عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثالث والعشرون بعد العنصرة
من قريبي؟!


     عرَفَت، كل اليهوديّة وأورشليم والسّامرة وتخوم صور وصيدا أنّ هناك نبيًا معلّمًا يحيا بينهم، اسمه يسوع!!.

     من هو ذاك الرّجل؟! أهو المسيح المنتظر؟! أم سابقُه المبشِّر باسمه والمهيّء له الطريق ليختطّها، آتيا إلى نهر الأردن ليعتمد؟! ويخرج من الماء بقوّة واقتدار الرّوح القدس الظاهر على هيأة حمامة بيضاء وصوت من الإله الآب قائلاً:

     هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُرِرْتُ فله اسمعوا!!!.

     ونطق الإبن الإله نُطْقًا واحدًا عمّد به البشريّة بالمعرفة!!.

     ”أنا والآب واحد!“.

     نُطْقُ الآب هو نُطْقُ الإبن، ونُطْقُ الإبن هو من الآب وللإنسان!! لأنّه تجسّد حاملاً جسد الإنسان، باثًّا فيه الرّوح القدس!.

     هذا هو الإنسان الجديد!! هذه هي روح التبنّي!!.

     وهي الحياة الأبديّة الّتي لا يرثها الإنسان، لأنّها مُعطاة له من روح الإله ليَسكنَ فيها، مقتاتًا منها المعرفة والخبز والماء والفرح والحبّ بالرّحمة.

     وأَدرج الإله النّاموس ليعلّم البشريّة، كيف تعبد الإله بعد أن تراه! وإذا أضاعته، كيف تبحث عنه؟ وإذ تلقاه تحياه لتخلص؟!.

     هكذا صارت الوصيّة الأولى، وهي حياة الآب والإبن والرّوح القدس متنزّلة في الكلمة، في يسوع، لسماع كلّ من له أُذنان للسّمع ليَسْمَع.

     كيف تقرأ النّاموس والكتب والإعلانات الإلهيّة أيّها الإنسان؟!... ”أحبب الرّب إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك ومن كلّ ذهنك... وقريبك كنفسك“.

     هذا ما عرفه النّاموسيّ حين أتى يسوع ودنا إليه ليُجرّبه!

     لا قطعًا!! أتاه ليُري يسوع خزانته وما اقتنى فيها من جواهر ثمينة واصفًا كلّ أعماله الّتي يراها صالحة ليُبهرَ الإله بها، فينال رضاه... والتسآل يندرج، هل عرف ذاك النّاموسيّ (الشاب، المتوسّط العمر) أنّ المعلّم الّذي أتى إليه هو الإله الرّب خالق السّماء والأرض الّذي اتضع آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه البشر؟!.

     ”من قريبي؟!“.

     ”الّذي أصنع إليه الرّحمة!“.

     وسقط الإنسان من براثن الحيّة الشيطان، بعد أن اغتذى بسمّها، إلى حضن الكون الّذي عرف الإله، لكنّه لم يسمع كلامه ولا اقتفى خطاه.

     لماذا أضاع الإنسان الإله؟! كيف ينسلخُ الإنسان عن ذاته، خارجًا من حقيقة كيانه ليتّبع اللاّإله؟!.

     كيف يجد الإنسان ذاته في أي مكان، أي في لا مكان؟! حين يحيد عَينه عن وجهه، في وجه الإله!.

     هناك تكثر الكلمات، وتطيب الإستنباطات الفكريّة، الفلسفيّة وحتّى اللاّهوتيّة والعرقيّة، والعلميّة الإستقصائيّة.

     ”من أخطأ... هذا أم أبواه حتّى وُلد أعمى؟!

     لا هذا أخطأ ولا أبواه، بل لتظهر أعمال الله فيه“ (يوحنّا 2:9-3).

     كلّ فلسفات الكون، أقواله، وتعاريج أحكامه تبحث عن ”الإله“!!.

     واليوم يعرف الكلّ أن ليس باستطاعة أي رئيس أو قائد أو حاكم منهم أن يصل إلى المطلق، إلى الملء، إلى الحياة الأبدية إلاّ بالقصد التابع الإله، أي العيش معه في وصاياه.

     كيف؟! كيف أصل؟! كيف أتخطّى ذاتي إليه لأسكن فيه إلى الأبد؟!

     بــــــالــــــحـــــــــب!!!

     لمن أبذل ذاتي؟! لمن أُعطي ذاك الحبّ؟!.

     مسيرة العمر هذه تبدأ بحبّ الرّب الإله من كلّ القلب ومن كلّ النّفس ومن كلّ القدرة ومن كلّ الذهن!! والقريب كالنّفس!!.

