الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الّذي بعد الظّهور الإلهيّ.
يسوع
يقدّس مياه الكون
بمعموديّته..!!..

 

لماذا كان محتّمًا على ابن الله المتجسّد، يسوع المسيح، أن يعتمد.؟!... وأن يخرج إلى البريّة ليجرَّب من إبليس.؟!... وأن يصوم أربعين يومًا وأربعين ليلة.؟!... وأن يكمل بشارته مُكلِّلاً إيّاها بالآلام والصّلب للقيامة..؟!.. وللحياة الأبديّة...

نحن نعرف من خبرة الخلق، أنّ الإنسان يخضع لقضاء الله وأحكامه في حياته، إن بالصّحة، أو بالمرض، أو بالعمل، أو بالعيش إجمالاً أو بالموت ويقول: هذه مشيئة الله... هذه أحكام الله أو هذا قضاء  الله... للإنسان حتّى يتعلّم...

وها الآن نقف مبهوتين، يتولاّنا الدهش الداخليّّ والحيرة، أوالرِّعدة، ليسيطر السّكون على حسّ القلب، ويصمت كلّ فكر وتسآل: "ماذا يحدث للكون الّذي خُلقنا نحن فيه".؟!...

 في الميلاد لم يكن الخبر قد عُرِفَ بعد في كلَّ المسكونة... لكن، اليوم يغيب النّجم الّذي دلَّ المجوس على مذود الطفل الإلهيّ، لتتفتّح السّموات مشرعة أبوابها للواقفين المنتظرين ظهور النّجم مجدّدًا بعد ذبح أطفال بيت لحم، شاكّين في اقتدار الحدث الّذي كان له أن يغيّر وجه الطبيعة، وجه الأحكام، وجه أحزانهم وعبوديّتهم للحكّام الظالمين الّذين سلّطهم الله عليهم لغيّهم وتأديبهم!!... لأنّهم خَطِئوا وأَثموا وشَكّوا بأحكام وحكمةِ إِلههم..!!..

لكن كان لا بدّ أن يكون ما كان حتّى تصبح الأرض سماء الإله ..!!.. وكان لا بدّ للابن، كلمة الآب المتجسّد، أَن يُصْبِحَ هو تاليًا الذّبيح الإلهيّ الإنسانيّ، مشتركًا في كلّ تبريكات وآلام البشريّة، ليردم جسر العداوة والبعد بين السّماء والأَرض، بين الخالق والمخلوق، بين الطبيعة الإلهيّة المنزّهة عن كلّ خطيئة والأرض والإنسان الّذي سقط من السَّموات بسبب إنكاره الصّامت، أنّه هو ليس من الإله وُلدَ، وأنّه هو وحده ابن الملك السّماويّ الّذي أولده الآب من ملء كيانه حتّى يعيش معه وله بكلّيّته..!!..  

هكذا كان لا بدّ من الفداء، ليعود الكون إلى إِلهه... إلى وقفة الرّعدة أنّه سيموت بلا خلاص... وكان للإله وحده، وهو الخالق، أن يعيد الإنسان للألوهة بدمه.!... بمحوِ نفسه كإِله..!!.. ليلبس هيئة العبد ويقبل التّعييرات والبصاق واللّطمات عن الإنسان..!!..

وصار الموت عديل الحياة للخلاص الكونيّ!!!.

هل يولد الإنسان من الإله حياة، لتفنيه الحياة بعد أن تكون قد أطعمته سرّ الحبّ، سرّ النّور، سرّ الفرح، سرّ الغنى، سرّ الوجود، سرّ الألم والمرض، سرّ التجارب  بالقبول والفهم والتزام الموت، سرّ حبٍّ للإله ولقبوله معْبَرًا للحياة الأبديّة الخالدة.؟!!.

ولم يفهم الإنسان أنّه بالموت عن أَنا نفسه وعليائه يَتَّحدُ بالإله... 

