عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّادس والعشرون
بعد العنصرة.
الأعمى المبصِرُ يسوع بالسّماع..!.

 

وخرج النّداء قويـًّا..!!.. كان صوتٌ يصوِّتُ في البوق؛ وصدى الصّوت يلتفُّ حول الغمام السّابح في خريف نهارات النّاس، المنتظرين يسوع ليعبرَ قُراهم... ويقسو الانتظار في العمر كلّه، حينـًا، وبعدُ.!...

أمّا اليوم، فقصدنا ومحطّتنا "أريحا"، أرضُ التّفلُّتِ، والسّرّاقِ، وقُطَّاعِ الطّرقِ، والغربةِ الّتي جلس فيها "أعمى" على الطّريق يستعطي (لو18: 35).

مَن هذا الأعمى.؟!. هذا الغريب الهيئة والقصد، الغائر في وحشة عتمات ليله والنّهار وحرقتهما، جالسـًا يستعطي.!!. ماذا ومِمَّن يستعطي هذا الغريب الجنس، الّذي كان معروفًا في أرض يهوذا، والّذي كانت غربته أقسى بكثير من عتماتِ قلوب العابرين به من قومه، ومن عتماتِ نفوسهم، هم الّذين لا هيئة لهم ولا منظر لنشتهيهم.؟!... أولئك البشر... بل كلّ البشريّة الّتي لا تحبُّ لكنّها تعطي الفقراء لتبقى نفسُها عمياء..!!..

ماذا يُعطى أعمى، في أرض العبور.؟!. هذا يتقاذفه غبار صهيل الخيل، الضّاربة رمال الطّريق حوله.!... هل يرونه في مسيرتهم.؟!. والنّاس الّذين يركبون صهوات جيادهم المطهّمة... هؤلاء التّجّار... ألهم وقت يسمعون فيه صوت أنين رجلٍ "ماتَ عن النّور"؛ والدّنيا ماتت عنه، لأنّها صارت لا تسمعه، أو تراه.؟!. أمّا هو، الأعمى، فيـُحسّ بالنّاس، ولا يمكنه إيقافهم ليعرف مَن هم أولئك الّذين "يزأرون" رأيهم، قائلين إنّهم من خاصّة الملك، وإنّهم كلّهم أولياء الملك..!!..

غنّوا لنا، حين ڪنّا أطفالًا، كلماتٍ لبسوا فيها ثوبَ غربةِ الأعمى وهيئتَه: "أنا أعمى ما بشوف... أنا ضَرّاب السّيوف.!"...

هكذا، عَمِيَتِ البشريـّة، كلّ البشريـّة، عن الحنان..!!.. لماذا وقعَ الإنسان في فكر الضّربِ، وحدِّ السّيف، والقتلِ، وفي واقع هذه الأمور؛ ولم يأبه لإطعامِ الفقير، أو نجدةِ المظلوم، أو إيجادِ مكانٍ يأوي إليه هذا الغريبَ عن الدّنيا ليستعطي.؟!... لماذا يستعطي ويسوع أغنى الكلّ بحضرته.؟!...

أوُلِدَ هذا الرّجل أعمى.؟!. أم عَميَ من مرضٍ أصابه من فقر منشئه.؟!. أم جعلته يدُ الرّبّ يعمى، حتّى يعرف ذووه وجيرانه أنّهم هم، أيضًا، سيصيبهم ما أصابه، وبإمكانهم أن يعموا.؟!...

رجلان التقيا، في إنجيل اليوم..!!.. بل كتب الرّبّ حكايتنا، اليوم؛ ليضمَّ فيها وإليها ڪلّ مَن لم يسمع، أو يدرك أنّ هناك ما يمكن أن يصيبه هو، أيضًا، في هذا العمر..!!.. النّاس، كلّ النّاس، يحيون وكأنّ ما يصيب النّاس لا ولن يُصيبهم هم..!!.. هذا كان، وسيبقى، عنوان الأنانيـّةِ، والتّفلّتِ من أحكام الرّب لطاعته...بالفجورِ، والرّخاوةِ المعيشيّةِ، في هذا العمر لغالبيّة البشر ..!!.. واعترض الصّوت: أأنا وحدي أقول إنّني لن أمرض، ولن يطالَني العوز؛ لذلك، أهدم وأبني أهرائي.؟!. أتعرفون أنّي أنا وكلّ إنسان منّا، في بعض الأحيان، ننطلق هكذا بلا توقّف، من موقف الغنيّ ذاك... وننسى أنّ العالم موجود من حولنا؟.!. نُلقي الآخر، بسعينا وراء حاجتنا؛ لنصير نحن حجّة وجودنا..!!..

