<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
تأمّلات في الإنجيل
يسوع النّاصريّ
بين القيّامة والتخلّع

     ها الكنيسة وضعت للمؤمنين اليوم كما في كلّ الآحاد بعد قيامة الرّبّ يسوع المسيح إنجيلَين... الأوّل من أناجيل "الإيوثينا" الّذي للقيامة والّذي يُقرأ في أسحار الآحاد على مدار السّنة، والثّاني الّذي يسمعه كلّ المؤمنين الّذين يأتون العبادة باكراً، للقدّاس الإلهي.

     إنجيل "الإيوثينا" للقيامة يحكي عن تلميذَي عمواس ودنوِّ الرّبّ يسوع منهما سائراً معهما إلى عمواس القرية الّتي كانا يقصدانها خارج أورشليم بعد صلبه. ويذكر الإنجيليّ لوقا "أنّهما كانا يتكلّمان أحدهما مع الآخر عن تلك الحوادث كلّها". أيّة حوادث؟!. الوشاية بيسوع وتسليمه ومحاكمته وصلبه ودفنه وقيامته في اليوم الثّالث!! ولمّا تظاهر أنّه لا يعرف ما جرى سألهما: "ما هذا الكلام الّذي تتحاوران به وأنتما سائران مكتئبَين؟ فأجاب أحدهما، واسمه "كليوبّا"، وقال له: "أنتَ وحدَك غريبٌ في أورشليم ولم تعلم ما حدث فيها في هذه الأيّام"؟! (لو 15:24).

أمّا الإنجيل الثّاني فهو إنجيل الرّسول "يوحنّا" والّذي يُقرأ هذه الفترة في القدّاس الإلهيّ حول المخلّع!.

المقاربة بين الإنجيلَين واضحة التبيان أنّ يسوع تجسّد وعاش وبشّر وتألّم عن هذا العالم منذ بدء السّقوط وحتّى اليوم، وما زال في هذه الحال حتّى يومنا هذا وإلى منتهى الدّهر، أي حتّى مجيئه الثّاني!.

وأتوقّف إلى سؤال يراودني منذ حداثتي وحتّى اليوم، وإنّي يقيناً ما زلت أسمع وجع روح الّذين يحبّون الرّبّ: ألم يتألّم السّيّد في البشرة على قسوة قلوب الّذين تجسّد لأجلهم؟! ألم تتحرّق أحشاؤه فنطق: شَفيتُ العشرة البرص فلم يرجع شاكراً إلاّ ذاك السّامريّ الغريب؟! وأنتم يا شعبي؟!.

لماذا يساكن حتّى الإله والرئيس والمسؤول وأحبّاء المسيح الوحدة والوحشة وحدهم متسائلين كيف ما بعد القيامة يبقى الإنسان المعمّد والمبشّر والعامل في خدمة الأسرار لا يكشف أعماقهُ لحلول الرّوح القدس فيه معمِّداً إيّاه، بدموع التّوبة والحبّ والبذل وحمل من حوله في الصّلاة المجنّحة بالنّعمة إلى الإله؟!.

كيف والحبيب زارنا ساكناً معنا فينا ونحن ما زلنا نراوح مكاننا بين السّقوط ووشوشات القيامة؟! لماذا ننكر وجع يسوع النّاصريّ الّذي عاشه علينا ولا نتغيّر؟! أنبقى في سرّ الإنكار والإعراض والتّواني؟! أنبقى في عدم المعرفة؟!. أنبقى في التّخلّع والموت نائمين في قبور أنفسنا، وإذا أقامنا السّيّد بيده نعود لنسقط متلذّذين في مواتيّتنا وضيق نفوسنا، فرحين بالتّابوت الّذي صار منزل نفوسنا ومسقط رأسنا؟!.

     "وصعد يسوع إلى أورشليم عند باب الغنم إلى بركة تسمّى بالعبرانيّة "بيت حسدا" لها خمسة أروقة وكان مضطجعاً فيها جمهورٌ كثير من المرضى من عميان وعرج ويابسي الأعضاء ينتظرون تحريك الماء، لأنّ ملاكاً كان ينزل أحياناً في البركة ويحرّك الماء" (يو 1:5-3). فمن ينزل توّاً بعد تحريك الماء يُشفى؟؟!!

     هذا هو مكان لقيا البشريّة الّتي حكمت على نفسها بالتّخلّع والشّلل!.

في العهد القديم كان يرسل الله الأنبياء أحياناً ليقولوا كلمة من عنده فيتعلّم النّاس أو يبرأوا!!! ولم يتعلّم الإنسان رغم البُرء الّذي أصابه؟! أن يحبّ إلهه فلا يعود يخطئ بعد؟! حبّاً بالخطيئة؟؟!

     أمّا في العهد الجديد، عهد النّعمة والقيامة فالرّبّ يأتي البركة الّتي هي العالم، وكلّ أولئك المخلّعين والمرضى والعميان والعرج واليابسي الأعضاء سيشفون به هو!! بحضرته، بقيامه في كلّ إنسان يتّكل اتّكالاً كاملاً أساساً عليه ليطلبه، يقاربه فيتحده الرّبّ بذاته داحضاً الموت والقبر.

لكن تبقى إرادة الإنسان هي بدء الحياة ومنتهاها عند الرّبّ المخلّص!.

"أتريد أن تبرأ"؟. والرّبّ قال في كتابه "ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا"!!

ملَّكَنا الإلهُ "الحريّةَ" هديةَ تقاربنا بطبيعة ألوهته لنصير بنعمته مثله!!

نختاره فنتبعه داخلين إليه من الباب الضّيق، لننجو بكلمته من فخاخ العدو الّذي ما زال ناشطاً وناجحاً في اقتناصنا! وقال المخلّع بعد ضيق شريعة اليهود: "ليس أحد يلقيني في البركة عند تحريك الماء حتّى أبرأ"... فقال له يسوع: "قم احمل سريرك وامشِ"... وإذ وجده يسوع في الهيكل قال له، "ها قد عوفيت فلا تعد تُخطئ لئلا يصيبك أشرّ".

ها حكاية سقوطنا والخطيئة المخلّعتنا أمامك يا يسوع النّاصريّ!!!.

نحن كلّنا في لذّة الخطيئة نرتع!! لذا نبقى سني العمر في تخلّع الخطيئة، فرحين مساكنيها يا ربّ؟!

نحن نحبّك أوقاتاً وأنت تطلب الملء!! شدّد ركبنا المخلّعة وقلوبنا المجرّحة من فعل الخطيئة هذه، من مواتيّتنا، من هشاشة كياننا، من معطوبيّتنا الّتي كأنّنا نحن نريدها ونحبّ أسرها لنا؟!.

يا ربّنا خذنا إليك تلواً فقد تعبنا في قبرنا واخرج بنا: يا شعبي لا تخف بعد: أنا المسـيح متّ وقمتُ لأجلك وأنا معك حتّى منتهى الدّهر آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

25 نيسان 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share