ونسأل كيف للإله ربّ السماء والأرض مبدع الكلّ وسيّد الكلّ أن يبقى بلا حراك هكذا، لا يدافع عن أولاده بوجه الشّرّير  والشيطان قاتل الأطفال الرّديء... كيف لا وهو سيّد الحياة.؟!... أيرضى أن يصبح هو نهايات الحياة للموت تاليًا.؟!. والآن، بل اليوم، ألا يجول الشّرّير في بقاع الأرض كلّها لقتل كلّ الّذين يؤمنون باسم الرّبّ القدّوس، سيّدًا لحياتهم.؟!... أَهَلْ توقّف نحر الأطفال وعويل الأمّهات على أبكارهنّ منذ زمن تجسّد ابن الله وولادة المسيح.؟!...

الزّمن الآن يطحن البراءة والحبّ النّقيّ..!!..

ألم يبقَ سيف الشرّير مسلّطًا على سيّد الخليقة في كلّ من يؤمن ويحيا للإله في هذا الكون؟!. إنّ قتلة المصلّين في الكنائس، هي لصلب المسيح وموته تاليًا في البشر، ولكن، هل يقضي الشرّير على المسيح هكذا أم تشتعل نارُ الحبّ الإلهيّ لتضطرم سبعة أضعاف، محرقة كلّ من يحاول قتل من هم للمسيح.؟!...

أواخر الأزمنة هي هي اليوم كما البارحة... وحتّى لبْسِ الإله كلّ نفس طاهرة وقلب نقيّ قابلٍ للصّلب مع سيّد حياته عن كونه الصّغير حوله... عن ذاته.!.

من يطفئ نور الحياة.؟!. من يخفت شعاع الشمس العقليّة.؟!.

وتصرخ الأصوات: الرّبّ يرعاني فلا شيء يعوزني..!!..

معموديّة الإله هي الحياة من الإله خرجت، والموت ٱرتضاه الإله فداءً لتبنّيه سقطة آدم..!!..

هكذا صارت الحياة عديلة الموت والموت حياة للذين يرومون عيش وصايا الإله وحياته على هذه الأرض..!!..

والموت الإلهيّ الإنسانيّ صار حياة الكون الجديد بعد السّقوط..!!..

هكذا يفرح المؤمنون بالرّبّ يسوع، فيتماهوا مع إلههم بما عاشه لأَجلهم على هذه الأرض من آلام وتجارب واضطهادات وقتالات وموتٍ وقيامة.!!!...

محبّوه يموتون معه، وله، حتّى يقيهم تسلّط الشّرّير عليهم لإرجاعهم إلى العدميّة الميتة بقتل النّعمة والحبّ والبراءة..!!.. أي بصلب المسيح.!!!...

بدء الحبّ ونهايته، الاندراج في سرّ الحبيب، بعيش ما كان له فيّ وما أُعطيه له، اليوم، بجرأة الالتزام..!!..

"الإنسان المؤمن" يتبنّى سقطة آدم في كيانه، غير مترفّع عن الخطأة ولا منغمس في الخطيئة، بل تائب يومًا بعد يوم عن خطاياه وجهالات الشّعب..!!..

التحدّي الكبير للإنسان أنّه يحيا على وجه الأرض مجرَّبًا كلّ لحظة لترك المسيح وحتّى تعليقه على صليب أهوائه، هو ابنه..!!.. والمأساة، بل الموت الحقيقيّ، هو أنّ الإنسان ينسى ذكر اسم يسوع في كيانه كلّ لحظة، فيسقط توًّا في حبائل الشرّير، لينكر الّذي خلقه على صورته ومثاله، وهكذا يقتل المسيح أيضًا وأيضًا... كلّ لحظة تبعد فيها عين قلبِ الإِنسان عن إِلهه...

"من صدّق خبرنا، ولمن ٱسْتُعْلِنَتْ ذراعُ الرّب.؟!". (أشعياء 1:53).

"أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردنّ جليل الأمم..!!.. الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا والجالسون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم نور... ومن ذلك الزمان ٱبتدأ يسوع يكرز ويقول: "توبوا فقد اقترب ملكوت السّموات". (متى 15:4 17).

