الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
أيّها الرّوح القدس!

     أنتَ هو الرّبّ المحيي، المنبثق من الآب، الّذي هو مع الآب والابن، المسجود له والمُمجّد، النّاطق بالأنبياء.

     وأنتَ المساوي للآب والابن منذ الأزل – المنبثّ في الكون روح قدس. منه تجسّد الكلمة الإله الابن من حشا العذراء مريم.

     وأنتَ أنتَ مُنْطِقُ قلوب القدّيسين الرّحمة ومكفكف دموع اليتامى ومفجِّرُ المياه الحيّة من بطون الأرض الظّمأى إلى العطشى، الّذين لم يعرفوا بعد أنّك تناديهم لكي يأتوا ويشربوا منك المياه الحيّة الّتي كلّما استقوها غارت في جوفهم لتُنبِع مياهاً أصفى وأعمق وأنقى وأكثر حلاوة! رقراقة لا تتّسخ ولا تنفد أبداً.

     هذه مياه الرّوح القدس المعطيها الرّبّ يسوع المسيح إذ صاح قائلاً، في اليوم الآخر العظيم من العيد بعد قيامته من بين الأموات: "إن عطش أحد فليأتِ إليّ ويشرب"، إلى الّذين يحبّونه في العالم الّذين أعطاهم الرّبّ أن يعرفوا أنّهم لن يذوقوا الموت ما دام هو معهم. هؤلاء الّذين يطيعونه في الحبّ، في الرّحمة، في المسامحة، في الاتّضاع، في قبول اللّطمات والبصاق من الّذين حولهم، الّذين اختارهم الرّبّ أيضاً لكنّهم جحدوه لمجد قلوبهم، الّذين لا يرأفون بالفقير والمسكين، الّذين لا يحبّون العدل والحقّ، الّذين يحيَون في مآرب نفوسهم ويتسلّطون على الأمم حولهم لينيخوها قاهرين إياها فيركبوا رقاب المساكين ويسوقونهم إلى الذّبح ضحايا لإشباع رغبة الشّيطان الّتي فيهم والّتي تُعليهم لتدمّر البارّ والصّدّيق والفقير واليتيم والعامل الّذي يأكل خبز فريضته بدموعه ودمائه، ووجف قلوب الّذين ينتظرونه في البيت ليعود إليهم غير مشوّه أو مقتول.

     وقف يسوع في الوسط وتلاميذه مختبئون خائفون من اليهود وقال لهم: "السّلام لكم"... وإذ فرحوا ثبتّهم ثانيةً: "السّلام لكم"... رفعهم من بشريّتهم إلى ذاته. ساواهم بنفسه. أَتحدهم به... "كما أرسلني الآب كذلك أنا أُرسلكم. ولمّا قال هذا نفخ فيهم وقال لهم خذوا الرّوح القدس"... "من آمن بي فكما قال الكتاب ستجري من بطنه أنهار ماء حيّ".

     إلى هذا العالم السّاقط أرسلهم خرافاً بين ذئاب، مسوقين إلى الذّبح مثل إلههم، لكنّهم حاملون نعمة واقتدار الرّوح القدس المعزّي الّذي أرسله الابن لهم. هؤلاء كلّهم سيبقون عطشى كلّ أيّام حياتهم للعودة إلى حضن يسوع الّذي عايشوه ولم يعرفوه إلاّ لماماً!!. أقامهم على ملكه، على عالمه، على خرافه مسحاء مذبوحين بحنين الرّجعة إلى حضنه، العطشى إلى حبّه، إلى سلامه الّذي فُقِد في العالم وهم بالطّاعة عاملون لاسمه القدّوس حتّى يتمجّد هو والآب بالرّوح القدس المُغني الحياة بالرّجاء وبوعد فيضان ينابيع الماء الحيّ المتدفّقة من أحشاء العائشين باسم الرّبّ وله، العاميلن مشيئته في كلّ حين، التّائبين عن خطاياهم وجهالات الشّعب، الموزّعين برفق بركات الرّوح القدس حتّى لا يفنى إيمان قطيع المسيح في هذا العمر. فليكن اسم الرّبّ ممجداً ومباركاً أبداً. آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

23 أيار 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share