<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
تأمّلات في الإنجيل
غــيــرة غِـرْتُ
للإله على ”إيليا“


وهو الَّذي جَلَبَ علَيهمِ الجوع وبِغَيَرته جَعَلَهم نَفرَا قَليلاً .
بِكَلامِ الرَّبِّ أَغلَقَ السَّماءَ وأَنزَلَ نارًا ثلاثَ مرَات .
ما أَعظَمَ مَجدَكَ يا إيليَّا بِعَجائِبِكَ ! ومَن لَه فَخرٌ كفَخرِكَ؟. 
أَنتَ الَّذي أَقَمتَ مَيتًا مِنَ المَوت ومِن مَثْوى الأَمْواتِ بِكَلامِ العَلِيّ 
وأَهبَطتَ المُلوكَ إِلى الهَلاك والعُظَماءَ مِن أَسِرَّتِهم 
وسَمِعتَ في سيناءَ عِتابًا وفي حوريبَ أَحْكامَ اْنتِقام 
ومَسَحتَ مُلوكًا لِلمُجازاة وأنبِياءَ خُلفاءَ لَكَ 
وخُطِفتَ في عاصِفَةٍ مِن نارٍ في مَركَبةِ خَيلٍ نارِيّة 
واَكتُتِبتَ في إنْذاراتٍ للأيَّام الآتِيَة لِتُسَكِّنَ الغَضَبَ قَبلَ اْنفِجارِهَ وتردَّ قَلبَ الأبِ إلى الاْبن وتُصلِحَ أَسْباطَ يَعْقوب .
طوبى لمَن عايَنَكَ ولمن رَقَدَ في المَحبَة فإنَّنا نحنُ أيضًا نَحْيا حَياةً. “

يشوع بن سيراخ (1:48-11)

     ”قم يا رب واحكم في الأرض“ !!...

     ” وقام إيليّا النبيُّ كالنّار وتوقّد كلامُه كالمِشْعَل“...

      غارَ غيرةَ رجالِ الله الّذين حاكَ الإلهُ لهم كلماتِهم من نارِ حبِّه ونور هيأتِه، ضياءً يضرِبُ بها عتماتِ سراديبِ النّفسِ البشريّةِ.

     ”من صدّقَ خبرَنا ولِمَنْ استُعلِنَتْ ذراعُ الرّبِّ“؟!..

     لا يملكُ قدرةَ نطقِ كلمةِ الحقِّ، إلاّ الّذي يقبلُ تأديبَ الرّبِّ، مُحْنيًا رأسَه عند قدميهِ، لأنّ الكلمةَ الإلهيّةَ تطلُعُ من آديمِ الأرضِ الّتي أوجدَها الإلهُ وألبسَها رداءً، يُلقيه على كتفَي مختاريه، ليحملَهم إلى أعالي سماءِ السّموات، السّاكنُ هو وحدَه فيها مع الّذين أحبّوه، وأَطاعوه فرفعَهم إلى صليبِ قيامتِه بتجاربَ وضيقاتٍ وضرباتٍ وجلداتٍ، لا يحتملُها إلاّ الّذين أُعطوا منه النّار لِتُذيبَ كلَّ شبهِ عفنٍ في طحلبيّةِ النّفسِ الّتي تلطَّخَتْ بعشْقِ عمارةِ هذا العمرِ والعالمِ والّتي ورثوها وهم لا يعرفون، ليُفاجئهم نتنُهم فيصومون ويجلِسون في المسوحِ والرّماد.

     وقام ”إيليّا“ نبيُّ الله لينقّيَ بيادرَ شعبِهِ المترامي الأطراف في الأرض... فوجدَهم يخلطون القمح بالزؤانِ ويبيعونه خبزَ تقدمةٍ على مذبحِ الرّبِ، وطعامًا للأراملِ والأطفالِ وفقراءِ الأرضِ الّذين لا يشترون من مخازنِ الأغنياءِ، لأنَّ الطرقاتِ إليها مقطوعةٌ بحُرّاسِها، الكلابِ المسعورةِ بأكلِ اللحومِ وشربِ دمائِها!!.

     وصرخَ إيليّا: ”ويلي لقد صارَ شعبي طعامًا للدّودِ من اختلاطِ ذبائِحهم بذبائِحِ أوثانِ الأممِ... ”فجلَبَ عليهم الجوعَ“، وماتَ من أَفسَدَ طعامَ شعبِهِ ”وبغيرتِه جعلَهم نفرًا قليلاً“ حتّى لا يكثُروا فيستكبروا“.

