من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثاني من الصّوم
المخلّع وغفران خطاياه


     ”إلى من نذهب؟! كلام الحياة الأبدية عندك“... (يو 68:6)

     هذا ضعف البشريّة وتخطّيها محدوديّة سقوطها للوصول إلى السّيّد. لا يهمّ أين يسكن، أو أين يبشّر، أو أين يمشي، همّنا بادئ ذي بدء أن ”نذهب“ إليه.

     لماذا؟؟ لأنّنا أيقونته الحاملين كلمته، و”كلمته“ هي الحق الّذي، هي هو. ونحن له بعد أن اغترفنا منه وحل الموت كخبز لعيشنا.

     أهَل دخل يسوع كفرناحوم وعرف النّاس أنّه في بيت، لِغَرَضٍ ما في قلبه؟ أهَل ودّ البشارة بالشفاء؟!، أم ليُخْبِرَ ”الكتبة“، الحاملين النّاموس في عقولهم وقلوبهم، أنّه هو الرّب الإله وحده واضع النّاموس وسيّده الّذي شفى المرضى وأقام المخلّعين المخلّعين؟؟.

     أمّا نحن فنقف أمام أمراضنا الشخصيّة وبلايا خطايانا، لنختبر، إن كان في الجماعة أربعة يحملون من تَخَلَّع منّا بخطيئته، لنقدّمه إلى الرّب ليشفيَه؟؟ أهَل سنجد الموضع أو البيت الّذي يجلس فيه ربّنا، جامعًا حوله كلّ التّائقين إلى معرفة كلمة الحق منه وحده، ليخلّص كلّ الّذين يؤمنون بها بعد سماعها فيشفوا هم وأهل بيتهم من موتهم الرّوحي؟!.

أهَل كان الإله، ”الجديد“ الّذي أتى شعبه مبشِّرهم بخلاصهم مقبولاً بينهم؟ حتّى يعرفوه؟!

     أعطني هذا الغريب!.

     لهذا السّبب اجتمع كثيرون ولم يعد من موضع يسع لآخرين... و”كان يخاطبهم بالكلمة“...

     كان يخاطبهم بالكلمة؟!. لماذا أكّد، أو حدّد البشير مرقس أنّ يسوع دخل إلى بيت في كفرناحوم وكأنّها المدينة الّتي اختارها خصّيصًا له حتّى يأتيها ويرتحل عنها ويلقى النّاس فيها للشفاء والوعظ. وفي وعظه أو مخاطبته لهم، أتاهم وهو ”الكلمة“ ليكلّمهم بذاته عنهم وعن نواياهم ونوازع قلوبهم وما تمسّكوا به من كبرياء إنسانهم العتيق.

     جمع البشارة بالكلمة مع حضوره بينهم ليمتلئوا منه.

     المهم أن نُفرغ  أوعيتنا المملوءة من نوازعنا، شهواتنا، أفكارنا، مطالبنا، لنسمع... لا يقيم السّمع الإنسان من قعوده في قبره، بل يد المسيح الممتدّة له لتأخذه، بل لتسحبه من وطوئه للدّوس وسكناه قبر نفسه.

     فالقبر لم يعد مثوى للموتى ولا التراب الّذي جُبل منه الإنسان، بل المسيح، في قيامته، صار هو الكلّ في الكلّ... صار التربة والرّوح والنّفس ... وفي تجسّده هذا صار ”الكلمة“. إذ فيه اجتمع ملء جوهره وطاقته وبشريّته. لذلك صار هو الكلمة المنطوق بها، صار هو هي، من البدء إلى نهاية الدّهر. حمل ملء الألوهة وكامل الطبيعة البشريّة.

     الله الآب لم يخلق الإله الإبن، بل ساواه بنفسه، لأنّه كان معه منذ أوّل الدّهور. وفي تجسّده جمع ابن الله الألوهة إلى البشرة، فصار الكون كلّه في الإله... كلّ خَلْقٍ ليس من الله، أي ليس من ابن الله الّذي تجسّد ليس، تاليًا، ليس من الحياة... والحياة الحق هي الإله الرّب يسوع المسيح.

     أمّا الإنسان فيحيا ليفهم كلمة يسوع، يعرفها، فيصير هو كلمةً بشريّةً متألّهة، ويبقى المسيح الوعد المطلق الّذي يحيا الإنسان ساعيًا إليه لا ليفهمه بالعقل، بل ليحياه بالقدرة الإلهية والنّعمة الممنوحتين له من العلى.

     في إنجيل اليوم، أوجد لنا يسوع معادلة حبّ جديدة، حياة للجماعة الّتي تتحلّق حوله فيربطها هو به وببعضها البعض لتصير السّقف الحقيقي لكلّ طالبٍ معنى لحياته، فيُطِلُّ عليه الإله وكأنّه يقول له، أنتَ جزءٌ من الآخرين، وهم قاعدة مودّاتك للمسيح ولبعضكم البعض.

     ليس من فردية أو أنانيّة في الحياة المسيحيّة المبنيّة بدءًا على ”كلمة“ الإله وعلى الحياة معه في كتابه، في وصاياه، أي عليه هو الإله.

     لا يمكن أن تبدأ حياة وتستمرّ في النّمو الرّوحيّ إلاّ، إذا نُفِخَتْ من المسيح في منخري الإنسان، حتّى يصير نَفَسُ الإله، أنفاسَ الإنسان عينه.

