<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثالث والعشرون بعد العنصرة
الغني الّذي أخصبت أرضه

     ”بدد وأعطى المساكين فبرُّه يدوم إلى الأبد“ (مزامير 9:112)

     محاكاة الرّبّ لشعبه في جميع تعاليمه وكلماته الّتي نطقها إذ كان في الجسد، ترتكز بشكل مُبينٍ على وضع أُسس مملكته الأرضية، لكي يعرف التائق إلى دخولها، أنّ عليه زرع قدميه في تربة الرّب الجيّدة في كلمته، في تعاليمه، حتّى، بعد استكمال فترة أهليّته، في قبول الحبّ والتزام الرّحمة والحنان والفقر، يصل إلى قامة ملء الإنجيل؛ يصير هو كلمة إلهيّة، لا شوكُ الأنا يغلِّفها ، ولا طمع القنيّة يزيّنها، ولا عشق المناصب والكراسي يؤهِّلها للبقاء، الّذي؛ يظنّونه مستمرًّا ولن يفنى، ولن يطال الإنسان، إذا اغتنى بأهواء الشرّ ومطربات هذا العالم؛ الفردوس، المزروع في قلب التجسّد، تجسّد الرّب يسوع، في كيانه، في جسده ودمه المهراقَين لغسل خطيئة آدم الأوّل وحواء الأولى المعشّشة في كلّ مخلوقٍ على الأرض.

     إذًا، نحن اليوم في هذا الأحد الّذي قبل دخول والدة الإله السّيّدة العذراء إلى الهيكل، والإنطلاق في مسيرة الصّوم الميلادي، ندخل مع يسوع إلى الهيكل الأوّل الأساس، أي جسده هو، ممتدّين من ترابيّتنا الممهورة بالموت غذاء للدود، الآكل كلّ خليّة من خلايا الإنسان ومقاتليه بوعيِ حضرة الرّب، لكي لا تصل المعطوبيّة والفناء إلى القلب، إلى اسم الرّب يسوع المسيح، فلا يعود يعرف الإنسان إن مات، مَنْ إلهه، من يُسمّي، وإلى أين يلتجئ!.

     هكذا يُدرِجُ لنا يسوع هذا المثل لنتعلّم منه، فنختار من نختار لغنى حياتنا!!. الرّب السيِّد الإله الّذي منذ الأزل وإلى الأبد بالكلمة النابعة من قلبه، والمنبثّة إلينا من فمه، أو جمع ما ملكت أيماننا وبدءًا ما مَلَكَ عقلنا في استنباطات وتراويح الحسّ لتختلط فينا وأمامنا حكمة حياتنا بسبب احتيال الشرّير علينا.

     أخصبت أرض ذاك الغنيّ.

     هكذا عرف هو أنّه صار لديه غنى فوق غنى، فانتشت نفسُه وكان بدءًا محبًّا للغنى، للمال، للرّبح لأنّه تعوّد عليه.

     تعوّد هذا الغني المسكين أن يجمع، لا أن يعطي ممّا جمعه... لماذا؟! لأنّه صعب على الغنيّ أن يدخل ملكوت السّماوات كما الجمل ثقب الإبرة... هذا ما علّمنا إيّاه الرّب يسوع... لذلك أتى هو العالم متجسِّدًا فقيرًا، لم يجد له بدءًا مكانًا يولد فيه في مدينته أورشليم، فطرده الغِنَى إلى مذود بقر وحمير وخراف ومعزٍ لتُدفِئه، لأنّ الصّوف والحرير صارا أغطية لمَولودي الغنى، وأما هو فكفّنته أمّه مولودًا في أقمطة الموت ونَفَسِ حيوانات فُلْكِ نوح الّتي هو أبدعها. صارت كهربة الدفء الإلهي ممتدّة في شعاع النّجم الّذي دلّ عليه للمجوس، نور معرفة وحبٍّ وحنان راصدًا عتمات الظلمة لينيرها بنور طفل الحبّ المُلقى مربوطًا بأربطة الولادة، ليفكّها يوم يقوم مُلقيًا إياها في قبور هذا العالم.

     ماذا أصنع؟! لقد صرتُ أغنى من الغنى الّذي عشته بدءًا؟!.

     هذا الغني لم ينظر كالدجاجة الشاربة الماء، إلى السّماء، ليشكر ربّه على كلّ ما أعطاه، ويبيضَ مثلها الحنان واللهف ليطعم الأغنياء والفقراء معًا، بل نظر إلى قلبه وانتشى بحركة الدّماء ومنظرها مُحييَتْه، كأنّ لم يقرأ بعد قول الكتاب، ”هذا القلب نجيس من يعرفه“؟! (إرميا 9:17)

     ذاك الغنيّ الجالس على باب الملك كان يرى لعازر مشلوحًا لا حول له ولا قوة، معقورًا، وكانت الكلاب الجائعة تلحس جراحاته لتغتذي بها وتطرّي كذلك ألمه لأنّ حين ينشف الجرح يتشقّق فيصير أكثر إيلامًا، إذا خُتِم بدون زيت رحمة ماسحه.

     والسّؤال السّؤال، أممكن أن يجمع الإنسان له ما قدّمه له الله مجّانًا؟! ألم يرى خدمه يأكلون فتات ما يفضل على مائدته وقُرّاع الأبواب، طالبين الخبز، والمرضى والعرج والصّم والبرص، سائلينه الرّحمة؟!

     في زمان الرّب يسوع، كانت المؤسّسات هي قلب الإنسان وكلمة المعلِّم، بل تعاليمه. واليوم كثرت المؤسّسات وصار بعض مدبّريها أرّقاء للمال، فلا يقبلون إلاّ مال الأغنياء ويستغنون عن الفقراء، لأنّ لا مال لهم، فضاعت كلمة الإنجيل وقسا قلب المسؤول.

     من إلهك؟! من تعبُدْ يا هذا؟! كيف تقرأ كلمة الإله؟! أتفهمها؟!.

     كلمته ليست صعبة، لأنّ كلمة الإله هي هو!!.

     فتعال وتعلّم يا إنسان في غناك وفي فقرك، حتّى لا يدعوك الله جاهلاً، رغم معرفتك بعلوم هذا الكون وفلسفته. بل تعلّم كلمته وجُزْ بها عابرًا عالم الأحياء، هذا الّذي كلّنا نحيا فيه ونأخذ منه حياتنا ونستغني به عن الإله الحق والنّور والطريق، لنأكل من فتات الفتات، المرميّة أمامنا... ناسين وصايا إلهنا. الّتي إن نظرناها بعين القلب، نحيا بها، ومنها نستقي الحياة الأبدية، فنصل ساعين إليه هو الرّب الفقير، الّذي اغتنى بحبّ الآب له، وبتحلُّق خرافه حوله.

     فإن سلكنا هكذا، نصير كلّنا هو، وهو نحن، فنحيا أغنياء به، فيه ومنه، بشريّته، ولا نسمع صوته قائلاً: ”يا جاهل في هذه الليلة تُطلب نفسك منك، فهذه الّتي أعددتها لمن تكون. هكذا من يدَّخر لنفسه ولا يستغني بالله. ولما قال هذا نادى من له أذنان للسّمع فليسمع.


قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share