صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّابع والعشرون
بعد العنصرة.
آمينُ للدّخولِ بالميلادِ
من الباب!!...

   "...الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم، إنّي أنا هو بابُ الخرافِ وجميعُ الّذين أتوا قبلي هم سُرّاقٌ ولصوص... أنا الباب... إن دخلَ أحدٌ بي يخلصُ ويدخلُ ويخرجُ ويجدُ مرعى" (يوحنّا ١٠: ١٠).

   هكذا أَحكَمَ الإلهُ الرّبُّ يسوعُ المسيحُ إيصادَ بابِ الملكوتِ، مشيرًا إلى جموعِ تلاميذِهِ المتحلِّقين حولَهُ والجمهورِ الكثيرِ من الشّعبِ، من كلِّ اليهوديّةِ وأورشليمَ وساحلِ صورَ وصيدا ممّن جاؤوا ليسمعوه ويبرأوا من أمراضِهم ومن المعذَّبين بالأرواحِ النّجسةِ... "وكانوا يُشفون"...

   اليومَ يَرِدُ السّيّدُ الرّبُّ الإلهُ ابنُ الإلهِ الآبِ والمعادلُ له في الرّبوبيّةِ والجلسةِ والقدرةِ والحبِّ والحكمِ، متنزَّلاً من نفحةِ روحِ الإلهِ الآبِ بالرّوحِ القدسِ، آخذًا على نفسِهِ وله حلّةَ عُرْسِ البشريّةِ الإنسانيّةِ، لكي يحملَ مِلْئيّةَ الصّليبِ المصنوعِ من أخشابِ أشجارِ الأرزِ السّامقةِ والطّائلةِ ازرقاقَ الفلكِ ليقولَ لجميعِ شعوبِ الأرضِ:

   اليومَ أناديكم... تعالوا إليّ وادخلوا فيّ من جُرحِ جنبي الّذي طعنتموني فيه لتمتحنوني إن كنتُ بالحقيقةِ مُتُّ لتستطيعوا الاقترابَ منّي، ولمسي، حتّى تشفوا من كبرياءِ وسلطنةِ الشّرّيرِ الّذي التزمتموه سيّدًا عليكم، ناسين أنّ لا عبادة تُقدَّمُ إلاّ للّذي أَفْرَغَ ذاتَه آخذًا صورةَ عبدٍ، صائرًا في شبهِ البشرِ حتّى يُعرِّفَكم "أنّه هو"!!.

   "أنا هو الّذي هو"!!... (خروج ٣: ١٤).

   ودخلَ الإنسانُ الإلهُ حقلَ الإنسانِ المزروعِ حنطةً، منثورًا بينها زؤانٌ وعشبٌ ييبسُ على جذورِ أشجارِ الفاكهةِ، خانقًا المأكلَ، الّذي تسعى النّسوةُ لتجزَّهُ وتقطِّعَهُ وتغسلَهُ لتُطعمَ به عائلتَها...

   هكذا تتكوَّنُ خلايا العائلاتِ الّتي تستقبلُ القادمَ من أبعدِ بُعدِ السّمواتِ، ليُلقيَ رأسَهُ على حجارةِ منازلِ هؤلاءِ الّذين أحبَّهم أكثرَ من ذاتِهِ، فافتداهم بدمِهِ جاعلَهم مأكلاً حقًا ومشربًا عذبًا فيه نسغُ الحياةِ الأبديّةِ، كما هو أخلى ذاتَهُ آخذًا صورةَ عبدٍ ليتبعوه فيصيروه بحبِّهِ لهم!!...

   من لم يذقْ طيبَ عَرْفِ المسيحِ بكلماتِ الإنجيلِ وعيشِ وصاياه، فإنّه لم ولن يعرفَ أنّ هذا الّذي كمَّلَ إنسانيَّتَنا، بروحِهِ القدّوسِ المتغلغلِ في خلجاتِ قلبِنا وروحِنا، صارَ هو هو نورَ عينِنا وشافينا من سقطتِنا، بأرديةِ الحنان الّتي لفَّنا بها، ليُهرِّبَنا من الّذين يتبعوننا ليقتلوا من ملّكَنا ذلك الاقتدارَ الّذي فينا، الّذي نحن لا ندركُهُ بل نحيا فيه ومنه... لا نعيهِ، لكنّنا نتنفّسُه حضرةً تلفُّنا وتتركُنا، ثمّ تعودُ لتبنيَ حِسَّنا الدّاخليَّ: أنّ هناك ما ينقصُنا، فنهرعُ إليه  لنلقاه، يجتذبُنا برحيقِ وحنانِ حضرةِ حبِّهِ لنا، فندخلَ إليه خِلْسةً من وراءِ ظهرِهِ، لنمشيَ التّرابَ الّذي داسَهُ فنأكلَهُ لأنّنا مشدودون باليقينِ "أنّ هذا هو"!!. وأنّنا له، نحبُّهُ، نودُّهُ، نتبعُهُ، لا نلقاه أحيانًا، نبكيه، فيجفِّفُ دموعَ حرقتِنا، يعزّينا بلفتةٍ، بحنانِ نظرةٍ، بحبٍّ لا يرتسمُ إلاّ مويجاتٍ على سطحِ مياهِ دموعِ عطشِنا إليهِ!!...

