<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّادس من الصّوم
الدّخول إلى أورشليم الموت
بالقيامة!!

     وكان لا بدَّ للجموع وكلّ الأمم أن يهرعوا وراء المعلّم للدّخول معه إلى أورشليم!!...

     يا أورشليم... يا أورشليم... يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها!!. كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادك، كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا!!. هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا، لأنّي أقول لكم إنّكم لا ترونني من الآن حتّى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرّب!!... (مت ٢٣: ٣٧-٣٩).

     ها أورشليم مليكة وبيت الملك العظيم، حيث سيّد الهيكل وحيث يلتقي فيه النّاس للعبادة والصّلاة والتّعلُّم ولقيا الكهّان وحيث فيها وعلى أبوابها تُباع الأبقار والعجول والتيوس وتذبح لتقدّم ضحايا شبه بشريّة عن خطايا المؤمنين وجهالات الشّعب منتظرة دخول مسيحها وسيّدها إليها!!.

     وكان على المعلّم يسوع المسيح أن يقدِّم ضحيّة، قبل دخوله إلى الهيكل، إلى بيت المَقْدِس، إلى أورشليم الأرضيّة!!.

     وكان لعازر هو كبش المحرقة!!. وهو الضحيّة!! ولأنّ يسوع كان يحبّه، انتقاه فدية!!.

     يا سيّد ها إنّ الّذي تحبّه مريض... فلمّا سمع يسوع قال: ليس هذا المرض للموت بل لأجل مجد الله، لكي يمجَّد ٱبن الله به... وكان يسوع يحبّ مرتا وأختها ولعازر... (يو ١٤: ٤).

     وتوانى يسوع متأخّرًا في الذّهاب إلى بيت عنيا قرية الإخوة الثّلاثة!!... كان على الجمع الغفير أن يرى، أن يُشاهد ليشهد، فيؤمن!!. ولم يكن الرّوح القدس قد حلَّ بعد على الجماهير، وعلى كلّ الجموع والأمم!!.

     وكان الرّب معلّمًا!!، واحدًا منهم، من بلادهم، يعرفونه!!. عايشوه، تبعوه، رأوه، شفى مرضاهم ومجذوميهم، فتح أعين عميانهم ليروا، وإذ عاينوا آمنوا لكنّهم عادوا فشكّوا، إذ لم يكونوا قد اعتمدوا بعدُ بالماء والرّوح!!.

     ومات الأخ، رجل البيت، حبيب المعلّم ولم يكن يسوع قد وصل!!.

     تأخّر الرّكب؟!... لا بل أخَّر يسوع وصوله حتّى يُيْقن النّاس أنّ لعازر قد مات ودفن وأنتن وليس من حقيقة أخرى يختلفون عليها!!.

     هكذا عبر الملاك باب منزل مرتا ومريم ولعازر ماسحًا عتباته برسم الصّليب فوق رؤوس المارّين تحته ليدخلوا فيعزّوهم!!... كيف لم يمنع ختم الصّليب على حاجب البيت من طرد ملاك الموت عن المنزل؟!.

     لماذا زار الموت اليوم بيت من أحبّهم يسوع؟!.

     ألا يطرد حبُّ المعلّم والطبيب والشّافي الموتَ عن أحبّته وهو الإله؟!.

     ثم قال لهم يسوع صريحًا: لعازر قد مات...

     وكان على الموت أن يكون، ليُقْهَر!!...

     ليس في وجه الشمس إلاّ النّور، وليس في شعاعات القمر إلاّ لفائف الشمس المنسكبة عليه لتستنير الأرض بالنّور ويفرح الشعراء بليالي الظلمة الموخّطة جباهَ الّذين يعفّرون جباهم بتراب الصّلاة!!.

