<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث
من الصّوم الكبير.
مُضنًى... لكنّه أخذ أثقالَنا.

   من الآتي؟!...

   وصارَ صمتٌ!!.

   توقّف نقيقُ الضّفادع... والصّرصارُ اللّيليّ استحيا... والنّملُ خرجَ من أوكارِه... ورفعَتِ النّسوةُ رؤوسَها عن شيِّ الثّمارِ... هذا كستناءُ الشّتاءِ وأكلُ الفلاّحين البطاطا...

   خَطَوْتُ إلى الوراءِ... ساءَلني فكري:

   - أتستحضرين لمباراةِ الرّكضِ؟!.

   - لا... والسّعي؟!...

   - لا... أنتظرُ...

   - من؟!. ماذا؟!.

   - أنتظرُ الصّوتَ!!. الصّوتُ يناديني...

   وكلُّ المارّين والجالسين في الظّلمةِ وظلالِ الموتِ... والعابرين... الهاربين... إلى السّفرِ قبلَ أن يستقعدَهم العمرُ...

   وصارَ صمتٌ!!. خُطاه لا إيقاعَ لها وليس جوابٌ للتّسآلِ... ما ومن الآتي؟!...

   رَبَضَتْ أنفاسُ القومِ حولَ حطباتِ نارِ دفءِ العاصفِ...

   وهم... انتظروا!!... علَّهم يسمعون فيرون من وقعِه من هو؟!.

   - من هو؟!... هو أنا!!.

   لا... هو أنتَ!!...

   حرامٌ أن لا تعي أنّه أنتَ وأنا!!. يا أنتَ... أنا!!...

*  *  *  *  *  *  *

   عرفتُكَ هَمْسَ أُمّي على جبيني قبل الغَفْوةِ... وإشارةٌ ارتسمَتْ على كُلِّيتَي قبل الخطوِ خارجَ المنزلِ من يمين أبي...

   وقفْتُ على بابِ غرفةِ استلقائِهِ الأخيرِ... وقلتُ: فقال: "اذهبي ببركةِ الرّبِّ يسوعَ"... نَظَرْته مفارقةً مودّعةً... "وليكثّرْكِ"... استدرْتُ بكليَّتي إليه... أبي...

   غامَ الكونُ... أصارتْ الكلماتُ جسرَ الوصالِ بيني وبين أبي؟؟... رفعْتُ عينَيّ إليه... مدَّ أصابعَ يدِهِ اليُمنى... تمدّدَتْ أصابعُه أكثر وأكثر... هي نهايةُ الانتظار...

   هذا كاهنُ العليِّ يباركُني... بل هذا هو الّذي أولدَني بالرّوحِ القدسِ السّاكنِ فيه  والرّافِّ حولَهُ... ربّي أبي... هذا غرسُ حُبِّ يسوعَ لذرّيَّتِهِ...

   طفلةُ الوعدِ الّتي أرادَها أبي ذكرًا، فأتتِ العمرَ لا ذكرًا ولا أُنثى، بل وجودًا من مشيئة الإلهِ الكلمة...

   "أنا اخترتُكم... لستم أنتم الّذين اخترتموني"...

   أنا أعمّدُكم بالرّوحِ القدسِ والدّمِ المهراقِ من جنبي الّذي عمّدتموه بالموتِ... وصرختُ: لا... الإلهُ لا يموتُ!!.

   - يموتُ لأجلِ صليبِ مجدِ السّمواتِ والأرضِ وحبِّهِ!!...

   وأغمضَ كلُّ القومِ أعينَهم على نغمِ القيامةِ الجنائزيِّ الّذي ساءَلتُهُ مِن رئيسِ البيعةِ: "سيّدي: إن سمحْتَ لِتَكُن الخدمةُ فصحيّةً"... ورأيتُ ابتسامةً لا تُرى بسماعِ الصّوتِ وصارَ الفصحُ!!.

