<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
تأمّلات في الإنجيل
أحد الفصح المجيد!...
المسيح قام!...

"المسيح قامَ من بين الأموات ووطئَ الموتَ بالموت
ووهبَ الحياة للّذين في القبور!"...

   هذا كان منذ البدءِ في فكرِ قلبِ الله، حين كَوَّنَ الأرضَ والسّموات والبحارَ والأنهارَ والدّبّابات والطّيورَ وكلَّ الأهويةِ والأزمنةِ والأوقات...

   وبقيَ الصّمتُ!!. لأنّ نورَ مسيحِ الحياةِ لم يكنْ قد التمعَ بعد... لأنّ الآبَ كان ينتظرُ أن تبزغَ الحياةُ البكرُ بالنّورِ من الإلهِ الكلمةِ ليُنيرَ الخليقةَ بنورِ الثّالوثِ المقدّس...

   وكان الإلهُ الكلمةُ، من قبلِ أن يكوِّنَ العالمَ... كان مع الآبِ والرّوحِ القدسِ... وهو أعطى، عند خلقِ العالمِ، أن يعرفَهُ كلُّ من يريدُهُ بروحِ المعرفةِ، بالرّوحِ القدس...

   كان هو النّورَ في العالمِ... أمّا الأرضُ فكانتْ خربةً والظّلمةُ تغطّيها... ونظرَ الإلهُ الآبُ إلى الأرضِ، فلم تعجبْهُ، لم يرتحْ لها، فأطلقَ "النّورَ" إلى العالمِ... وكان الإلهُ الابنُ هو كلمةَ النّورِ الحقيقيِّ الّذي أنارَ العالمَ وكلَّ من خلقَهم ليحيوا في العالمِ، ليعرفوا أنّ الإلهَ الآبَ هو هو وحدَهُ النّورُ الحقيقيُّ في الابنِ، المرتجى الّذي كان وكُوِّنَ العالم به، ليكونَ الكلُّ به ومنه من البداءةِ وحتّى كمال الدّهور...

   وصارَ كلُّ شيءٍ جميلاً إذ عرفَ العالمُ أنّ الإلهَ ثالوثٌ لا يتجزّأُ ولا ينقسمُ، لتبقى لكلِّ أقنومٍ فرادته... وأنّ الكلَّ مولودٌ من الخالقِ، الّذي أبدعَ كلَّ ما حولَنا لعيشِنا الرّوحيِّ في الثّالوثِ ومعه، نحن البشر... وسمّوا الإلهَ، لمّا شردوا عنه، شمسًا، إلهَ الخصبِ، إلهَ المطر، أو كلَّ ما وضعوا أيديهم عليه في عالمِهم... لكنّهم لم يسائلوه من أنتَ؟!!...

   "أنا هو الطّريقُ والحقُّ والحياةُ" (يوحنّا ١٤: ٦)...

   وزعقَ الشّعبُ: "اصلبوه اصلبوه... لا ملكَ لنا إلاّ قيصر" (يوحنّا ١٩: ١٥)...

   وصَلبَ الإنسانُ ربَّهُ، صالبًا فيه ومعه كلَّ الّذين آمنوا به!!... الّذين عرفوه بالرّوحِ والحقِّ... الّذين اختطّوا دربَ وصاياه، ماشين على طرقِ وَعْرِ الحبِّ الّتي رسمَها والرّحمةِ الّتي أوصى بها، والمشاركةِ الّتي دعا إليها، والخبزِ الّذي إذ يأكلُه الإنسانُ لا يجوعُ بعدُ، لأنّه هكذا سُرَّ وارتضى أن لا يكونَ غريبًا عن ذاتِهِ في الإنسانِ، أي عن الوجهِ الّذي رسمَهُ الآبُ له وللعالمِ منذ البدءِ...

   وكان على الإلهِ المتجسّدِ، يسوعَ المسيحِ، الإلهَ الإنسانَ، أن يتّضعَ إلى أسفلِ دركاتِ الأرضِ حتّى يعلِّمَ خليقَتَه التّواضعَ...

   لماذا الاتّضاعُ؟!... لما التّواضعُ؟!... والإنسانيّةُ الّتي خرجتْ منسلّةً من بين أصابعِ خالقِها، خرجَتْ لا لتُبقي معها الإلهَ ولكن لتصيرَ، من بدءِ معرفتِها بالإلهِ، وهي مولودةٌ منه، على صورتِهِ، عديلتَهُ في الخلقِ والإبداعِ...