     ليس لإنسان إبداع، إلاّ إذا غرف من مخزون معين الحبّ الإلهيّ، في جسده المصلوب ودمه المهراق، من جنبه الواهب الحياة مع المسيح فيه على الصّليب.

     أنت يا إنسان تعرف الإله إذ يناديكَ، وحين تسمع صوته يتكهرب كيانك كلّه فتبدأ بالعدو وراءه حتّى تلتقيه، جالسًا عند جماعة يعلّم ويشفي ويبذر الأرض بكلمته. وأنتَ أنتَ يا إنسان تعيش وتتنقّى لتصير الأرضَ الجيّدة الّتي تتشقّق بوعي لتستقبل قمح المسيح، فتنمّيه وتطعم به الّذين لا حول ولا قوّة لهم، العائشين معه، حوله وملأوا المسكونة.

     إنجيل اليوم جلسة قصيرة وشفاء رحمة وحبّ، للذين أحبّوا الأخ والقريب أكثر من أنفسهم فلم يقبلوا أن يبقى واحد مخلّعًا بينهم، بل ذهبوا به رافعين سقف معتقداتهم وأفكارهم وشكّهم وجميع نوازعهم ليصلوا إلى وسط دائرة الحياة، الّتي منها ينبجس النّور، ليشعّ مكان العتمات الجحيميّة الّتي تساكن الإنسان، فعلاً إراديًا تصير توأمه مع مشيئة الخالق له.

     ”وبعد ما نقبوه دلّوا السّرير الّذي كان المخلّع مضطجعًا عليه. فلمّا رأى يسوع إيمانهم قال للمخلّع: يا بنيّ مغفورة لك خطاياك“.

     غرابة ما حصل أمامنا الآن لا يصدّق!! كلّ مفاعيل الحياة الماضية لذاك المخلّع انتفت... أهَل طلب من رفقته أخذه إلى ”الطبيب الشّافي“ ليحصل على خلاصه؟! هل وصلت حدود خطيئته إلى درجة تحدّت الإله أو ”الآتي“ ليحصل على البرء بإصرار عشرته وقرفه من ذاته، بل يأتيه هو من ذاته، والأطباء، بالمحبّة، ليعرف حِسًّا جديدًا فيستكشفه كآخر فعل تجربة له... أهل من أمل في الحياة لإنسان مشلول ومقعد مثلي؟!.

     ”لأنّ من عندك هي عين الحياة“.

     رأى يسوع إيمان الخمسة الرّجال الآتين، ليحقّقوا وعد إيمانهم ويصيروا الخبزات الخمس الّتي أطعم منها الرّب الخمسة الآلاف والعشرة الآلاف والّذين يريدون أن يحقّقوا وعد إلههم فيهم، بإطعام كلّ البشريّة والكون من حبّ الثّالوث فيهم ومنه.

     أما الوعد فهو أنّه متى حَضَر الإله يتغيّر ناموس الطبيعة.

     شُلّوا في شكّهم ولم يفكّروا إن كان بإمكانهم حمل السّرير والمخلع الّذي عليه ورفعه إلى سقف البيت ونقب السّقف!! أيّة حجارة وأتربة هوت على رؤوس الجالسين في الدّاخل؟! والرّب يسوع لم يوقف زحفهم إليه... المسيح يحترم بل يفرح بجهود سعينا إليه. فمتى استمرّينا في المسيرة نحوه قائلين ولو بالفعل بدون كلمة...”وجهك يا الله نحن نلتمس“. فهو لن يخيِّب رجاءهم.

     ”فلمّا رأى يسوع إيمانهم قال للمخلّع يا بنيّ مغفورة لك خطاياك“.

     حركة المخلّع طالبًا الشفاء، وحَمْلُ رفقائه له، وإيمان الجميع أنّ يسوع قادر على الشفاء، جعلهم كلّهم يشفون.

     المخلّع قام صحيحًا من الخطيئة وتخلّعه بها، والبقيّة، خرجت من مستوى الشك اللاّإيمانيّ إلى مستوى الإيمان الفاعل بالمحبّة.

     شُفِي الخمسة... وبقية الجمع، أهل بقي لها أن تتساءل؟.

     علقت كلمة ”مغفورة لك خطاياك“ في ذهن الكتبة فقالوا في سرّهم هذا مجدّف، هذا محتال، ”من يستطيع أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده“؟!. أدانوه، حتّى في فعل رجوعه إلى الحياة، إلى البرء.

     دخل يسوع قلوبهم وهو العارف نواياهم قبل أن ينطقوا بكلمة زور عليه بفكرهم.

     ]...[ ”لكن لتعرفوا أنّ ابن البشر له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا“، أحبّ المخلّع قائلاً أمام كل ذاك الجمع في سرّه وعلانية لهم... هذا ابني الّذي انتزعه الشرّير مني وخلّعه، وهأنذا أُعيده بمرضه وحاجته للشفاء، إلى حظيرة الخراف، ليدخل معي إلى ملكوتي وكلّ الحاملينه والّذين لُمِسَتْ قلوبهم بحدث الشفاء ليتمتموا مع السّيّد قائلين:... أصغوا يا جميع سكان الأرض ومجّدوا الإله.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

11 أذار 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share