"لنطرح عنّا كلّ اهتمام دنيوي"... حالة فردوسيّة... الحياة الرّوحيّة هي رجوع إلى الحالة الفردوسيّة.(الأب الياس مرقص).جوهر صلاة القدّيس أفرام السّرياني هو روح العفّة: ابتغاء الرّبّ وحده، البقاء في الذّهن العميق نحو الرّبّ ومعه وحده، متجاوزين كلّ شيء آخر.(الأب الياس مرقص). تتطلّب حياتنا يقظةً هائلة،لأننّا بمقدار ما نتمّم الأعمال والفرائض والواجبات، نزداد كبرياءً في العمق، كبرياء خفيّة في داخلنا. لذلك ترانا يذلّنا الله في صلاتنا وجفائنا وضيقتنا.(الأب الياس مرقص).متى نحسّ بالرّحمة العظمى؟. إذا كان الجسد تعبًا كلّ التعب،والرّوح منكسرًا كلّ الانكسار... بكاء ورحمة... بنعمة الرّبّ.(الأب الياس مرقص).كما أنّ الحبّ المتقطّع للمحبوب لا معنى له، ولا قيمة ثابتة حقيقيّة له، كذلك هي الصّلاة غير الدّائمة.(الأب الياس مرقص).
تأمّلات في الإنجيل
رقاد والدة الإله
الكليّة الطهر


(مقالة الأسبوع الماضي)


     إنّ العروس المنزّهة عن كلّ العيوب. وأمّ مسرّة الآب. السّابق تحديدها من الله مسكنًا لذاته. بالإتحاد الّذي لا تشوّش فيه. اليوم تودِعُ نفسَها الطاهرة. عند الإله المُبْدِع. فتتقبّلها القوّات العادمة الأجساد كما يليق بالله. فتنتقل إلى الحياة. بما أنّها أمّ الحياة بالحقيقة. ومصباح النّور الّذي لا يُدنى منه. وخلاص المؤمنين. ورجاء نفوسنا. (إيذيوميلية الليتين).

     كان لا بُدَّ لوالدة الإله الّتي خُلقت من عقر والديها، أن تكون هي مبدأ الحياة الجديدة للكون الجديد والإنسان الجديد، الخارج من السّقوط بعويل وصراخ: نريد أن نخلص!  أن نحيا!  أن نفرح!  أن نكون مِنكَ شعلةً تطفئُ لهيب نار جهنّم السّاكنة بين ضلوعنا، بسبب خطايانا الكثيرة الّتي اجترمناها بمعرفة وبغير معرفة، لكنّنا بقينا كلّنا مشدودين إليها، لنحيا منها وإذا ما سقطنا، ”نلعن“ عمرنا الّذي لم يحمل لنا إلاّ اليأس والتربة الحديدية المرّة، لتنزرع فيها أشجار مأكلنا، فتعفن أحشاؤنا لنولِد إنسان السّقوط المرتاب بربّه، العائش في خطيئته، فإذا أشرق النّور عليه، يُطفئه لتُلعنَ الأرضُ أيضًا وأيضًا في عدميّة جوارح الإنسان، فلا يولد إلاّ العفن والموت وتضارب السّلطات في قصد نواياه، فَتُميت يدًا بيدٍ كلّ البشريّة، ليولِد الإنسان أيضًا وأيضًا أولادًا للموت حتّى يموت الكون بين جوارح الخليقة. !

     يا لهول معصية آدم لقتله الإله في الحياة وإعادة الصّراخ: ”أنا آدم الأوّل والأخير“ !!!  أنا الإله فتتفجّر البحار وتتزلزل الأرض، تتساقط الجبال وتبتلع المياهُ المُدُنَ الّتي عمّرها الإنسان وتتطاير نجوم السّماء وقوات الملائكة تولول أيضًا وأيضًا: ”ها نجمة صبح البراءة تولَدُ من بطنٍ أخرس وحشًا مات مع لعنة الموت الّتي غطّت الكائنات جيلاً بعد جيل“!!!.

     لكن كان لا بدّ لامرأة الحبّ الجديد والوعد الّذي حملته ملائكة   السّموات والأرض... أن تولد وتتناغم أجواق الملائكة زاعقة: لا تخافوا شياطين الهواء! لم تقوَ علينا! اليوم ربطنا أنواط الأرض بالسّماء لتتفتّح حياة الكون مرجًا أخضر بالوريقات المستنبتة المرأةَ الجديدة للكون الّذي ما زال يعبُقُ بدخان حرائق الموت! من حفافي الموت والقهر واليأس تَنبُتُ ”كلمة“ الله في حشا وحدها بتولية، من أرض الخراب: ويكون ”اسمها مريم“!

     هكذا تنطبق الشّفة على الشفة، بصمت الكلمة وتئنّ أصوات الأعماق... تعالي، تعالي، يا أمّاه، يا من وُلِدْتِ لنا من بطن وعد الإله للإنسان قائلاً له إنّكَ إن مُتّ عن خطاياك بحرائق يديك، مميتًا كونَ الخطيئة، الّذي عصيتَ فولدته كونًا مِنْكَ، لا مني أنا الإله، فسأولِدُ، أنا الإله لَكَ، كونًا جديدًا، من وعدٍ جديدٍ، لأنّي لن أُجازيك على ما كنتَ إليه؛ ولكن إن أخطأتَ، بعد ولادة ”مريم“، ومنها مولودها ”عمّانوئيل“، فإنّك لن تحيا نعيم الحبّ الّذي سأفرغه على الّذين يحيون لي، مني، أنا، ليصيروا جوق ملائكة السّماءِ على الأرض. كلمتي، صوتي، ترتيلتي الجديدة، حياتي أنا الّتي لا غضب ولا عُنفَ ولا كَذِبَ ولا ارتخاء ولا رياءَ ولا تكبّر ولا حسد ولا خوف ولا موت فيها، بل بالآلام الرّاقدة في بطن وعاء الحياة، تَتَمخّض حياة الإنسان، لتتفتّح من بطن معرفتي، فتأتي إليّ كلّ البرايا لتعرف حقّي، فتغرف ما حلا لها من وعد حبّي الّذي انبجس من ألوهتي!!!.

