فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الأوّل بعد الفصح!.
أحد توما الرّسول
القيامة في الخوفِ والتّسآلِ!!...

إلى أخي الأرشمندريت توما في
الأحد الجديد القياميّ الّذي يُعيّد!!.

   كيفَ؟!... كيفْ؟!...

   كيف قامَ يسوعُ والأبوابُ بقِيَتْ مغلقةً؟!...

   كيف ظلَّ التّلاميذُ مختبئين في العليّةِ خوفًا من اليهودِ؟!... أنَسوا أو لم يُدركوا بحسِّ الرّوحِ وبقلبِهم أنّ يسوعَ الّذي عاشَهم قالَ لهم مرّاتٍ ومرّاتٍ مُلْمِّحًا ومُصرِّحًا: "سأُسلَمُ إلى أيدي الكتبةِ والفرّيسيّين وأُصلبُ وأقومُ في اليومِ الثّالث".

   كيف توطّنوا في العلّيّةِ مختبئين؟!... خوفًا... والحبُّ يطردُ كلَّ شبهِ خوفٍ؟!.

   كانوا منتظرينَهُ!!... رجعوا إلى الطّفوليّةِ الّتي حدّدَها لهم يسوعُ قائلاً: "إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفالِ... لن تدخلوا ملكوتَ السّمواتِ!!...

   وخافَ التّلاميذُ... خافوا؟!!. بخوفِ الطّفولةِ... بجزعِ اللّايقين!!. شكّوا وانتظروا!!. وما زالوا... خائفين...

   وانتظروا!!... انتظروه حتّى يستبين!!.

   كيف؟!. أكان هو حجّةَ الدّخولِ إلى ملكوتِ السّموات الّذي سعوا إليه، لأنّه هو وعدَهم به؟!...

   كيف لم يعرفوا أنّه هو الملكوتُ السّماويّ؟!...

   يسوعُ أحبَّهم حتّى المنتهى!!... أتاهم في خوفِهم!!.. وساءَلهم بقلقٍ وبصمتِ الخوفِ!!.

   لماذا تخافون؟!... أنا معكم ولكم... ممّن تخافون؟!...

   أمِنَ اليهودِ الّذين قهروكم واضطهدوكم ونكّلوا بكم؟...

   اليهودُ أنفسُهم... هم خافوا منكم!!!.

   خاف اليهودُ لأنّ كتبَهم وأنبياءَهم عرفوا يقينًا أنّ المسيحَ المنتظرَ كان سيأتي مولودًا من شعبِ اليهودِ!!. من النّاصرةِ، في بيتَ لحم!!..

   لكنّهم خافوا الحكّام والرّومان الّذين حاكموهم فحكموهم، حُكمَ القويِّ للضعيف!!...

   وخافَ اليهودُ !!.. حلَّ عليهم القلقُ والرّعبُ، لأنّ كلّ شيء كان قد بدأَ يتحقّقُ!!... وإنّ كتبَهم أشارتْ إلى ذلك!!...  أنّ المسيحَ المنتظرَ ملكَ اليهودِ آتٍ...

   الملوكُ الّذين حكموهم كانوا يخافون أيضًا وأيضًا ذلك الطّفلَ الوعدَ والرّجاءَ الّذي وُلدَ فيما بينهم، فيهم، لهم، وللمسكونةِ قاطبةً في بيتَ لحمَ اليهوديّةِ!!...

   الأباطرةُ والرّومانُ خافوا تاليًا!!... طارَ النّومُ من أعينهم... فراشُهم لم تعدْ وثيرةً في حريرِها...

   قُضَّ مَضْجَعُ رؤساءِ الكونِ الّذين حكموا الأممَ الصّغيرةَ وما زالوا يحكمونها... وارتجّتِ الأرضُ والأكوانُ والشّعوبُ كلُّها القريبةُ والبعيدةُ، تساءلتْ، قلقة... ما هذا؟!... من الآتي؟!...