     الجموع تبعت يسوع!!. تبعته لأنّه كان في طريقه إلى النّهاية، والنّاس يحسّون، هكذا تاليًا، يعرفون!!. المعرفة خاصيّة الإيمان ولكن قليلون هم الّذين يؤمنون إيمانًا حقّانيًا، لذلك قلّة هي الّتي تعرف!!...

     وربض الحزن على صدر مريم، فبكت لعازر أخاها بكاء حزنٍ ومرارة تَفجُّعٍ!!. أما مرتا فقالت له الحقيقة؛ نادته: يا سيّد لو كنت ههنا لم يمت أخي... أوقعت المسؤوليّة كلّها على كاهل يسوع!!. وكان على الموت أن يقع على كاهل من يستطيع حمله!!... وكان المعلّم هو الموت والحياة!!...

     فذهب هو وصحبه إلى مكان القبر وحاجّت مرتا يسوع وعرف الجمع أنّها تعرف من هو هذا المعلّم الواقف أمامها: مهما تطلب من الله فالله يعطيك!!. وعلّم يسوع مرتا والجمع قائلاً: أنا القيامة والحياة، من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكلّ من كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد!! أعطاها سرّه... أخبرها من هو!!. امتحن إيمانها، ساءلها: أتؤمنين بهذا؟!. قالت نعم يا سيّد أنا مؤمنة أنّك المسيح ابن الله الآتي إلى العالم!!.

     وكان هذا القول حجّة إيمان مرتا ومريم ولعازر وكلّ الّذين قرأوا ويقرأون هذا الإنجيل!!. والّذين أدركوا بحسِّ قلوبهم حقيقة الألوهة والحياة والقيامة!!.

     اليوم دحضدت مرتا الموت بقولتها هذه!!. ضربت اقتدار الشرّير على عائلتها وكلّ صحبها وعلى اللّيل الأليل الّذي يُعتم حقيقة النّور على وجه الكون!!.

     وكانت هذه أوّل مواجهة بين المعلّم والمرأة حول الموت والقيامة!!.

     مرتا... عرفت القيامة قبل أي إنسان آخر من صَحْبِ يسوع!!.

     وكان هذا هو الإعلان البدء لحقيقة الوجود البشريّ الإيمانيّ على الأرض!!.

     الإنسان بطبيعته المخلوقة من الله، يرفض الموت!!.

     أنا هو الطريق والحقّ والحياة!!... من آمن بي وإن مات فسيحيا!!!...

     الموت واقع حياتي!!... بل هو محور الحياة!!. لذا كلّ النّاس يموتون بعد السّقوط!!...

     لكن بإقامة يسوع لوحيد ابنة المرأة في ناين، دخلت القيامة حياة الإنسان بعد موته!!. ثم بقيامة لعازر، قام كلّ يهود اليهوديّة من موتهم الأبديّ إلى قيامة المسيح الأزليّة فيهم، إن هم آمنوا به بالحقّ!!.

     وأخذ يسوع صحب مرتا ومريم إلى القبر وراءه!! كان على المعلّم أن يبثّ الجمع وعد الحياة الجديدة، كي يعرفوا صدقًا أنّ لا موت في الحياة!!...

     ولا فناء، وعفونة، حيث تولد الحياة من بطن الموت الّذي قهره الرّب وأخلاه في سفر الحياة!!.

     والحياة هي الإله والإله هو النّور الّذي لا يعروه مساءٌ!!.

     لو كنت ههنا لم يمت أخي!!...

     وكان على المنطق أن يهرع ليتوازى مع الحياة!!.

     مع الإيمان!!...

     واستبان الوضع مكشوفًا بين الإيمان واللّاإيمان!!.

     بين الحياة والموت!!. بين الحقّ والباطل!!... بين الإله والشيطان!!.

     محدوديّة الإنسان بالموت ألقته في لعنة عبادة ذاته، وتاليًا أفرزت رجالاً ونساءً عبروا في النّار والماء وخرجوا من أتون جحيميّتهم متألّقين بالنّور الإلهيّ وناطقين الكلمة البكر، ملتحفين رداء الصّليب القرمزي للحياة والعيش في كنف الإله الإنسان الرّب يسوع المسيح المصلوب والممجّد لخلاص العالم!!...