   وشيئًا فشيئًا، سقطَ وجهُ الإلهِ من مرايا الإنسانِ... سقطَ وجهُ الإنسانِ في ما يعملُ ويفكّرُ وما يحيا لأجلِهِ... في هذه المسيرةِ الإلهيّةِ الإنسانيّةِ، صارَ الإنسانُ يَطربُ لإنجازاتِهِ هو، ناسيًا أنّ ما كان له فيه ومنه ليس منه هو، من إبداعِهِ، بل من عطاءِ الإلهِ له، حتّى يتذكّرَ، كلّما نظرَ مرايا الإنسانيّةِ، أنّها وإبداعاتها، إن لم تتبْ إلى ربِّها، فإنّها ستسقطُ في الدّورانِ حول ذاتِها، فَتَتفتّتُ، تاليًا، ونَفَسَ الإبداعِ الّذي نفخَهُ الإِلهُ في مِنخرَيِّ الإنسانِ ينحلّ، أنْ خُذْ روحي... كُن رسولي إلى العالمين... ولا تنسَ أن تعودَ دومًا إلى الحبِّ الأوّلِ... إلى وجهي... إلى النّورِ الحقيقيّ...

   "وكان هو النّورَ الحقيقيّ الّذي يُنيرُ كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى العالمِ... في العالمِ كان... والعالمُ به كُوِّنَ، والعالمُ لم يعرفْهُ... إلى خاصّتِهِ جاء وخاصّتُهُ لم تقبلْه... فأمّا الّذي قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولادًا لله أي الّذين يؤمنون باسمِهِ" (يوحنّا ١: ٩-١٢). هؤلاء أيضًا كانوا في العالمِ والعالمُ أيضًا لم يقبلْهم لأنّهم كانوا من روحِ الله بدءًا ولم يقبلوا العالمَ الّذي حكمَ على إلهِهِ بالموتِ، فصاروا بإلهِهم حياةً وللعالمِ موتًا... الّذين لم يقبلْهم العالمُ، تاليًا، لأنّ فيهم روحَ الرّبِّ القدّوسِ!!...

   ووقعَ الصّمتُ المُميتُ!!... صمتُ الموتِ على البشريّةِ!!... هي اختارتْ الموتَ للإلهِ حتّى تخلوَ ساحةُ العمرِ لأناها في وجهِ أنا العالمِ الإلهيِّ الّذي هو إيّاه، توبةً ورحمةً وحبًّا وبذلاً بحنانٍ... بل هو هو الإلهُ الآبُ في الإلهِ الابن، بالرّوحِ القدسِ...

   هذا أيضًا لم يُعجِبْ "إسرائيلَ" الجديدَ... الّذي كان بالحقيقةِ قد وُلدَ من جنبِ الإلهِ، من الطعنةِ الّتي أخرجتْ له دمَّ الحياةِ... لكنّه عند وعيِهِ أناه، خرجَ عن حبِّ إلهِهِ...

   وعَلَتِ الزّمجرةُ... لا نريدُ الإلهَ الرّاكبَ على جحشِ ابنِ آتان.

   لا!!. لا!!. نحن نريدُ إلهَنا راكبًا العربات المطهّمةِ ومحلّى بالذّهبِ والبرفيرِ والحللِ القرمزيّةِ وحولَهُ أعوانُهُ يحمونَهُ من رهطِ أولادِ البيعةِ الّذين يبتغون قرباه ليلمسوه...

   وانقسمَتْ الخليقةُ!!... الّذين يحبّون الإلهَ والّذين يحبّون عملَ أيديهم في العالمِ والغنى الّذي أخرجوه من بطونِ الأرضِ صارخين نحن عَزَقْنا الأرضَ، وفتحْنا مناجمَ الذّهبِ!!. نحن نعملُ وأنتم تتكلّمون!!. نحن نبني الحضاراتِ وأنتم تختبئون في كنائسِكم وأديارِكم تصلّون لإلهٍ نحن علّقناه على الصّليبِ لتتأدّبوا أنتم به...

   وكان على المحكمةِ أن تُنصبَ في ذهنِ العالمِ كلِّه، حتّى يقفَ الجميعُ أمام محكمةِ الدّيان!!. وعلا الصّوتُ من على منبرِ الحكمِ... "من قتلَ "أمين"... يا "مختار"؟!"...