     من القريب؟! بل من قريبي لأحبّه هكذا كما طلب الإله؟!.

     أبدأتُ أحبُّ كما أوصاني الرّبّ اليوم في هذا النّاموسيّ؟! فكيف أوصي إذًا بما لم أقوَ بعد على حمله لإختراق مكنونات كياني، فيصير الآخر وجه الإله لي وأصير أنا لحاجة خلاصه وجهه الباحث عنه في وجه الإله!...

     ”سيّدي، كيف أحبّ قريبي وأنا أخاف نفسي، لأنّها ليست عديلتي في الصّمت، بل تثور عليّ لتحطّم مقاومتي، فأدخل في اللاّرضى، في عدم المحبّة؟!“.

     ودخل الإله في صمته، بعد أن غمر الكون كلّه بضياء نوره!!.

     واستراح!! لن يتكلّم الإله بعد أن أورد الإبن والرّوح القدس إلى العالم!!.

     كلّ من له بقيّة من روح الله يعرف الله في قريبه.

     ... من قريبي؟!

     قريبي هو من وضعه الإله على دربي!! الّذي ألتقيه على طرقات هذا العمر... قريبي هو كلّ من يطلب رحمة... كلّ ملقى مهشّمًا على قوارع، وأوتسترادات وزوايا أحياء بلادي وبلاد العالم، المعتمة، حيث يكثر السّكر والعهر وغثيان المُدْمِن للهرب من واقع الإله في نفسه!!.

     قريبي هو التاجر الكذّاب الّذي يأكل مال الأرامل والأيتام وفقراء هذا العمر... فإذا مَرِضَ هذا من لعنة النّاموس، كيف أدخل أنا إليه ناقلاً إليه وجه الحنان والرّحمة من وجه إلهي فيّ؟؟!!.

     ألن أدينه؟ ألن أقرف منه، ناسيًا أين أنا خطئت وأثمت أكثر من هذا الإنسان ألفَ ألفٍ من المرّات؟!.

     وذاك الرّجل الواقف متكلّمًا بأحكام ووعود وإنجازات يسوس بها العالم، والعالم يسوس الإنسان، والإنسان أخاه، مطبِّقًا عليه العقوبة والحكم، ليبقى هو رجلاً صغيرًا جدًا في عين الحبّ الّذي شوّهه...

     قريبي هو المُعاق... قريبي هو سارقي وراميني خارج محبّته... هو شاتمي لأجل الإسم القدّوس.. قريبي هو قاتلي، وأخي وأختي في عنف الحرب!!.

     من قريبي؟! من حبيبي؟!.

     قريبي هو الّذي صنع مع الواقع المجرّح رحمة!! ومع السّاقط والمُبلى حسنة ورحمة!!.

     قريبي هو حبيبي... إذا وطئتُ كبرياء الأنا فيّ... إذا تبنّيت صليب الإله!!.

     حبيبي هو الّذي يشدُّ معي أوتار غنوة كياني المتكهرب بحبّ خالقي لي ولكلّ من أعطاني حتّى أرنّم ترنيمة الظفر!! من عرفته فتبتُ إليه!! وتاب هو إلى ربّه بي... قريبي وحبيبي هو عدوّي!!.

     قريبي وحبيبي هو الإنسان الّذي أوجده الرّب ليملأ عالمي الّذي لا أستطيع أن أطعمه لحم روحي ليمجّد ربّي، بل أمتدّ إلى إلهي ليمنحني سرّ الوصول إليه بالصّلاة، علّي أخلص بدمعة التّوبة المهراقة على مذبح حبّ إلهي...

     هو كلّ نفسٍ مخلوقة على هيأة الإنسان الإله في الكون!!.

     قريبي وحبيبي هي نفسي العاجزة عن الحبّ، عن المسامحة وعن الرّحمة!.

     قريبي وحبيبي هي ذاتي الّتي أُأَدّبها كلّ يوم لتحبّ كلّ من خُلق على صورة الإله... أبيض كان أم أصفر اللّون، أو أسود البشرة.

     قريبي حبيبي هو كلّ من وُلِدَ ليُعْتقه الإله من ربقة  الشيطان عليه.

     قريبي وحبيبي هو كلّ الكون الّذي أُصلّي له بتوجّع قلب.

     فمن مشارف مذبح وروح كنيستي أصلّي الإله ليطلقني إلى كونه، رحمة وحبًّا وغفرانًا للزلاّت، كما ملّكني سيّدي معه، فيّ لأنطلق إلى كلّ إنسان خلقه هو، ليصير أخي قريبي وحبيبي... الّذي أصنع معه الرّحمة بالحبّ، بالخدمة، بالبذل وبالصّلاة. آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

11 تشرين الثاني 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share