بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الخامس بعد العنصرة
من جنون الموت يخرجون إلى الحياة!!...


قال الرّب: لا بدّ أن تأتي العثراتُ. لكن ويل للّذي تأتي بواسطته... (مت 18 :7)

وستكون حروب وأخبار حروب [...] ولكن لا يكون المنتهى بعد... (مت 24 :6).

     هكذا أعلنت ملائكةُ الشرِّ والشرّير الحربَ على نسل العذراء لتقتصّ منها. إذ هي أطاعت كلمة الله الآب في وعده لها أنّه اختارها، لتصيرَ حاضنة حاضن الجنس البشري. وفي قولها الـنّعم تنزّلت النّعمة عليها، فصارت هي مريم عدوّة الشيطان الأولى وكلّ نسلها، بيسوع المسيح، إلى جيل بعد جيل، وحتى يأتي الرّب في مجيئه الثّاني ليُقيم من استشهد من نسلها!.

     هذا ما حدّدته الكنيسة الجامعة المقدّسة الرّسوليّة، إذ أَعلَنَت اليوم في وضعها هذا الإنجيل العَجَب الغريب المخيف في الأسبوع الخامس بعد حلول ألسنة النّار الرّوحيّة على البشريّة في العنصرة. إنّما هو لتقول لنا سرّيًا إنّ ما كان قد ختم عليه منذ ولادة الطفل الإلهيّ يسوع، الّذي به تعود الخليقة إلى معرفة الحقّ بالعجب، أنّ لا ذريّة لله ستولدُ لتحيا وتستمرّ بعد السّقوط، إلاّ بكلمة الله للملاك، والملاك في بثِّها للأمّهات مختارات المسيح، الّلواتي ارتضى بهنّ أن يصِرْن أُمّهاتِه على الأرض ومنه وفيه، لتنزرع وتشتَّل حدائقُ الفردوس الأرضي من نسل حوّاء الجديدة وأنّ الشيطان سيضطهده ونسله، وأنّ الشرّير، الشيطان الحسود، سيوقع آدم بالكذبة أنّ لا ولادة ولا حياة ولا موت، إلاّ باقتداره هو وقوّته وجبروت إفناء البشرية على يده، وأن لا كذبة، إلاّ في التعاليم الإلهية الكائنة في ضمير الله الآب من قبل إبتداء الكون، وأنّ مخلّص العالم لم يُفْلِت من الموت!!.

     وبدأت الحرب!! حرب الإفناء والموت بـبذرة الشرّ الّتي زرعها الشيطان في نفوس الشعوب الغريبة، الّتي لم تعرف الخالق الطفل الإلهيّ، الّذي ولد بالجسد ليغيّر وجه الموت وعبادته الّتي التزمها الشرّير، ملاك النّور الكاذب والسّاقط من أمام العرش الإلهي، لأنّه أغوى نسلَ الملك بالكذبة والادّعاء أنّه هو الملك، لا الطفل المقمّط والمُضْجَع في مذود، الآتي ليعلّم النّاس الحقيقة الإلهيّة، وهي أن لا حياة روحيّة، ولا أبديّة إلهيّة إلاّ بالعفّة، بالفقر، بالتسامح، بالإتضاع، بالسَّماع والتسليم للمشيئة الآتية لا من قلب الإنسان وحسّه، بل من الله، خالق السّموات والأرض!!.

     لذا صار الإلهُ إنسانًا، حتّى يأتيَ الإنسانُ ببشريّته إلى فردوس الملك الإلهي، بعد عبوره صحاري المرض واللّعنة، والكذبة، أنّ لا إله حاكمًا في هذا العالم، إلاّ جنون العظمة والسّلطة والمال والقوّة القاتلة للطفل الإلهيّ وللأم السّماويّة مريم، ونسلها المولود منها، ليحيا في صحاري هذا العالم مدافعًا عن الحقّ في الفقر والصّدق والأمانة، لتبقى روح الثّالوث حيّة لا تموت في هذا الكون!!.

     اليوم نقف كلّنا، نحن الّذين وُلِدنا للحياة، لا للموت، لنُسائل الإله بعد حلول الرّوح القدس في القيامة العنصرانيّة!!.

     لماذا تعود الحياة لتَبدأ أيضًا وأيضًا في الموت؟! لماذا ما زال الإنسان يفتدي جماح الشرّير لقتله بذاته؟! لماذا علامة الحياة صارت بالموت على الصّليب؟! لماذا يُجَنّ الإنسان الحامل والمنتظر المسيح؟! ليبقى الثمن الحرب، والقتل والعذاب ومرض الأطفال والجنون؟!.

