<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
تأمّلات في الإنجيل
لماذا تفكّرون بالشرّ في قلوبكم؟!

     "القلب المتخشّع والمتواضع ... هذا لا يرذله الله"!...

وتندرج الصّلاة في قلوب الّذين يفتقرون إلى العون الإلهي في كلّ ما يرومون في هذا العمر!.

هؤلاء لا يفنيهم في فقرهم أرباب المال ولا في شقائهم، الأسياد المتسلّطون على مقدّرات عيشهم!. هؤلاء لم يبق لهم، أمام وجوههم وفي سيرة عمرهم، إلاّ يسوع!.
"طوبى للمساكين بالرّوح، فإنّ لهم ملكوت السّموات"!

هؤلاء لم يذوقوا الموت مرّة واحدة، إذ يُطلق أمامهم المسجّى روحه إلى خالقه، بل كلّ يوم، اغتُصِبَ فيه حقّهم في العيش الشّريف، في انفتاح مجالات الحياة والعلم والعمل والتّعبير عن رأيهم في حياتهم... هؤلاء هم مباركو أبي الّذي في السّموات والّذين تجسّد ليشدّ أزرهم إليه، إلى حبّه، إلى العيش معه في كلّ يوم تشرق عليهم فيها شمس برّه!.

هؤلاء اليوم، وفي قراءة الإنجيل هذه من "متّى الرّسول"، يحرّكوننا إلى التّعرّف بالرّبّ يسوع المسيح.

وكان الرّبّ قد غادر النّاصرة الّتي ولد فيها ذاهبًا إلى كفرناحوم حيث بشّر، فصارت هذه مدينة سكناه، لكنّه كان يقول: "ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه! وليس لنبيّ كرامة في وطنه وبين أهل بيته!".

هكذا حَضر الرّبّ ليخلّص ما قد هلك!. وها نحن نلتقي حفنة من الّذين خالطهم يسوع والّذين سمعوا عنه فتبعوه، من مرضى ويابسي الأعضاء ومن الكتبة والفرّيسيّين ومن لفّ لفّهم!.

"اجتاز إلى مدينة فإذا بمخلّعٍ ملقى على سرير قدّموه إليه! فلمّا رأى يسوع إيمانهم، قال للمخلّع: "ثق يا بنيّ مغفورة لك خطاياك".

     الموضوع الأساس، أنّ يسوع أتى ليقيم البشريّة كلّها من تخلّعها بمثال هذا المخلّع اليوم!.

الرّبّ أتاه... عبَرَ إليه ليخلّصه... لم ينتظر منه هو والّذين حملوه الإتيان إليه! هو أتاهم!... هكذا يعلّمنا الرّبّ أن نصير واحدًا معه!... حتّى في خطايانا!!... أن لا نأنف من الأخ الخاطئ والّذي بلغ في هذا المقطع الإنجيليّ ذروة الخطيئة، إذ بادره يسوع قائلاً له: "ثق يا بنيّ مغفورة لك خطاياك"!! استعمل كلمة الخطيئة لا بالمفرد، بل بالجمع. إذًا هذا المُلقى على سرير، المحمول من رفقته، كلّهم أتوا إلى الّذي سمعوا عنه أنّه المعلّم، المبشّر والطّبيب الشّافي. إلى هذا أتوا!... لم يكن في قلوبهم أيّ شكّ أو تسآل!.... حملوا رفيقهم! ولا نعرف إن كانوا أقرباءه!

إنّهم الجماعة المؤمنة بيسوع!!. هذا فقط يكفيهم وهم الّذين يقتسمون الميراث!. ميراث الحبّ المتدفّق من حضرة السّيّد!... لم يطلبوا منه شيئًا، فقط قدّموا مخلّعهم إليه! ناظرينه: أنت تعرف ما به. لم ينطقوا بكلمة. لم يهمسوا ببنت شفة. فقط قدّموه إليه! وكانوا يحسّون أنّ هذا "النّبيّ" والمعلّم لا يريد كلمات إطراء تدغدغه ليَشفي!... فقط رأى إيمانهم. والرّؤية من القلب، على الوجه، بالصّمت: "ثق يا بُنيّ مغفورة لكَ خطاياك"!... تبنّاه الرّبّ!! اتّخذ وزر خطيئته على نفسه! لم يعاتبه، لم يقرّعه، لم يأنف من رائحة نتن خطيئته! فقط ارتضاه وخطاياه وتبنّاه قبل أن يشفيه وبعدُ، في قيامه من جحيمه!.

سمعه المخلّع منتظرًا كلمته! قم فامشِ!. لكنّ الرّبّ كان عليه بدءًا أن يصلح الكتبة الّذين ادّعوا المعرفة الكذوب الّتي أعطتهم سلطان الدّينونة حتّى على الإله الّذي لم يعرفوه لأنّهم ما أحبّوه!.

دخل حجاب قلوبهم! فتّق أفكارهم. وإذ علم شرّهم نهرهم: "لماذا تفكّرون بالشّر في قلوبكم؟!" أََخرسَ ادّعاءهم المعرفة طارحًا أمامهم سؤله: "ما الأيسر أن يقال؟"... وأتى إلى الأهمّ. "ولكن لكي تعلموا أنّ ابن البشر له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا". علّهم يتساءلون بما هو في الحق، وإذ تختلط المعرفة لديهم، يلجأون إليه لا باتّهام أو تكبّر أو إدانة، بل قائلين علّمنا يا سيّد!... لكنّ قلوبهم بقيت قاسية ضحلة إذ أحبّوا عتمة جحيمهم على نور الرّبّ وفرحِهم بصحّة المخلّع! فقط تساءلوا ومجّدوا الله ولم يُدركوا أنّهم أمام الإله عينه!.

     وعاد يسوع إلى من كان عليه أن يقيمه! "قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك!!. فقام ومشى إلى بيته". تفجّر تخلّع وموت الإنسان، إلى قيامة الحياة، إذ التقى الإله فشفاه!.

     هذا نور المعرفة الوحيد! الحق الّذي على كلّ إنسان أن يعرفه!. إلهنا إله حياة لا موت فيها، بل أنوار قيامات يوميّة تتفتّق شعاعات حبّ لا يخبو بين الرّبّ يسوع وجبلّته، ليجيبه الإنسان: "هأنذا لك يا ربّي فخلّصني إذ ألجأ إليك"!.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

4 تموز 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share