   ويلي... ويلي... كلُّ الّذين يُذبحون ويقتلون ويموتون في دياجيرِ العتماتِ الّتي لا يتسرّبُ النّورُ إليها من كوى السّجونِ والمعتقلاتِ والمناجمِ والبيوتِ الّتي لا يسكنُها الإلهُ ومؤسّساتِ العهرِ الّتي تحكمُ العالمَ...

   سيِّدي... سيِّدي... أهناك من يطرُقُ بابَها بصليبِكَ الخشبيِّ لترتجَّ ضمائرُ حكّامِ الأرضِ الّذين أسلموكَ حسدًا حتّى يقتلوك؟!... أماتوكَ ليرتاحوا؟!...أولدتَهم منكَ... لكنّكَ صرْتَ ثقيلاً عليهم... ماذا طلبْتَ؟!... منهم؟!... "القلبُ منايَ"...

   وصرخَ الشّيطانُ في ضمائرِهم إذ تسرّبَ القولُ إلى أسماعِهم... سمعوا قهقهاتِ سيّدِ العهرِ والخبثِ والاحتيالِ والنّجاسةِ...

   - لا سيبقى إلهُكم في العذابِ معلّقًا على أنواطِ كلماتِ وصاياه في كتبِكم... يشغلُكم بها... لتدرسوها... علَّ نفوسَكم تتقوّمُ... وهو في كلِّ خطوةٍ، في كلِّ ردّةٍ إلى أحرفِهِ... إلى كلمتِه، إلى نطقِ جوهرِهِ تخلصون... وسُمِعَ زعيقٌ شيطانيٌّ... ما جوهرُ الإلهِ؟!...

   - لا تحبّوا بعضُكم بعضًا!!... تلك كذبةُ الوعدِ لكم!!... لا تُصدّقوا الكلمةَ... أنا بعد إطلاقي لكم في العالم، صرْتُ أنا سيّدَكم...

   وغيَّرَ الشّرّيرُ صوتَهُ من نشيجِ العذابِ، إلى فحيحِ الشَّهوةِ والاحتيال...

   - تعالوا إليّ وأنا أطعمُكم لذائذَ خبزي وخمرَ دمي... فتحيَون في المراءاةِ... في الذّكاءِ المبني عليَّ... صدِّقوني... لا تنسوا أنّي أنا الّذي أخرجتُكم من بلاداتِ الجمالِ السّماويِّ...

   أتيْتُ بكم إلى امتشاقِ العلمِ والذّكاءِ، لا الدّمعةَ والمسكنة...

   وكان الصّوتُ "واقفًا"، لا يُسمعُ ولا يُرى... لكنَّ أحشاءَ الّذين خافوا السّقوطَ خُطِفَتْ بالهلعِ... هربوا إلى أعماقِ أحشائِهم... إلى ذبحِ القلبِ...

   - نحن لا ولن نخافَ... ها وجهُ إلهِنا مسيحِنا مغيَّبٌ في وجهِنا... نخافُ التّعذيبَ لأنّ الشّيطانَ يطالُ الفقراءَ والمعوزين والمقهورين والمضنوكين والّذين لا سندَ لهم إلاّك ربّي...

   *  *  *  *  *  *  *

   "من أرادَ أن يتبعَني، فليكفرْ بنفسِهِ ويحملْ صليبَهُ ويتبعني"...

   كانت هذه آخرَ كلمةٍ، أفاضَها الرّبُّ على الملأ الإلهيِّ... وارتحلَ!!... أخذَ معه الصّوتَ... وغابَ!!...

   لم ينظرْ إلى الوراءِ ليرى مَن تُبّاعُه... كان يعرفُهم وجهًا وجهًا... صوتًا صوتًا... حسُّ توبةٍ أسلمَهم لها... أنواطُ حشاه... قطعٌ من قلبِهِ...

   القافلةُ تمشي... خُطى الّذين سبقوهم، تخطُّ لهم طريقَ الضّوءِ والنّورِ والخلاصِ... لا تسألوا الخبزَ والماءَ... بيعوا أنفسَكم له...