     ”ويَبقى سبعةُ آلافٍ لم يُحنوا ركبةً لبعل“. ها وَثَنُ المالِ في هذا العالمِ... مُخضَّبٌ بدمِ وثنِ السّلطةِ وحبِّ الرّئاسةِ، وامتهانِ الكذبِ والحلفانِ بربِّ الأربابِ، إلهًا وخادمًا لهم. وفي جعلِ خطاياي وجهالات الشعبِ مسكِنًا يسكنون فيه وحدهم.

     واجترأ ”إيليّا“ نبيُّ الله على شعبِه فأنْزَلَ نارًا ثلاثّ مرّاتٍ فأحرَقَتْ حجارةَ هياكِلِهم وقصورِهم والحيّاتِ الذّهبيةَ المرقطةَ بالحجارةِ الكريمةِ، حاملةً زُعافَ السُّمِّ ليموتَ من يُنادِمُها. فارعَوَى بعضُ من عاينوا... ثم نَسَوا أنّ لهيبَ النّارِ ستطالُهم هم أيضًا... ونظرَهم ”إيليّا“ بعد إنقضاءِ أيّامِ نبوَّتِه لهم، فصرخوا ليُرجِعوه إليهم، إذ أَحسّوا أنّهم أذنبوه وأطاعوه كَذِبًا، ليبقى بينهم مُعيلاً فتيانهم وفتاياتهم! وما طفِقَ شعبُه يحيا ويكذِبُ حتّى تشتّتوا في أرضِ الأحياءِ كلِّها... فرماهم الإلهُ الغيّورُ من قبضةِ يدِهِ...

     أخلاهم من بينِ أصابِعِه، فصاروا حبّاتِ رملٍ إذا ديسَتْ تُخْرِجُ سُمَّها من أفواهِها لِتُميتَ كلَّ من يقربُها.

     وصمَتَ كلُّ أهلِ الأرضِ... ثم رفعوا هاماتِهم وأصواتِ حلوقِهم... ”ما أعظمَ مجدَكَ يا إيليّا بعجائِبِكَ!. من له فخرٌ كفخرِكَ؟. أنت الّذي أقمْتَ ميتًا من الموتِ، ومن مثوَى الأمواتِ بكلامِ العليِّ. وأهبَطْتَ الملوكَ إلى الهلاكِ والعظماءَ من أسرّتِهم“.

     وبَقيَتْ نارُ حبِّكَ للإلهِ تأكُلُ هشيمَ الأرضِ وقشَّها. ونظرْتَ حولَكَ... فأفاقَكَ ربُّكَ أنّ في الحياةِ موتًا وفي الرّقاد قيامةً... فسكّنْتَ عتوَّ مسيرَتِكَ قائلاً: ارحمْني يا الله كعظيمِ رحمتِكَ... وخفْتَ يا ”إيليّا“ من تسلّطِ وحدةِ رأيِكَ، فدخلْتَ مغارةَ دفنِكَ، مُجرِّبًا سماعَ حركةِ الموتِ في أعضاءِ جسدِكَ وحسِّكَ. وقلتَ: هأنذا ابتعدْتُ عن سيّدي لأنّي سمِعْتُ قولةَ حسّي وانتفاضةَ جسدي ونسيتُ أنّي أشيخُ وحدي.

     فاخترْتَ ”إلياسَ“ لكَ ”أليشَع“ جديدًا... قارَبْتَه بقلبِكَ هامسًا في أذنِ قلبِه ... ”هل تحملُ سيفَ حبّي لكَ إرثًا لإلهِكَ... ولا تقتلُ كهنةَ البَعْلِ، كي لا تختبئَ من مبغضيكَ مثلي؟! بل احملْ رداءَ إلهِكَ إذ أُلقيه عليكَ مُخضّبًا بالدّمِ، فحوِّلْه إلى ميراثٍ لكَ ولكلِّ الّذين أُرسلُهم إليكَ، لتعلّمَهم طرقَ الرّبِّ فلا تعثرَ رجلُهم بخطيئةِ كبرياءٍ، أو بتهاونٍ لأنّي أنا فيهم، ربُّهم فيَّ اصطفى مُقامَه؟!...

     وارتحلَ ”إيليّا“ النّاريَّ الهيأةِ والفعلِ والكلمةِ. صعِدَ تاركًا عباءةَ مُلكِه الحمراءَ، المخضّبَةَ بدمِ الشهادةٍ ”لإلياس“، حتّى يلتحفَها جبّةً سوداءَ في الهيكلِ، وعطاءً في ليلِه، وجواربَ حمراءَ يدورُ بها مثلَ ”اسبيريدونسَ العجائبيّ“ ليُطعمَ الجوعى، ويُبلسِمَ جراحَ المرضى ويُهدّئَ روعَ الخطأةِ ويعودَ سائلاً: أهيأتي النّحيلة الحجمِ ستحملُ ”إيليّا“ نبيَّ الله نبوءةَ مُلْكٍ وإرثًا له ولأولادِه الرّوحيين الّذين قطّعوه مأكلاً لحياتِهم، إرْبًا إرْبًا، قُربانًا للإستمرارِ؟!.