     وكثُرت الجماهير الّتي تقاطرت لترى لعازر مُقامًا من بين الأموات!!!... لعازر كان واحدًا منهم!!... قالوا: الرّب أقامه!!... إذًا سيقيمنا نحن أيضًا إن متنا!!... هكذا تقاطروا وراء السّيّد لأنّهم أحسّوا وعرفوا أنّ حقيقة الموت يلغيها هذا الإنسان الّذي اسمه يسوع!!. ذهبوا راكضين وراءه إلى أورشليم من بيت عنيا ليروا بأمّ العين، أنّ جواب الموت في حياتهم هو الحياة والقيامة!!...

     هكذا هرع كلّ الأطفال والنّساء والرّجال وشيوخ الشعب!!... التقوا المسيح راكبًا على جحش ابن آتّان فصعدوا أشجار الجميز ليروا يسوع!!... كلّ القصار القامة صعدوا مثل زكّا ليعاينوا يسوع مارًا جالسًا على عرش مجد ملكه!!... ثم نزلوا إذ عبر وتبعوه!!...

     لِمَ طلب يسوع حمارًا حتّى يدخل به أورشليم مدينة ملكه الّتي ستقبض عليه لأنّه أقام الموتى – خاصّة لعازر – المعروف في اليهوديّة وشفى العميان والبرص واليابسي الأعضاء طاردًا الشياطين من ذريّة آدم؟!... لماذا طورد الّذي طرد الشياطين من المأسورين بهم؟!!!.

     ووقف الشعب!!. تسمّروا!!!... جلجلت الأرض بأبواق التهليل: هذا يسوع النّبيّ الّذي من ناصرة الجليل... لنذهب ونستقبله!!.

     لذا قرّر رؤساء الكهنة أن يقتلوه!!... الشعب يستصرخه الخلاص للحياة الأبدية، والشيطان السّاكن قلب العالم يزأر: اصلبوه!!. اصلبوه!!.

     اليوم انتفى الخوف!!... بطل الفكر القرار!!... الكلّ مشوا إليه! انتفى العقل!!... كان القلب وحده بجيشان العاطفة ينبض!!. لاقى الحسّ مخزنه!!... وتنزّل الحسُّ إلى الرّجلين، إلى الكعبين، فصار العالم كلّه يركض، يُسرع، يلهث، يعرق، حتّى طيور السّموات، وحيوانات الغاب انسلّت من مخابئها قافزة تابعة رهط عالَمِ السّيّد!!. تابعته لتصيره... واحدًا معه!!.

     اصلبوه... اصلبوه.. أنصلِب ملككم؟!...

     ليس لنا ملك إلاّ قيصر!!...

     هكذا سَيّد العالم الشيطان، يومَ صَلْبِ المسيح!!...

* * * * * * *

     كان السّقوط الأوّل يوم سمع آدم وحوّاء صوت خطى الإله في الفردوس!!!...

     وكان السّقوط الثّاني يوم عُلِّقَ الإله الرّب يسوع المسيح على خشبة ليخلّص ما قد هلك!!!...

     وصرخ الرّب يسوع المسيح بخاصّته: أنتم لستم من هذا العالم!!... اخرجوا من بينهم!!...

     هكذا فَرَزَنا السّيّد خالق السّموات والأرض ربّنا، قطيعًا صغيرًا له!!. حملانًا حوليّة تساق إلى الذّبح مثله ولا تفتح فاها!!. مضروبين، منتقصين ممّن أدخلوا الشرّير في كواليس مسرح هذه الحياة، إلى اللّعب بكنيستهم وبأنفسهم!!. ولم نعد نعرف من الممثّل الأوّل ومن منهم سيغنّي أُغنية الوداع؟!...