   - هذا هو الرّبُّ السّيّدُ الإلهُ... سَمِعَ صوتَ الهمهماتِ... إلى أين؟!.

   - إليَّ وأنا معكم إليكم... غوروا في جنبي... ها أنا أَقسِّمُ لكم جسدي وإن عطشتُم أسقيكم دمي...

   هذا أُكلُ الحياةِ الأبديّةِ!!...

   وعَصَفَتْ ريحُ تمتماتِ الألسنِ... هل فهمتُم قولةَ الولادةِ الجديدةِ هذه؟!.

   -أعطوني ماءً لأبلَّ به تشقُّقَ شفتَيَّ... أعطَوهُ خلاً!!...

   لا تخفْ... هذا اليومُ تكونُ معي في الفردوسِ... أعرفتَني يا أيّها الإنسانُ الّذي حملَكَ الإنسانُ الآخرُ إلى الخطيئةِ بعدمِ حبِّهِ لكَ، ثمَّ إلى السّرقةِ... إلى مسِّ الدّنسِ... فتصيرَ شيطانًا...

   - اغفرْ لهم يا أبتاه... لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون...

   ماذا يفعلون يا سيّد؟!...

   يُميتون الحبَّ الّذي به أخرجني الآبُ من حضنِهِ ليقدِّمَني مأكلَ حبٍّ ومشربَ عطشٍ للبشريّةِ... ثمّ بعد؟!...

   - لا ترجموني يا شعبي... لا تكسروا ساقيَّ... فإنّي أنا أنا ألهُكم... خالقُكم... ربُّكم... وسيّدُكم!!...

   أيّها الرّبُّ وسيّدُ حياتي... أعتقْني من روحِ البطالةِ والفضولِ وحبِّ الرّئاسةِ... والكلمةِ البطّالة... والفكرِ الشّرّير!!!.

   - أحسنوا إليَّ... وأنا المعلّقَ على صليبِ خطيئيّتكم... أُحسنْ إليكم يا شعبي...حتّى تُحسنوا لفقرائي... للمظلومين والمتعبين والحيارى... واليائسين والّذين لم يلقوا مَن يحبُّهم فيّ...

   - يا سيّدُ... كيف نعرفُ الخطأةَ؟!...

   - "بالتّوبةِ"... توبوا... توبوا... فقد اقتربَ ملكوتُ السّمواتِ!!. هأنذا واقفٌ معلّقٌ على عرشِ ملكيِّ... صليبي... حبّي لكم... هذا علامةُ مجدي وفرحُ ربّي وإلهي بي!!...

   نعم... أنا مصلوبٌ عليه... على جوهري الّذي هو حبّي لكم...

   أنا هو... أنا أنتم، إن تبعتموني... هكذا تصيروني، كما أنا لبِسْتُ عجنتَكم... فصِرْتُكم...

   "تعالوا إليَّ يا أيّها المتعبون والثّقيلو الأحمالِ وأنا أريحُكم"...

   هذا صليبُ حبّي... هذا خلاصُكم!!.

   أنا أخذْتُ عنكم جميعَ خطاياكم...

   وصارَ صمتٌ!!... ها هوذا الآتي...

   ثمَّ تفجَّرَ صوتُ رعدٍ زلزلَ أساساتِ الهيكلِ...

   "تعالوا إليَّ... تعالوا... ولا تخافوا، لأنّي صرتُكم... أخذتُ كلَّ زلّةٍ... كلَّ علّةٍ...كلَّ مرضٍ... كلَّ لا وعيٍ... كلَّ تجربةٍ... عنكم...

   اليومَ أُقدِّمُ لكم القيامةَ!!... فتعلو بالصّليبِ فوقَ الأزهارِ... إلى نورِ مجدي!!...

   ها جوهري!!. الحبُّ... ها الصّليبُ هو القيامة!!...

   إِن أحببْتُم حتّى الموتِ!!. موتِ الصّليبِ لحياةٍ أبديّةٍ!!... تصيروني!!...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

19 أذار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share