   الأطفالُ لا يحكمون الأممَ العظيمةَ في عتوِّها ومالِها واستنباطاتِ عقلِها وتدابيرِ استمراريّتِها!!... فمَنْ هذا الآتي؟!. ليحكُمَ وهو ما زالَ في الأقمطةِ؟!... لذا قتلوا الطّفولةَ وثكّلوا الأمّهاتِ!!.

   فلماذا الخوفُ إذًا بعد؟!...

   وأجابَ الرّبُّ القديرُ: "لا تخفْ يا دودةَ إسرائيلَ!!".

   لكن بقيَ الخوفُ من بدءِ الخليقةِ وحتّى اليومَ يَقْتلُ البِرَّ والحقَّ حسدًا، في "الإنسانِ"!!. في قايين القاتلِ وفي هابيلَ الحملِ الذّبيحِ!!...

   وكان على الثّالوثِ أن يتدخّلَ!!...

   الله... الآبُ والابنُ والرّوحُ القدسُ، حكمَ بأن لا يعرفَ الإنسانُ السّاقطُ "الحبَّ الحقَّ" الّذي هو الإلهُ الحيُّ... مِن الإلهِ الآبِ، ليسكنَ في سقوطِه!!... ولكن عرفَ بتدبيرِه وسابقِ معرفتِهِ أنّ من السّقوطِ تنبعثُ الحياةُ جديدةُ، بل الولادةُ الّتي تتجدّدُ بالنّعمةِ المتنزَّلةِ على الإنسانِ الجديدِ المولودِ من بطنِ الإلهِ الآبِ الّذي كان وسيبقى ساكنًا فيه... وغيرَ منفصلٍ عنه!!...

   وكان على الآبِ أن يقولَ للابنِ الإلهِ المساوي له في الجوهرِ...

   قُمْ متجسّدًا منّي بالرّوحِ القدسِ السّاكنِ في بطنِ العذراءِ مريمَ!!... انفصِلْ عنّي وأنتَ باقٍ فيّ لنفتديَ البشريّةَ!!...

   هكذا سمعَ الابنُ المتجسّدُ صوتَ الآبِ في ملءِ ملئِهِ، وأَطاعَهُ!!..

   فكانَ التّجسّدُ!!!. بالحبِّ طاعةً للحبِّ الإلهيِّ...

   هكذا أخلى يسوعُ ذاتَهُ آخذًا صورةَ عبدٍ صائرًا في شبهِ البشرِ... وتجسّدَ لا هيئةَ له ولا منظرَ فنشتهيه...

   لم يكنْ ممكنًا لابنِ الله أن يذوقَ الخطيئةَ بدءًا، لأنّها ليست له وفيه أو منه، لئلاّ يفنى "الحبُّ" الإلهيُّ... وتفنى الألوهةُ في سرِّ سقطةِ الكونِ والحياةِ الّتي أولدَها الله ليحيا هو فيها، بالرّوحِ الحقِّ، حياةً ثالوثيّةً في الكونِ...

*  *  *  *  *  *  *

   لكنّ الإنسانَ مخلوقَ الإلهِ... بذارَ الحبِّ المسكوبِ من فوق، المُصابِ بخيانةِ الإنسانِ له... سقطَ من الحضنِ الأبويِّ وماتَ في الكذبةِ الّتي تبنّاها له الشّيطانُ ليقعَ فيها حسدًا من عطاءِ الألوهةِ له، باحتيالاتِهِ مجمِّلاً السّقوطَ له وكأنّه هو "الحياةُ الحقُّ" الّتي عليه أن يحيا فيها ويتوارثَها ليخلّدَ مستمرًّا من جيلٍ إلى جيلٍ!!.

   وصدّقَ الإنسانُ!!...

   هكذا تفجّرَتْ ينابيعُ المياهِ الإلهيّةِ دمًا!!...