     منطق الحياة الإلهيّة الحقّ، ارتسم بالموت على الصّليب، ليقوم الإنسان إلى الجدّة الإلهيّة، لتُذَوّبَ خطيئة آدم الأوّل في كلّ من يقول نعم للولادة الجديدة على صليب مجد يسوع المسيح وهوانه!!.

     لكن جلّ النّاس يرفضون العبور بالمرض والجنون والموت للوصول إلى الحياة الحقّ!!. النّاس كلّ النّاس يرفضون الآلام الّتي ما زالت تصيب الإنسان بعد التجسّد الإلهيّ والموت على الصّليب للقيام، إلى حياة جديدة، دارئين اقتدار روح الشيطان فيهم وعليهم!!.

     مَن زرع بذرة الرّفض في كيان الإنسان، رابطًا فيه اقتدار الإله على تخليص الّذين قبلوا؟!.

     لكن كيف يقبل الإنسان المهانة والضرب وإدارة الخد الآخر، بعد تلقي الضربة الأولى، ولا يمدّ اليد ليدافع عن نفسه؟! أبالضرب يربح الإنسان على الّذي ضربه؟! أم بالإستكانة أمامه حامِلَه بنظرة قلبه إلى حشاه، ليُدخِلَ ذاك الّذي أمامه إلى سرّ الوجود الحقّ، إلى سرّ الموت عن الأنا، ليولَدَ من حشا البتول المزروع في كلّ حشا بشريّ، فيعيد خلق الّذي كان مات، ليقوم معه إلى الحبّ الّذي اغترفه من بطن البتول، حياة لا موت فيها وموتًا من وعلى صليب الّذي صُلِب وقام وحده من بين الأموات، باقتدار كلمة ووعد الله الآب للإنسان بقيامة يسوع ابنه!!.

     مجنونان بشريّان خرجا من القبور ليلتقيا الإله يسوع لما أتى إلى كورتهما ليخلّص ما قد هلك!!.

     هذه هي حاجة الإنسان البكر!! أن يُشفى من مرضه ليعود إلى حياة، لا ألم ولا مرض، ولا كذب ولا احتيال ولا كره ولا سلطة فيها لغير ابن الله المعطي الحياة!! وكانت سلطة الإله على الإنسان، حبًّا بالحبّ المائت لأجل خلاصنا!!.

     كتب الأب صفروني في كتابه في الصّلاة (ص 162) إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوة الرّوح القدس، كانت مثل حاجة شاب تائق إلى الحياة، وواجدٍ نفسه يتحطّم بمرضٍ ما. ولقد كشف الله نفسه لي من قبل أن التحقتُ بالأكاديمية اللاّهوتية (في معهد القدّيس سرجيوس في باريس). وعندما وصلت إلى جبل آثوس، كنت مقتنعًا بحقيقة ابن الله، الّذي وحده يمكنه أن يقبل حقارةً كهذه. وكانت طلبتي أن أتجدّد على كلّ صعيد، في كياني صرخةً في القفر!! أخاف أن أقولها، لكنّها كانت صرخة في قفر كونيّ، لا قفر أرضيّ. وتخطّى قلقي حدود الزمان!!.

     الشيطان داخل الإنسانَ في عمق أعماق كيانه، ليميته ويحيا هو، غارقًا في عفن وظلمة الكيان البشريّ الباحث عن ذاته!!.

     هكذا  كان  الموت  في  كلّ  آن  من  حياة  الإنسان  بعد السّقوط على الأرض!! إذ خاطب الإنسان الشيطان الإله وكلّ من حوله بلسان العنف والقتل والكذب والاحتيال وحبّ السّلطة والتجبّر والمال ليبقى هو وحده الإله!!.

     اليوم، لم يعد للشيطان سلطة على الإنسان في حضرة يسوع الرّب!!.

     إذ قال لهم اذهبوا... وذهب الشيطان وكل زبانيّته وأعوانه داخلين في الخنازير وجرفوها إلى عمق البحار وخنقوها!! ومات الشيطان في القطيع، في المياه... مات الموت اليوم إذ قضى الإله بالشيطان على خنزيريّة الإنسان!!. ليبقى الشيطان ميتًا في أعماق البحار والإنسان المشفي هادئًا بدون عذاب بين يدي الرّب!!.

     ويبقى منطق الرّبح!! متحكّمًا بعالم السّقوط وإنسان السّقوط وفكر السّقوط!!.

     ويبقى تاليًا ذاك الإنسان ابن البتول مريم في الكون واقفًا وحده في زاوية بيت الله، مطرقًا الرّأس والقلب والنّيّة ومتمتمًا دموعه المستغفِرة أمام ربّه وإيّاه ماسحًا بها خطايا العالمين بروح الحبّ لإلهه ورحمة إلهه لهم قائلاً:

     ربّاه ارحمنا بحبّك وسامحنا...

             آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

28 تموز 2013
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share