الإنسان ينسى أنّه سيموت في يومٍ ما... أو يمرض... أو يخنع..!!..

وفيما يسوع بالقرب من مدينة قطّاع طرق الحياة، جلس هناك مَن ينتظره... رجلٌ أعمى منذ مولده..!!..

أيسوع خلق الأعمى.؟!. والسّؤال: هَلْ خلقه أعمى من حشاه الإلهيّ، الحامل الحياة؟.!. لا.!...

لماذا وكيف صار له الحقّ أن لا يرى ما خلقه الله.؟!. بكلّ بساطة، حتّى يأتي الرّبّ، ليشفيه.!. لكن، لماذا تركه يعمى.؟!. ماذا فعل.؟!. أَخطئ هو، أم أهله، ليولَد أعمى.؟!. أم هذا إرثُ السّقوط في كلّ واحدٍ منّا.؟!.

المرضُ جزاءٌ يقدّمه الإله للإنسان، حتّى يعي قصورَه؛ فيرى الإله منتظرَه حتّى على قارعة الطّريق..!!.. يمتدّ إليه، ليشفيه بجاذبيّة حبّ الإله له، وللكون الّذي أبدعه..!!..

هكذا في إنجيل اليوم، وإذ نحن نتحرّك لنقرب مداخل "الميلاد"، يأتينا إلهنا عابرًا بالقرب من عمانا؛ ليُسائلنا: ماذا نريد منه، إن عَبَرَ وعرفناه.؟!.

"علّمني أن أعمل رضاك، لأنّك أنتَ هو إلهي"..!!..

*         *         *

كثيرون يقولون لنا... ليس إله.!!.

ألآن زمان الرّضى، يا ألله.؟!... ليس إله، إلّا لأنّنا لا نعرفه.!. لم نولده.!. لأنّنا لم نحبّه.!. وما أنميناه في أحشائنا، لأنّه كان غريبـًا عن أرحامنا الزّانية؛ الّتي، إذ تشقّقت عطشـًا، وارتحلت في الهجرة إلى أراضٍ غريبة، وعاشرت؛ اقتبلت زوارقَ الشّطآن الفينيقيـّة، ورجالَها... وزنت، زنت ابنة صهيون بجميع رجالاتها ونسائها.!... شبابها، وعذاراها، والأطفال..!!..والزّنى ليس زنى الجسد... بل زنى الرّوح في إيهامها نفسها... "أن ليس إله"..!!..

وعلا صراخ الصّوتِ الأوّل، علا: "يا رحيم... يا رحيم، ارحمنا كعظيم رحمتك.!!."

والتّسآل: ڪيف يزني الأطفال.؟!. ڪيف، يا سيّد.؟!. أيّها الطّفل الإله، اللّابس ضعفنا.؟!.

الأطفال لا يبكون خطاياهم في خلاياهم الغَضَّةِ، ويفحشون صارخين أحرف لغتِنا نحن الكبار، لغتِنا الّتي لا نُدْرِكُها.!... لا ندركها، ولا نفقه مضامينها... منهم مَن تصالح مع موته، قبل الغطس في معموديـّة الثّالوث؛ والآخر رسا إلى وفي الصّمت، والتّنهُّدات، والانتظار للموت..!!.. ويبقى التّسآل: هل من موت والمسيح قام.؟!!!...

ومدّ الإنسان الأعمى يده يستعطي... "أعطني هذا الغريب"..!!..

وسمع الأعمى صوت ذاك الغريب آتيه..!!.. لم يكن يتكلّم..!!.. كانت الأرجل، فقط، تخبط حوله الغبار، كالأحصنة العُجْمِ. وقد هرع هو للوصول إلى الّذي انتظره عمرَه، ممدودَ الكرامة ليدوسها رفقاؤه وأهل مدينته..!!..

وعلا الصّوت، علا... وكان الأعمى يفتّق غربته، ململمـًا ڪرامته؛ ليرتحل إلى أرض أُخرى بعيدة، إلى زوايا لا تعرفه، علّهم يُشفقون عليه بعطايا يرمونها في صحفته النّحاسيّة العتيقة.

واجتاز الجمع.!... وكانت غفوة تعب الانتظار تـتآڪل الأعمى؛ فصرخ: "ما هذا.؟!. مَن هذا.؟!." لم يجبه العابرون ما هو، مَن هو.!. "يسوع النّاصريّ عابر.!!."