     وكانت البشرية الجديدة السّاكنة في فكر الإله وقلبه، تئنُّ لتعرف مريم ويسوع ابنها في عجنة ماضي الأكوان ولكن بحلّة الصّمت الجديد المنير النّور!.

     ما الجديد سيّدنا؟!.

     ”أنا هو الّذي هو“ (إشعياء 12:48)

     ”أنا هو الألف والياء، البداية والنّهاية“ (رؤيا 8:1).

     ... فاسمعوا حتّى لا تموتوا موتًا، بل تبقوا في معرفتي البكر وأقول ”إنّكم آلهة وأبناء العليّ تدعون“(يو 34:10). ولكن سيبقى الموتُ حتّى يُميتَ كلّ موت وكائن وادٍّ أن يسحق الآخرين بعد الحياة البكر الجديدة.

     وتبقى للأحياء لي في هذا العمر، حياة واحدة جديدة، تتجدّد بمريم، الّتي تولِدُ وحدها بصوت الإله وبزرع الملائكة والرّوح أبناء وعد الإله، نجوم الصّبح الّتي لن تنطفئ... بل يبقى لها الإنسان في الإنتظار الفَرِح على رجاء لقيا الإله في كلّ مولود من عُقْر الإنسان وخصب الكلمة الإلهية في الوعد الجديد، في بطون الإمّهات الجديدات!.

     ”فهلّمي يا أقطار الأرض كافّة. نغبط انتقال أمّ الإله الموقّر. لأنّها قد وضعت نفسها المنزّهة عن العيب في يدي ابنها. لذلك قد أُعيدت برقادها المقدّس حياةُ العالم. الّذي يُعيّدُ ببهجة، بمزامير وتسابيح وترنيمات روحيّة مع الملائكة والرّسل“. (إيذيوميليّة اللّيتين).

     اليوم هو يوم (الرقاد)، الانتقال الجديد لأمّ الكون، متحلّقًا حولها كلُّ رسل الكلمة الإلهيّين لتُصْعِدَهم معها، محمولين روحيًا على يدَي سيّدها، ابنها وإلهها ومعهم وبها كلّ الصّارخين بصدقٍ أو بصمتٍ وأمانة:

     ”في ميلادك حفظتِ البتوليّةَ وصُنْتِها وفي رقادِكِ ما أهملتِ العالم وما تركتِه يا والدة الإله. لأنّك انتقلتِ إلى الحياة بما أنّكِ أمّ الحياة، فبشفاعاتك أنقذي من الموت نفوسنا“. (طروباريّة العيد).

     كلّ الكلّ قد تمّ اليوم... الحياة والأبدية صارا مزروعين في حشا كلّ مولود من حشا مريم البتول ومصلوبٍ على صليب ابنها!!.

     اليوم مات الموت لأنّ براءة الحياة البكر الإلهية وضعت تاج حبٍّ على هامات أولاد الملك!

     اليوم ماتت الخطيئة من عقول وأفكار وأدناس جسد الإنسان!

     اليوم كلّ البشريّة المؤمنة، المولودة من مريم والمنتقلة معها، تتهلّل مرتقصة: لا حزن بعد، ولا احتيالات لزرع جسد حوّاء العتيقة، في بطون الأمّهات والدات الحياة... كلّ أبناء الملك افتدوا المعصية البكر الأولى، وجمْعُ الرّسل والآباء والقدّيسين ونسوة العهد الجديد والعمر الجديد يصيرون مريمات من مريم البتول، وآباء الكون يُصلبون بالحب لسّيّدهم...

     فيا عذارى أسرعن والبسن ثياب عرس الملك.

     أكسين أجسادكنّ بحلى الطّهر، لا بزينة الشهوة الزائلة.

     أنتن كلّكنّ ستدخلن خباء الخدر المُعدّ لكنّ ”بمريم“ البتول أمّ الكون.

     لا تَنُحن بعد... فأنتنّ افتُديتُنّ بنور التجلّي الإلهي.

     احملن سَعَف النخل وأسرعن ضمِّخن وَعْرَ الطريق بدموع الفرح النّوراني، ولا تنكفئن، بعدُ، في خزائن أناكُنّ!.

     وأنتَ تهلّل يا آدم، لأنّ ”مريم“ وابنها الفادي افتدى زرعك.

     فلتطرب كلّ الأرض لأنّ خلاصها أتاها بميلاد ورقاد أمّ الكون لها. ولا تَخَفْن يا فتيات... بل ادخلن إلى مجد إلهكُنَ. المائدة معدّة لكنّ والعريس ينتظر قدومكُنّ إليه، لتزعقن كالملائكة زغاريد الفرح الجديد الّذي لن يُنْزَع منكنّ!.

     فاليوم صارت السّماء خِباء عرسكن، مع الإله بمريم أمّ الإله.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

19 أب 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share