     ”عجيبٌ هو الله في قدّيسيه... في المجامِعِ باركوا الرّبَّ“...

     يا أبانا إلياس، يا ابنَ الأنبياءِ وخليفتَهم في قولِ كلمةِ الحقِّ. يا من نعيّدُ له اليومَ طالبينَ منه أن يَشْلَحَ علينا عباءةَ شفيعِه النبيِّ إيليّا ويأخُذَنا معه، لا في مركبةِ خيلٍ حمراء، بل في دموعِ صلاتِه المتفجّرةِ من عمقِ أعماقِ الحشا.

     يا من أخذتَنا، لتُكتَتَبَ معنا في دفاترِ الملائكةِ السّماويين عند ملكِ الملوكِ وربِّ الأربابِ، في جلسةِ الثالوثِ القدّوسِ.

     وإذ سجّلْتَنا في دفاترِ روحِ الثالوثِ، أعدْتَنا إلى الأرضِ الّتي فيها خُلِقْنا قائلاً: أحرصوا أن تبقوا أنقياءَ القلبِ والقصدِ والثباتِ.

     كونوا أمناءَ للمواعيدِ الّتي أمّنَنا الرّبُّ يسوع عليها.

     فإنّ الأيّامَ تُقَصَّرُ والإنذارتُ الإلهيّةُ تتتالى، فلنُسكِّنِ الغضبَ الآتي علينا وعلى كلِّ ذي روحٍ في جسدٍ.

     وسجَدْتَ... ورأسُكَ ملامِسٌ ترابَ كنيستِكَ ونحن وراءَكَ نعيدُ بصوتِكَ الصّلاة:

     يا أبانا لا تصرفْ وجهَكَ عنّا، بل انظرْنا بعينَين ساهرتَين.

     ردَّ دموعَ الشوقِ لكَ إلينا... أنتَ كنتَ مجيرَنا من غضبِ بليعال، أدخَلْتَنا خيمةَ عهدِ حُبِّكَ لنا... أنقذْتَنا من الأيدي الأثيمةِ الّتي تحتالُ علينا ومِنَ الأغنياءِ والحكّامِ الظالمين... أطعَمْتَنا خبزَ العبراتِ نادمينَ على تركِنا خِباءَ عهدِنا معكَ. نحن خطئْنا وأثِمْنا وأنتَ أقفلْتَ عينَكَ بكفّكَ حتّى لا ترى احتيالَ شهواتِنا تدمّرُنا والشيطانُ يقهقِهُ علينا.

     يا أبانا ردَّنا إليكَ فأنتَ وحدَكَ المعينُ المجيرُ، الّذي يجبُرُ ضغفَنا، ويسربلُنا بحلّةِ خلاصِنا، لأنّكَ هكذا وعدْتَنا في مبرّاتِ رحمتِكَ! لِذا صُلِبْنا معكَ عن خطايانا وعنكَ لأنّكَ أحببتَنا، نحن حُثالةَ الأرضِ الّتي لم تحضّرْ تربتَها لاستقبالِكَ وزرعِكَ...

     لا تحاسبْنا يا الله لأنّكَ أنت الأبُ الكليُّ الرّحمةِ والرّأفةِ والغفرانِ لزلاّتِنا... ردَّ قلبَكَ إلينا مسمِّرًا خطايانا على جبينِكَ، فنستضيئَ يا أيّها النّورُ بنورِكَ أنت، لا بِذُلِّنا...

     نحن قاوَمْناكَ وتُبنا... أبعدناكَ لنعبُدَ أهواءَنا... والآنَ نحن سُجَّدٌ وراء الّذي أنت اخترْتَه أبًا لنا... فعلِّمنا أن نحبَّكَ في أبينا وأن يحمِلَنا إليكَ في كلِّ عيدٍ من أعيادِ شفيعِه وصفيِّكَ ونبيِّك إيليّا الغيّور.

     ”فطوبى لمن عاينَكَ ولِمَنْ رَقَدَ (قبلَنا) في المحبَّةِ... فإنّنا نحن أيضًا نحيا حياتَكَ. الآن. لنا“.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

22 تموز 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share