسمة في الكون، حتّى يطهّر به النّسيمات والعواصف والإعصارات والأنهار والأشجار والجبال والوديان والحيوانات والمنظورات وغير المنظورات، لتبقى، هي، مريم الّتي مَلَكَتْ بتوليّتها من ٱبنها للبشريّة على الصّليب، في موقعها كأمّ لحبيب المسيح التلميذ "يوحنّا الحبيب"، الّذي عرف سيّدَه في القلب واتّخذ أمَّه أمًّا له ولكلّ حبيب للرّب الإله، في الكون وعلى الأرض، بقولةِ المصلوب لها "هذا هو ٱبنكِ". يا مريم... يا أُمّاه...

    وحدها مريم، الأمّ البتول، حملت تمام الرؤية الإلهيّة!!...

    هكذا سكنت، بعد ولادتها، في التراث حاملة تقليد أُمّتها لتبقى غريبة، في هذا الكون، بل مغرَّبة، بالحبّ الإلهيّ، عن وشوشات شيطان هذا العالم وأميره...

    هكذا أطلقت شفاعتُها خيمةَ عهد جديدة مع البشريّة؛ وأطلق حبّها الطاهر المريميّ، حبًّا جديدًا يحياه كلّ من تاب عن نوازع جَسَدِه ونفسه لعبادة الآب والابن والرّوح القدس، إلهًا واحدًا وحيدًا، لا ٱنقسام ولا تجزُّء فيه...

    هكذا كان على الإنسان الجديد، أن يتجدّد بوعد مريم  ليصير ابنَها بيوحنّا حبيب المسيح...

    اليوم تصرخ مريم:”ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال“!!. إذ قالت "نعم" لنداء خالقها...

    قالت مريم هذا القول، لا لتُعْلي نفسها، بل لتقول إنّها، بالوعد الإلهي لها، ستصيرُ أمَّ الإله، خادمة، عبدة، بل سيّدةُ العُرْسِ الإلهي الّذي أقامه الله معها بالرّوح القدس ومع البشريّة كلّها، بعدها...

    وكانت هذه النَّعم  نعمًا جديدًا للبشريّة حتّى تتبنّاها!! لا دورٌ للعقل فيها ولا للمنطق، بل لِوَلَهِ الحِسِّ الإلهي في كيان كلّ إنسان نفخ فيه الإلهُ روحَه القدّوس.

    هكذا كان الحبّ الإلهيّ وهكذا يبقى!...

    هذا هو الإيمان الجديد المتجدّد، كلّ يوم، إذ ترفع كلُّ فتاة رأسَها لتصير أمًّا للإله ”بالوعد المريميّ الجديد“ لها المبنيّ لا على المنطق، ولا على أيّة معرفة، بل على الإيمان، أنّ الرّب أَحَبَّ خاصَّتَه حتّى المنتهى؛ فلن يخرج أيٌّ مِنّا من قبضة يده، لينسلّ إلى سقوط هذا العالم، بل لنبني ”نَعَمَنا“ على ”نَعَم“ مريم، لأنّنا صِرنا منها وفيها، وبابنها، بشرًا جُدُدًا يحيون حياة القلب والحسّ بتعاطي الحبّ الإلهي كلّ لحظة، بالصّلاة المعطاة لنا تاجًا لهاماتنا، فلا نتكلّل، بعدُ، بزينة هذا العالم، بل بحمل صليب حبّ إلهنا لنا، وحبِّنا له، بشفاعات أمّه مريم، الّتي تعلّمنا، كلّ يوم، كيف نحبّ بها، وحدها، إلهنا...

آمين.



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

10 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share