   وسُمعَ ضربٌ شديدٌ من أيدي الّذين هاجموا العسكرَ، الحرّاسَ خارجًا... وعلا صراخٌ وزعيقٌ أخافَ قضاةَ العدل: اصلبوه!!!. اصلبوه!!!...

   ضغطةُ الصّوتِ والخوفِ من أن تتفتّحَ أبوابُ المحكمةِ بسبب عنفِ الضّربِ عليها، أصمتَ الحكّامَ... وقاضي القضاةِ أزاحَ عن رقبتِهِ ثيابَ الحكمِ الّتي يرتديها ليتنفَّسَ، ليصيرَ بها سيّدًا على سيّدِ الخليقةِ...

   وصارَ صمتٌ فجائيّ أخافَ ما تبقّى من ضميرِ القضاةِ الحكّامِ... وتراجيعُ الصّراخِ امتدَّتْ بحرًا مالحًا عفنًا لا تُشربُ مياهُهُ...

   اصلبوه... اصلبوه... وتمتمَ الحكّامُ: أنصلبُ ملكَكم؟!... ليس لنا ملكٌ إلاّ قيصرَ!!...

   هكذا كان وما يزالُ الحكمُ يصرخُ على يسوعَ الإلهِ الإنسانِ الملكِ وعلى كلِّ ذريّتِهِ!!...

   ماذا بعدُ؟!...

   هكذا وُلِدَ جيلٌ أُفرزَ كلُّه للموتِ... للقتلِ، وسيبقى يُولدُ ويُفرزُ لِقَدَرِهِ الإلهيِّ، أي للموتِ في المسيحِ، لأجلِ أن لا ينضبَ ماءُ نهرِ الحياةِ فينطفئَ النّورُ، تاليًا، وتجفَّ، لا مياهُ نهرِ "قيشونَ" الّذي كان، بل مياهُ الحياةِ الأبديّةِ النّابعةِ من بطنِ الإلهِ في أحشاءِ سلالةِ الإلهِ الملكِ، الّذي أورثَها للّذين آمنوا به ربًّا وإلهًا... "هؤلاء أعطاهم أن يكونوا أولادًا لله الّذين يؤمنون باسمه، الّذين لا من دمٍ ولا من مشيئةِ لحمٍ ولا من رجلٍ، لكن من الله ولدوا. والكلمةُ صارَ جسدًا وحلَّ فينا (وقد أبصرْنا مجدَهَ مجدَ وحيدٍ من الآب) مملوءًا نعمةً وحقًّا... ومن ملئِهِ نحن كلُّنا أخذنا ونعمةً عِوَضَ نعمةٍ"... (يوحنّا ١: ١٢-١٤، ١٦).

   لا تبكين بعد أيّتها الأمّهاتُ إذا ماتت الأجِّنَةُ في أرحامِكُنَّ وإذا وُلدَ أولادُكم، إذا كبروا وماتوا شبّانًا وشابّات، وإذا هربتْ البناتُ إلى أرضٍ غريبةٍ طالباتٍ عقودَ الماسِ والزّبرجدِ ليحلّين أعناقهنَّ... فالرّبُّ أعطى والرّبُّ أخذَ... أما أنتنَّ اللّواتي أولدتنَّ مسحاءَ الأرضِ الغارقةِ بالدّماءِ والقتلِ والجورِ والكذبةِ السّوداءِ بأنّ الإلهَ قد ماتَ، فإنّكنَّ تشتركن اليومَ في عرسِ الحملِ الّذي قدّمْتُنَّه ذبيحةً عن دماءِ الّذين سبقوه والّذي سيتبعوه صارخين اسمَهُ في قلوبكنَّ وبطونِكُنَّ وأرحامكنَّ...

   "أنا هو الطّريقُ والحقُّ والحياةُ" (يوحنّا ١٤: ٦).

   "اصلبوه... اصلبوه... ليس لنا ملكٌ إلّا قيصرَ" (يوحنّا ١٩: ١٥).

   "وكان المسيحُ هو النّورَ الحقيقيّ الّذي يُنيرُ كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى العالم...في العالمِ كان والعالم به كُوّن، والعالمُ لم يعرفْه... إلى خاصّته أتى وخاصّتُه لم تقبلْه. أمّا كلّ الّذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يكونوا أولادًا لله، الّذين يؤمنون باسمه" (يو ١: ٩-١٢).

   أين شوكتك يا موت؟!... أَين غلبتُكَ يا جحيم؟!...



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

16 نيسان 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share