     علّقوا الرّب على صليب خزيهم ولم يهتمّوا بالإله الإنسان المصلوب عليه!!... جمعوا بقايا خشب الصّليب ليعلّقوها ذخائر تحمي انفعالات عقولهم ونفوسهم!!. صار الإيمان لهم تعويذة يلبسونها حُللاً مطرّزة بالذّهب وتيجانًا تلتمع بالحجارة الكريمة!!. واغتنوا!!. نعم اغتنوا بتقويمات كذبة عصرهم ورِخْصِ ضحالة إيمانهم!!. ألغوا الصّليب والمسيح المصلوب عليه والتوبة بعد ارتكاب الفحشاء وعيش الخطيئة ليصيروا هم الصّليب لشعبهم!!!...

     كلّهم صاروا أورشليم الحكم الأرضي للتهتُّك والضعف والممالقة!!...

     يا أورشليم... يا أورشليم... يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها!!... هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا!!.

     هكذا صرخ الرّب يسوع وهو يطأ تراب أورشليم: يا شعبي، يا شعبي!!. ماذا فعلتُ لكَ؟! لفقرائك أطعمت، يا شَعبي ماذا فَعَلْتُ بِكَ؟ أَلَمْ أُفْعِم اليَهُودِيَّةَ مِنَ العَجَائِب؟!. أَلَمْ أُنهِض الأمواتَ بِكَلِمَةٍ فقط؟!. أَلَمْ أَشْفِ كُلَّ مَرَضٍ وَاستِرخَاءٍ في الشعب؟!. فَبِماذا تُكافِيني؟!. ولِماذا تَنساني؟!. عِوَضَ الأشفِيَة وَضَعْتَ فِيَّ جراحات، بَدَلَ إِحياءِ المَوتى تُمِيتُني مُعَلَّقاً على خَشَبَة، أَنا المُحْسِنَ كَفاعِلِ شَرّ، وَالوَاضِعَ النَّاموسَ كَمُتعَدّي الشَّريعة، ومَلِيكَ الكُلّ كَمَقْضِيٍّ عَليهِ. (ذكصا صلاة مساء الخميس العظيم).

     ولم يكمل الصّرخة، بل دخل في صمت نوحه العظيم على شعبه!!...

     جعلهم يسوقونه إلى المحاكمة أمام بيلاطس!!...

     وهيرودس كان في الخباء ينتظره!!. خرجت الفئران من أوكارها!!... وسكن الكون!!... والشعب والأطفال والنّسوة المرضعات جفّ حليب أثدائهنّ!!. والكلّ مشى... جارًّا أقدامه إلى الجلجلة!!. إلى وقفة صمت وسكون الموت وانتظر!!. استكان الحسّ... بَرئت حركة النّفس والجسد من فعلِها... مات الموت!!... توقّف نبضُ القلب!!. ماذا بعدُ؟!...

جلجلت صرخة القيامة من فم الإله على الصّليب!!... اغفر لهم يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون!!.

وصرخ الجند في صمتهم، لا تمت!!. لن تموت!!. وكان صالبوه يطلبون جرّه إلى ساحات الحكم والإيلام أيضًا وأيضًا!! وإذ لم يكتمل غيّهم... طعنوه!!.

     تفجّرت القيامة من جنب إله الكون حياة غسل ومعموديّة جديدة لغفران الخطايا!!. وخرجت من جرح يسوع عروسه الكنيسة لتحمل خطايا الشعب وأبنائها أيضًا وأيضًا... ليكمل اكتمال القصد الإلهيّ!!...

     ومن بُعْدِ أبعادِ المشرق طلعت تمتمات النّور الفجريّ ونغم الحبّ!!...

     المسيح قام من بين الأموات ووطئَ الموت بالموت ووهب الحياة للّذين في القبور.

آمين...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

13 نيسان 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share