   اليومَ إذ نتمتمُ له وجْدَنا، يلفظُنا: "أنا أنتم... فصيروا أناي... وادخلوا إليّ... اتبعوني لأخلِّصَكم من جُرحِ إنسانيّتِكم الّتي أَعطبَها شكُّ من أرادَ أن يستعليَ عليَّ، الشّرّيرَ، طالبَكم ليعلِّيَكم ثمَّ يرميَكم في عشقِ ذواتِكم، في الموتِ اللاّمتناهي... وأحبّوني عراةً، مصلوبين كما أنا أحببتكم!!"...

   "ما الحبُّ سيّدي؟!... ما الحبُّ لكَ إلهي؟!"...

   طلبُ نعمةِ معرفةِ الرّبِّ بحضرتِهِ... وجهَكَ يا ربّي "أنا" ألتمسُ!!...

   سيّدي تعلّمُنا فنسألُكَ: "ألا يموتُ المرءُ إذا تجرَّأ ناظرًا إلى وجهِ الإلهِ؟!...

   وسَمِعَ الإلهُ صوتَ آدمَ وحوّاءَ يصرخانِ من فردوسِهما... لم يكنِ الصّوتُ صوتًا بشريًّا... كان زعيقًا خافتًا وأنينًا مخفيًّا من همهمةِ قلبِ حوّاءَ بجانبِ آدمَ... لم تقلْ له حقيقتَها، ألمَها، شكَّها وجعَها... لأنّها أحسَّت، بعد الإصغاءِ إلى فحيحِ الحيّةِ الشّيطانِ، أنّ آدمَ صنوَها، شريكَها وقرينَها، تغيَّرَ، إذ رفضَ الإلهَ والسّكنى مع الإلهِ!!... صارَ قاسيًا... نَظَرَتْهُ، فَنَفر منها... اعتملَ حاجزُ العداوةِ بينهما... أبعدَها عنه... خافتْ... بَكَتِ الإعراضَ... بدأتِ الدّموعُ تنهمرُ ولم تكنْ دموعَ التّرجّي للإلهِ، لأنّها وقرينَها صارا طريدَي الحبِّ الإلهيِّ والثّقةِ... هربَتْ، ركضت حافيةَ القدمَين متسربلةً قميصًا كتّانيًّا خاطَتْهُ لها الحيّةُ، متفلتةً بشعرِها، محدِّقةً حولَها بعيونٍ مستديرةٍ، جزعةً وصارخةً حشرجةَ رُعْبِها مِنْ طَرْدِها من فردوسِ سلامِ كيانِها في حضرةِ ربِّها!!... كانت كأنّها حوّاءُ الّتي لا تعرفُ الله... كانت معه في فردوسِ ملكِهِ... كانت تتمشّى بهدأةِ مَنْ ليسَ له ما يبحثُ عنه... كانت جذلةً، هادئةً... كانت مكتفيةً... كان هذا سكونَ العيشِ في المخازنِ الإلهيّةِ مع الخالقِ!!...

   والآن بعد السّقوطِ، طردَها الرّبُّ وآدمَ تاليًا صنوَها من حضرتِهِ، وإذ اقتربَتْ من آدمَ تسائلُه: ماذا جرى؟!... لم يجبْها! هو، أيضًا، أَبعَدَها، غرّبَها عنه، اتّهمَها... حاسبَها محمِّلَها خطيئتَهُ!!...

   "كلُّ هذا حصلَ بسببِكِ!!"... نظرَها بعنفِ الكرهِ والحقدِ عليها... مدَّ يدَهُ ليقبضَ عليها، ليُجازيَها، فارتعبَتْ وهربَتْ منه... إلى أين يا امرأةُ؟!...

   وصرخَتْ حوّاءُ بأصواتِ عويلِ كلِّ نساءِ الأرضِ بعد السّقوطِ:... "ربّي!! وإلهي!!"...