من زمن السّقوط ٱعتادت الشعوب، كلّ شعوب الأرض، أن تقبع في الأرض المالحة، تأكل الطحلب من جوانب مياه الأنهار والبحار المملّحة بنتن معيشتها، في الأماكن الّتي ربضت فيها ولم ترفع لا القلب ولا النّداء إلى الإله ليغيّر لها مكانها، ينقلها، لتعلو من الوهاد حين لا يُشرق النّور، إلى السّهول والجبال لترى طلوع الشمس على حقول القمح الّتي زرعتها لتأكل منها الخبزَ المصنوع بيديها من القمح النّقي، فتكسره ليرسل لها الله من يحوّله جسدًا لخالقها ودمًا مهراقًا للّذين تبتّلوا الحبّ للإله ليصيروه...

هكذا بقي في الكون سبعة آلاف لم يُحنوا ركبة لبعل..!!..

وبقي في أرض زبولون، أرض الموت والسّرقة والغنائم، أَرض الهرب المملّحة بالخطيئة، أرض النّجاسات في كلّ زاوية من زوايا الأرض، أرض الخطيئة المبثوثة في دماء الشعوب، في بطون وأرحام الأمّهات وبذار الرّجال الفاسد، إلى أن تدور الأعمار والأزمنة، فينبجس نور المسيح على كلّ تلك الشعوب المغمّسة لقمتها وخلائقها بالفساد والموت.!. ليسقيها يسوع دماءَها وإذ تعود إليه، يحوّل نتانتها إلى منٍّ تأكله..!!..

هكذا يحيا الإله في الحبّ المبذول، الّذي يصلّي باكيًا تخلّع النّفس البشريّة بعد سقوطها في اللاّحبّ، في البعد عن الإله، أو في البحث عن قرينها في التخلّع والشَّلَلْ الّذي ضربها به الشرّير، ليفني ويهلك ما خلقه الإله.

هذا كان من لحظة إنكار الإنسان الحبّ الإلهيّ..!!.."ويلي... ويلي من يخلّصني من جسد الموت هذا... وستبقى حرب الشيطان على الإنسانيّة لسحقها وتفتيت إرادتها للخلاص بمسيحها..!!..

"اليوم أَشْرَقَ نورٌ عظيمٌ على الجالسين في بقعة الموت وظلال الخطيئة"..!!..

اليوم سقطت قشور العمى الشيطانيّ من عيون البشر الخارجيّة والدّاخليّة... فرفعوا ألحاظهم ينظرون متمتمين: من الآتي.؟!... والتحفت سماؤهم بالضّياء..!!.. داخَل النور قلوبهم، فتحرّكت أرجلهم المشلولة فانتفضوا واقفين... باقتدار المسيح..!!.. قاموا ينظرون ما هذا النّور.؟!. من أين هذا النّور.؟!. فسمعوا النّداء:"توبوا فقد ٱقترب ملكوت السّموات"..!!..

مشوا خطوة خطوة وإذ داخلهم النّور، اعتمدوا بالنّور، حيوا... فتبعوه..!!..

تنزّلت عليهم النّعمة من فوق، فصاروا، بالنّور الإلهيّ وبالنّعمة، شعبًا جديدًا للإله الحيّ الجديد لهم...نظروا حولهم الرّبّ يسوع المسيح الخالق الآتي ليعتمد عن خطايا وتردّيات جميع شعوب الأرض معهم...

اندرج الجميع للخلاص بالتوبة والرّوح القدس الحال عليهم بالمعمودية...

اليوم يأتي ليعمِّد الرّبّ يسوع بيده الغارِفَةَ من مياه جوفه اللّازورديّة كلَّ إنسانٍ يتبعه عن حبٍّ، بدموع التّوبة، غاسلًا قدميه، فيرفعه الرّبّ يسوع إليه..!!.. يضمّه إلى حنين قلبه... إليه...فتتنقّط الدماء من الجنب المطعون حياة حبٍّ، حياة حنانٍ، لا شكَّ فيها ولا عنف صراخ، بل تراتيل نقيّة، هادئة...

"المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة"...

آمين.

 

الأم مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

14 كانون الثّاني 2018

 

 

 

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

14 كانون الثاني 2018
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share