   تحوّلَ الكونُ الإلهيُّ والحقيقةُ الإلهيّةِ إلى عتمةٍ جحيميّةٍ تُعذِّبُ الإنسانَ... تطاولَ الإنسانُ على الله فتغيّرَ جمالُ هيئتِهِ الأولى... جمالُ الإلهِ المرسومِ عليه!!.

   أظلمَ عقلُ إنسانِ البشريّةِ... عَتِمَتْ نفسُهُ... كَذِبَ في قولتِهِ... متعاليًا في فكرِهِ ليثبِتَ في نفسِهِ ولنفسِهِ وللكونِ أنّه هو هو الإلهُ، مبدعُ الحياةِ على الأرضِ والاختراعاتِ والعلومِ والفلسفاتِ وكلِّ نجاحاتِ العالمِ ليستمرَّ العالمُ به هو لا بإلهِهِ الّذي لا يعرفُه ولم يَحْيَهُ إلّا حكايةً منذ ألفَي سنةٍ...

   وبكى الحبُّ!!!... بكتِ الأراملُ وماتَ الرُّضَّعُ الّذين وُلدوا من بطونِ أمّهاتِهم آخذين الصّفعةَ على أقفيتِهم ليتنفّسوا الحياةَ... صارتِ الحياةُ بالنّسبةِ لهم صرخةً، شهقةَ اختناقٍ، ليُقَمَّطوا توًّا لا بالنّعمةِ... ولا بالحبِّ الإلهيِّ الوارثِ الحياةَ... بل بالخوفِ من العيشِ قبل أن يتنفّسوا كونَهم الآتين إليه ليحيوا فيه...

*  *  *  *  *  *  *

   وبقيَ سبعةُ آلافٍ لم يخافوا، لأنّهم لم يُحنوا ركبةً لبعلَ!!. هؤلاء وقفوا منذ ولادتِهم وطفوليّتِهم وشبابِهم وما زالوا واقفين تحت الصّليبِ... صليبِ يسوعَ... يتملّؤون حياةً من مصلوبيّتِهِ، منتظرين قيامتَه بعد عيشِهم بالعمقِ وَجَعَ ما صاروا إليه وعليه!!. نحن كلّنا وهمٌ... كلُّنا نتحلّقُ حولَ وتحتَ صليبِهِ جيلاً بعد جيلٍ منتظرين بزوغَهُ "نورًا" من الظّلمةِ وظلالِ الموتِ لنصرخَ!...

   "اليومَ أتى الآتي المُنْتَظَرُ منذ بداءةِ الدّهورِ!!!"... الّذي كان ولم نعرفْهُ بالمعرفةِ العقليّةِ... الّذي أولدَنا من بطونِ وأرحامِ آبائِنا وأمّهاتِنا أعاميدَ حسٍّ يُمزِّقُ عقلَنا المتخبِّطَ في أَحجيةِ الشّرّيرِ. من هو الإلهُ؟!... كيف نعبدُهُ؟!... لماذا، إذًا، ما زلنا في قلقِنا، في حُزنِنا، في عدمِ يقينيّةِ معرفتِنا له ومنه أنّنا به وحدَه نحن مخلَّصون؟!!...

   هذا ما كانه، وما هو عليه الرّسولُ توما أحدُ الاثنَي عشر تلميذًا... وهو فينا نحن الّذين تَبَنَّينا جرأةَ الاختيارِ الصّارخِ... أنّ هذا الإنسانَ المعلّقَ على الصّليبِ هو هو الإلهُ الحيُّ وحدَه... وهو الخالقُ وسيّدُ حياتِنا... إيّاه نعبدُ وهو خلاصُنا...