فصرخ من دون وعي، بلا تردّد: "يا يسوع، ابن داود، ارحمني... فزجره المتقدّمون ليسكت؛ فازداد صراخـًا: يا ابن داود، ارحمني" (لو18: 36- 39).

مَن كان أولئك المتقدّمون مسيرةَ يسوع ابن داود.؟!. أكهّانُ الهيكل هم.؟!. علّيّة معلّمو الشّريعة.؟!. أولياء حملةِ أختام أموال الهياكل الإلهيّة.؟!. وأختام الملك..!!.. ممثّلو سؤدد غربة الملك وجبروتها؟..!!.. الأغنياء والعامّة المتفذلكة...

"فوقف يسوع، وأمر بأن يُقدّم إليه.!." (لو18: 40).

"وصار اللّقاء".!!!. حدثت المواجهة بين يسوعَ الإلهِ - الإنسانِ والبشريـّةِ العمياء كلّها في أعمى أريحا.!!. ساءله يسوع قدّام كلّ الحاضرين..!!.. "ماذا تريد أن أصنع لكَ.؟!." (لو18: 41).

وقف الرّبّ، العارف بمكنونات القلوب، والفاحص القلوب والكلى، بإزاء الأعمى مخلوقه.!!. وسلّط الرّبّ الإنسانَ الأعمى على قراره..!!.. وأعاد الإله قولته... سؤله: "ماذا تريد أن أصنع لك.؟!." ڪان على السّيّد أن يسأل، وعلى الأعمى أن يجيب؛ ليعرف كلُّ الّذين لا يعرفون، ويدرك الّذين ادّعَوا أنّهم لا يدركون اتّـقاءً لمصالحهم، أنّ هناك إلهًا، وهو الرّبّ يسوع الّذي مسحه الآب الإله السّماويّ وكلُّ الّذين يعرفون أنّه في الابن المتجسّد، ليُبصر الّذين لا يبصرون، ويعمى الّذين يبصرون، ويعرف الّذين ساءلوا وسُئلوا، ولو مرّة في حياتهم: "من أنتَ.؟!. ماذا تريد أن أصنع لكَ.؟!."، فقال الرّجل للإله - الإنسان: "يا ربّ، أن أُبصر"..!!..

"أَبْصِرْ.!. إيمانك خلّصَكَ".!. (لو18: 41- 42)...

"بالإيمان والحبّ"، نعرف الرّبّ الواقف قدّامنا..!!.. بالإيمان، نغلب نوازع تردّدنا وخطايانا..!!.. بالإيمان، نحبّ..!!.. بالإيمان، ننتظر ونقبل تخلّعنا، وعمانا، وقهرنا..!!..

بالإيمان القبول..!!.. بالإيمان الوعي..!!.. بالإيمان الحبّ..!!..

"بالإيمان الحبّ، والحبّ بالإيمان"..!!.. والرّبّ، بالحبّ المتدفّق من كلّيـّته، يمنحنا الإيمانَ، والحبَّ، والرّجاءَ؛ لنخلص؛ ونعرف؛ وندرك، يقينـًا، أنّنا أولاد الملك الممهورين بحبّه؛ لنحبّ كما هو أحبّنا؛ فنرى... نراه آتيـًا إلينا مع الجمع، ليقف إلينا..!!..

هكذا، ينتصب الإله الرّبّ، الرّجل - الإنسان - يسوع المسيح، لدى كلٍّ منّا، ينتظر سؤلنا إيّاه للخلاص من عمى بصيرتنا... فنصرخ إليه: "يا يسوع، يا ابن داود، ارحمني!".

- ماذا تريد أن أصنع لَكَ؟!

- أن أُبصر.!!.

- أَبْصِر.!!.

ورأى الأعمى النّور مولودًا من نور محبّة كلمة الإله، يسوع المسيح..!!.. "فتبعه وهو يمجّد الله.!." (لو18: 43).

ونحن، أيضًا، إذ نحدّق في مطرح النّور بلا هوادة، بلا حسٍّ بألم النّور الحارق الشّافي؛ نقول: "انظر، يا ربّ، فإنّ عبدك يسمع..!!..وهو يطيع، لأنّه سمع صوتك، فأحبَّك.! "... فأره وأرنا نور وجهك..!!..

هكذا، تسقط قشور قصاص الظّلمة عن أعيننا، فنأتيك يا سيّد متمتمين:

"أنت إلهنا، يا ربّنا..!!. أنت حشا الرّوح..!!..

القلب لكَ.!!. وكلّ الكيان..!!.. فاقبلنا، وارحمنا.!.وأنر أَعين قلوبنا..!!..

آمين.

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

3 كانون الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share