   "سيّدي... أين أنت لتنجّيَني... لتجازيَني... ما عرفتُ يا ربّي عدلَكَ... ما عرفْتُ إرادتَكَ!!... فسامحني!!... ما عرفتُ مشيئتَكَ لنا!!. لِمَ لَمْ تُنذرْنا قبلَ انسلالِ احتيالِ الحيّةِ الشّيطانِ إلينا؟؟... كنّا في فردوسِكَ... كنّا في بلادِكَ!!. كنّا معكَ!!. لماذا أخليتَنا؟!... لماذا أَبْعَدْتَ وجهَكَ عنّا؟!...

   وخافَ الإلهُ على حوّاءَ... خافَ من حسِّ ذكائِها وتوجّعِها وتوجّهِها إليه!!. فقالَ لها: "المرأةُ لا تتكلّمُ في حضرةِ الرّبِّ ولا تُسائلُ!!"...

   وصمتَتْ حوّاءُ... وقفَتْ وحدَها... شريكُها آدمُ قطعَها عنه... أدّبَها على خطيئتِهِ بدءًا... فارتَمَتْ إليه طالبةً رضاه، اتّخذها... أولدَها أولادَ السّقوطِ!!...

   هكذا انفتحَ جحيمُ حياةِ آدمَ وحوّاءَ... وجحيمُ الرّجلِ والمرأةِ في الكونِ!!...

   وسقطَ آدمُ من فردوسِ النّعيمِ!!. ليقتلَ قايينُ أخاه هابيلَ!!.

   وغضبَ الإلهُ الرّبُّ الآبُ على خليقتِهِ!!.

   لكن كان للموتِ أن يموتَ وللسّقوطِ أن يسقطَ!!.

   وصارَ مجمعُ الثّالوثِ!!.

   رَسَمَ أن يفتديَ الآبُ... بابنِهِ!!!...

   كيف يذبحُ الآبُ ابنَهُ على مذبحِ آدمَ وحوّاءَ؟!...

   صارتِ النّعمُ بأيدي الأقانيمِ الثّلاثةِ علامةَ الطّاعةِ لكلمةِ الآبِ والرّوحِ القدسِ... هكذا أحنى الإلهُ الابنُ رأسَهُ وقالَ "النّعمَ" الأولى لمشيئةِ الآبِ!!.

   وافتدى تاليًا البشريّةَ السّاقطةَ بنعمِ المرأةِ – حوّاءَ الجديدةِ، مختارًا مريمَ... عروسًا له وأمًّا للكونِ، ليخلّصَ بها حوّاءَ السّقوطِ من احتيالِ الحيّةِ عليها، إن حاكتْها بقولِ "النّعمِ" الثّانيةِ للإلهِ...

   الآن صارَ التّردادُ الوحيدُ لكلِّ الّذين خطئوا وأثموا، والّذين حملوا لعنةَ النّاموسِ، أن يُجالسوا الثّالوثَ في قلوبِهم وأفكارِ عقولِهم ليقولَ الجميعُ بل كلُّ الكونِ: "نعم ثمَّ نعم ثمَّ نعم"...

   اليومَ صارَ الكونُ يجلسُ... يفتحُ الكتبَ والصّحائفَ الجديدةَ الّتي هي الكلمةُ لعيشِ الحياةِ الجديدةِ في المُلْكِ الجديدِ والنّورِ المتجدِّدِ والمتنزَّلِ عليهم كلَّ يومٍ من لدنْ أبي الأنوارِ والابنِ الكلمةِ بالرّوحِ القدسِ...

   اليومَ تبدأُ مسيرةُ الميلادِ الإلهيِّ، للطّفلِ الإلهيِّ، في مذودِ البقرِ خارجَ المدينةِ، لأنّ الكونَ بالحقيقةِ لا يريدُهُ!!.

   اليومَ يَعِدُنا ربُّنا، الإلهُ الآبُ، أنّه سيولدُنا من رَحِمِ السّقوطِ ولادةً جديدةً "بمريمَ" البتولِ، أمِّ الإلهِ الابنِ يسوعَ...

   اليومَ نعرفُ أنّ إلهَنا اختارَ خاصّتَهُ وخاصّتَهُ تعرفُهُ، أمّا الّذين لا ولا يريدون اتّباعَهُ، فيبقون في الشّكِّ وقتلِ الآخرِ، كلِّ آخرَ، بالإعراضِ عنه، تجويعِه، لتدميرِ وجهِ المسيحِ الممهورِ بالألمِ عليه...

   اليومَ نحملُ ألمَ الصّليبِ طائعين غفرانَ إلهِنا لصالبيه كما هو غفرَ لهم...

   اليومَ كلُّ الّذين تابوا يقولون للإلهِ: "آمين... آمين... آمين...".


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

6 كانون الأول 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share