   ونصرخُ في صمتِ وشوشاتِنا... سيّدي وإلهي... أريدُ أن ألمسَكَ، فأهّلني لمعرفتِكَ، لا لشكّي بكَ، بل لأصيرَ بكَ وليدَكَ، وبلمسِكَ وجراحَكَ وجنبَكَ، فأشربَ دمَكَ وآكلَ جسدَكَ لأحيا بكَ ولا أموتَ بعد إلاّ فيكَ، لأحيا منكَ...

   "سيّدي كلُّنا خطئنا وأثِمْنا... ولسنا أهلاً لأن نرفعَ أعينَنا إليكَ!!"...

   لأنّكَ صرْتَ أنتَ كياني وكينونتي... علّقتني بحبِّكَ لي معكَ على الصّليبِ!!...

   صِرْتَني يا إلهي... أنا وإخوتي كلُّنا تلاميذُكَ... لنصيرَكَ نحن آلهةً بالنّعمةِ الّتي فيك ومنك!!.

   الكلُّ خافوا!!... كلُّنا خفْنا!!... وخطئنا... لكنّكَ صُلِبْتَ لمحوِ خطايانا...

   أنتَ لم تلمسْ أحدَ التّلاميذِ... هكذا ذكرَ الكتابُ!!... جعلْتَنا نقرأُكَ ونحن في سرِّ التّعرُّفِ بكَ!!.

   سيّدي... أنت إلهي الّذي خلَقْتَني كما أنتَ ارتَضَيْتَني!!... وأنا مجنونٌ بحبِّكَ!!... ملتهبٌ بنارِكَ الإلهيّةِ... بصرخاتِ البشارةِ الّتي كرزتَها علينا!!... بالألمِ، بالحرقةِ، بالوحدةِ، بالدّموعِ، الّتي هي مآلُنا في هذا العمرِ... لكنّنا لك لا بالشّكِّ ولكن بالانتظارِ، لأنّكَ بصليبِكَ صيّرتَني أنتَ، يا أنا أنت!!...

   وتكلّمَ "توما" أيضًا وأيضًا!!... نطقَ جرحَ قلبِهِ المُستَمْدَدَ من جرحِ جنبِ يسوعَ إلهِهِ...

   سامحْني يا سيّدي كنتُ مع التّلاميذِ إخوتي... لكنّي أردْتُكَ بِوَلَهٍ أكثرَ... كنتُ معهم لأسمعَ، هل عرفوا سرَّكَ أكثرَ منّي؟!...

   أشعلْتَني بنارِ حبِّكَ، بلهفِكَ علينا... لذا أَردْتُ اتّباعَكَ... فقلتُ: "تعالوا نذهبْ لنموتَ معه!!"...

   اليومَ يومُ القيامةِ ولا يموتُ عن إنسانٍ خاطئٍ، عن أيّ بشريّ من بشريّةِ الموتِ إلاّ الإلهُ... إلّاكَ!!...

   لكني ما زلتُ أستجديكَ...

   أتسمحُ لي أن أذهبَ بجنونِ حبّي لكَ؟!... بتهوُّري اللّحاقَ بكَ؟!... وإذ خرجتُ من بين الإخوةِ من عليّةِ الخوفِ من اليهودِ، لم أجدْكَ!!!...

   كان القبرُ فارغًا يا سيّدي!!. فعُدْتُ لأُخبرَهم!!.

   وأتيتَنا... سَحَقْتَ وهزّأتَ شكَّنا كلِّنا بكَ... وبمعرفتِكَ وبتوقي، أدخلتَ إصبعي ويدي في جنبِكَ أنا الخاطئَ لأحيا ويدركَ إخوتي والعالمُ حقّكَ وقيامَتَكَ...

   أدّبتَني بالحبِّ، فاستجبْتُ لكَ بصمتِ الطّفلِ أمام خالقِهِ وأبيه السّماويِّ...

   صارخًا بعد أن زَجَجْتَني في جنبِكَ المبدعِ الحياةَ!!...

   "أنت ربّي وإلهي"!!...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

8 أيار 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share